إذا كان ثمة كلمة واحدة يمكن أن تختزل مرحلة يفاعتي في ثمانينيات القرن الماضي هي بلا شك: "مارادونا"، هذا اللاعب الساحر الذي كان يمثل لمراهق مثلي نجاح المرء في الاعتماد على نفسه وموهبته في الوصول إلى أعلى سلّم النجاح.
قبل مونديال المكسيك عام 1986 لم أكن مهتمًا بكرة القدم أو أخبارها، لكن لأنه المونديال فقد كنا نشاهد مهارات مارادونا التي تذهلنا؛ إنه "يخيط الكرة إلى قدمه، وله عيون في كل أنحاء جسده" كما سيبرع في وصفه بعد ذلك إدواردو جاليانو.
كانت أخبار ماردونا تصل إلينا رغمًا عنا. خاصة لفتى مثلي نشأ على حب قراءة الجرائد اليومية. في هذه السنة – 1986 أعني- وصلت الكهرباء إلى بيتنا في الردة لأول مرة، وتزامن ذلك مع بدء منافسات المونديال، فشاهدتُ بشغف كل مباريات الأرجنتين، من أجله هو فقط.
وحتى اليوم لا أتذكر سبب متابعتي المباراة النهائية في المونديال في مذياع وأنا في سطح بيتنا؟. هل انقطعت الكهرباء فجأة؟ هل كان إرسال المحطة التي تنقل المباراة ضعيفًا؟. هل لأمي التي لا يرضيها أن نسهر – أخي سيف وأنا- أكثر مما ينبغي لتلميذين في السادس الابتدائي، دور في ذلك؟. لا أتذكر.
كل ما أتذكره تلك الفرحة العارمة التي غمرتني وأنا أسمع معلق الإذاعة يعلن عن تسجيل بورتشاجا الهدف الثاني للأرجنتين، مع شيء من الحزن أن مارادونا لم يكن هو مسجّل الهدف.
منذ ذلك المونديال أُصِبْتُ بـــ"متلازمة مارادونا" التي رافقتني إلى اليوم: صرتُ برشلونيًا من أجله، وليسقط ريال مدريد. أمسيتُ أرجنتينيا بفضله، وليذهب منتخب البرازيل إلى الخسران المبين. أما نابولي فلم أعرفها قبله، ولم أحبها بعده.
بكيتُ عام 1990 أكثر منه وأنا أرى كأس العالم يضيع منه بركلة جزاء مشكوكٍ فيها، ليذهب لألمانيا، ومنذ ذلك التاريخ وأنا أكره شخصًا اسمه لوثر ماتيوس. ومع الوقت ازددتُ إعجابًا بمارادونا، رغم توالي فضائحه الشخصية وتصرفاته الغريبة. ببساطة لأنه يشبهنا جميعا.
يشبهنا جميعا، ولم تستطع الشهرة ولا الثراء أن يغيّرا شيئًا من جوهره الإنساني، هو القادم من بيئة فقيرة. كان إنسانًا أرضيًا ولم يحاول أن يصدّر لنفسه صورة غير هذه وهو "النجم" الساطع، على عكس كثير من "النجوم" الذين نشاهدهم اليوم وهو يتصرفون على أن النجم لا يمكن أن يسكن إلا في السماء.
لقد أحببناه جميعًا لأننا وجدنا فيه بطلنا المنشود كما قال محمود درويش. "وأجج فينا عطش الحاجة إلى بطل. بطل نصفق له. ندعو له بالنصر، نعلق له تميمة، ونخاف عليه – وعلى أملنا فيه – من الإنكسار".
اليوم لم يمت مارادونا وحده. لقد مات معه ماضٍ جميل لجيل كامل حلم فيه بأشياء كثيرة لم تتحقق. ورغم أنها لم تتحقق إلا أن مجرد وجود ذكرى يتيمة منها اسمها "دييجو أرماندو مارادونا" كانت كافية للعزاء.
فيا لحزننا المضاعف اليوم.