سينمـــا 🍿🎬
سينمـــا 🍿🎬

@cineoclock

19 تغريدة 9 قراءة Mar 13, 2021
Thread
A Hidden Life (2019)
فيلم ملهم يقدم سردية شاعرية مؤثرة تجبرك على التأمل في المزج بين ما هو درامي وما هو وثائقي حقيقي..
أكثر ما لفت انتباهي عندما قرأت عن الفيلم هو وصف أحد النقاد له بأنه أيقونة سرد شعرية لا يتقنها إلا المخرج تيرنس ماليك صاحب المدرسة السينمائية المتفرّدة في رسم الأحداث بالصورة أكثر من الصوت.
صور الماضي ما هي إلا صور انبثاق الحقبة الهتلرية وصعودها المخيف وتحشيدها لجمهورها العريض، ومنذ تلك البداية سوف نلتمس شاعرية السرد التي يتوازى فيها خطان، الأول هو خط السيطرة والحرب في مقابل خط الحياة الآمنة المسالمة قبيل أن تتسرّب إليها جرثومة الحرب فتفتك بها.
كيف نعرف أن هذا الفيلم شاعري؟
للفيلم الشعري أجواؤه المبنية على الحوار وعلى الموسيقى الدائمة على أن تكون سياقاً ملازماً للكلمات، والأجواد مبنية على بانورامية الصورة بدون كلوز آب، في الريف النمساوي.
نحن في الفيلم في العام ١٩٣٩م وألمانيا النازية في صعودها المدوّي وأصداء نزعتها التوسّعية تسمع في كل مدينة أوروبية، مع شعور متفاقم بالعجز عن الرفض أو الاحتجاج، وعلى الجهة الأخرى هناك عالم مسالم سننتقل إليه، فلاحون وسط الطبيعة تحفّ بهم جبال الألب في قرية نمساوية هانئة.
وكعادة أسلوب تيرنس ماليك فإن قضية الإنسان وصراعه غير المتكافئ مع المحيط المستبد الذي يجاوره، تحضر بقوة من خلال قصة فرانز (الشخصية الرئيسية) التي تعود إلى وقائع حقيقية عندما تم استدعاء هذا الفلاح إلى الجيش الألماني.
لم يمض فرانز وقتاً طويلاً قبيل أن تتم إعادته، حيث أنه لم يشارك مشاركة فعلية في الحرب، إلاّ أن لهيبها كان قد لامسه لجهة عمق الذات الإنسانية وطقوس الإذلال التي من أهم علاماتها قسم الولاء لهتلر.
نقطة التمركز بالنسبة للبطل من منطلق كونه فلاحاً هي الأرض، والطبيعة، وإذا بنا من نقطة التمركز الإنساني هذه سوف نجد الفلاح/الإنسان والأسرة الصغيرة ثم الأرض والطبيعة في مواجهة الحرب، فما الذي ستفعله الحرب بكل هذه المعطيات مجتمعة؟
يجسّد المخرج علاقة تكاملية بين الإنسان المتماهي مع الطبيعة حتى يغدو من الصعب إن لم يكن من المستحيل انفصاله عنها، من هنا يزج المخرج بمنظومة بصرية هائلة ومتنوعة لعرض المكان وتفاعله مع الذات البشرية، والطير والشجر ومواسم الحصاد، حتى تغدو جزءاً من ذاته ولهذا لا يتخيل انفصاله عنها.
فرانز حاله حال النمساويين وغيرهم في مثل سنّه يجب أن يلتحق بالجيش النازي، الاستدعاء أمامه، ورقة القدر التي تمتد بامتداد الشقاء الإنساني، فمن يستشير ومن سوف يكون معه في موقف الرفض وما هي التبعات؟
يتحدّث فرانز إلى القس ثم الأب راعي الكنيسة وكلاهما يحثّانه على الالتحاق بالحرب، فيقول "لكنني لا أستطيع أن أقتل أناساً أبرياء ولا أستطيع أن أقسم من أجل هتلر"، وحتى رجال الدين لم يتركهم هتلر يمارسون عباداتهم ويلتزمون بعقائدهم، بل جرّهم إليه عنوة فإما معه أو ضدّه.
لنرجع إلى نقطة البداية؛ إلى الوثائقيات التي تظهر هتلر في بداية الفيلم وهو يتفقّد جمهوره المهووس به، حيث يعمد المخرج إلى ذلك التوازي المدهش بين الواقعي والوثائقي، بين الدرامي والإنساني، ثم تحضر الوثيقة، ليبدأ فرانز بالوصف وكيف يشعر بالأماكن، بحركة القطار وضجيج العربات!
تتجلى طبقات المعنى في السرد القصصي للفيلم بشكل أكثر حدة عندما يُعتقل فرانز ويرفض القسم لهتلر، هناك حيث جنرالات السجون، وبهم سوف يتكامل عالم الرهبة حيث يدور فرانز حول نفسه وحيداً متحيّراً، لا سيما وأن قضيته قد تتطوّر إلى الإعدام ما لم يقع طارئ ما.
إخراج السجناء في فترات الاستراحة ثم جلسات التحقيق والتعذيب والحرب النفسية كلها تقدّم لنا عالماً آخر، فعمليات الابتزاز والترويع تدفع السجين إلى الجنون، ومع ذلك يدفع محامي الدفاع أمام فرانز ورقة تحمل صك براءته إن هو اعتذر وقبل بقسم الولاء، فسوف ينظر في التماس الإفراج عنه.
هذه الحبكة الثانوية التي تعتصر القلب كانت بحاجة إلى دفعة معنوية من قبل الزوجة لكي تساعد فرانز على الرضا بالأمر الواقع للحفاظ على العائلة من التشتّت والضياع، وبالتالي الحصول على الإفراج، لكن ما لم يكن في الحسبان هو أن تتبنى الزوجة موقف زوجها مجاهرة بأنها معه في أي قرار يتّخذه.
الفيلم، إضافة إلى شاعريته، إنساني في مقاربته للحرب، ناقلاً حكاية مقاومة هي أقرب لعصيان مدني، بقوة الإرادة الإنسانية المواجهة لسطوة السلاح النازي، هو فيلم عن الحرب دون أن نراها مندلعة، فيلم عن الإرادة دون أن نراها واقعية، فيلم عن الحياة دون أن نراها سعيدة.
يمكن لفيلم كهذا أن يكون جميلاً بالاكتفاء بأحد تلك العناصر: الكلام والمشاهد والموسيقى، ومعها الحكاية وترميزاتها، لكنه أتى بها كلّها، الرسائل الحميمية بين الرجل وحبيبته/زوجته، هي رسائل حب في زمن الحرب، رسائل تُظهر في هشاشتها بشاعة الحرب.
المشاهد أتت بتصوير كانت فيه الكاميرا تطفو كأنها تسرح على التلال الخضراء، تتنقل على مهل، بسلاسة كما هي رسائل الحب وكما هي الموسيقى.
الفيلم يحتوي على العديد من اللقطات والسرديات التي تستحق أن تتأمل فيها، وتسهب في طرح رؤاك عنها، وهذا هو الأجمل في عالم السينما، أن تعيش حياة أخرى، فتمنحك هذه الحياة الفرصة لاستخلاص العبر منها، من حيث جمالياتها وقسوتها وكل محطاتها.

جاري تحميل الاقتراحات...