محمد علي المحمود
محمد علي المحمود

@ma573573

10 تغريدة 58 قراءة Nov 24, 2020

للإنسان التقليدي تحيّزاته المسبقة التي يقرأ من خلالها الأشياء.
قبل سنوات كنت في مجلس شبه عائلي، وقلت: كان عبد الملك بن مروان (الطاغية الأموي الشهير) متدينا في شبابه (أي يطلب "المجد الديني"؛ إذ فاته "المجد الدنيوي")، فلما جاءه خبر موت أبيه وتوليه "الخلافة"؛ أغلق المصحف وقال:

"هذا فراق بيني وبينك".
هنا ، قال لي أحد الجالسين معترضا: هل هذا ثابت، ما مصدرك في هذا ؟
طبعا، أحلته إلى الإمام الذهبي...فسكت دون تعليق.
بعد ذلك بنحو شهرين أو أكثر قليلا، كنت في المجلس ذاته تقريبا، فقلت ـ وهذه المرة الخبر من اختراعي ـ: دخل الواعظ/ سهل بن عبدالله على "الخليفة"

سليمان بن عبدالملك، فوعظه موعظة شديدة؛ فبكى الخليفة، ثم استدعى الخليفة أولاده، وقال: اسمعوا ما يقول هذا الواعظ، يا بنيّ اعملوا لآخرتكم، ودعوا الترف، واتقوا الظلم، لا تظلموا الناس شيئا. ثم قلت: ولهذا كان أولاد سليمان من أتقى الناس.
ـ هنا، وطوال سردي لهذه الحكاية المكذوبة التي

اخترعتها؛ كنت أنتظر أن يطالبني صاحبي السابق بالمصدر، ويتثبّت مني، لكني وجدته يستمع بإعجاب ظاهر. وطبعا، القصة ثابتة لديه؛ لأنه توافق تحيزاته المسبقة.
ـ هنا، قلت: هذه الحكاية مكذوبة، وهي من اختراعي، فنظر إليّ متشكّكا ومتضايقا...
قلت له: لماذا شككت في القصة الأولى، لم تشكّ هنا؟!

حار للحظة ثم قال: طبعا، الأصل فيهم الخير، فنحن نتشكك في كل ما "يشوّه سمعتهم"، ونصدق كل ما يوافق الأصل؟
ـ قلت: ومن أين عرفت أن الأصل فيهم الخير، وكل متواتر السِّير يدل على أن الأصل فيهم الشر ؟!
هنا، غضب وتوترّ، وبدأ بكلام عام عن خير القرون و...
لم أرد أن يسوء المجلس؛ فجاريته !

المقصود، أن الناس يعترضون على ما يرونه يُسيء للجميل في حياتهم أو في ذاكرتهم أو في دوائر انتمائم، ولا علاقة لكل ذلك بالبحث العلمي.
ـ هل تذكرون، عندما ذكرت أن "الرشيد" لديه 2000 جارية، ردّ كثيرون بالتشكيك، وأن التاريخ يكذب...إلخ؟
ـ لكن، لو ذكرت أنه كان يحج ويجاهد؛ هل سيكذبون ؟!

تستطيع أن تجرّب مثل هذا في أي بيئة تقليدية (حتى عند بعض "الباحثين" التقليديين)، ستجد النتيجة نفسها.
ـ اذكر لهم خبرا صادقا عن نزاهة عمر بن عبدالعزيز، سيصدقونك، ولن يردوا عليك تكذيبا أو تشكيكا.
ـ ثم اذكر لهم خبرا عن طغيان هارون الرشيد أو عن لهوه وحماقاته، وهنا ستتوالى الردود !

تبرز هذه المواقف التقليدية المتحيزة عند كثير من أولئك الذين يمتهنون الوعظ بـ"الانتقاء من التاريخ" !
والوعظ قد يكون تمجيدا لأولئك السابقين...
ـ هنا، تذكّروا جيدا أن كتب التاريخ التي نقلت "قليلا من المحاسن"، هي ذاتها الكتب التي نقلت "كثيرا وكثيرا من المساوئ" !
كذّب الجميع أو...!

مشكلة كتب التاريخ التي تقرر في مناهج التعليم في كل العالم العربي أنها "انتقائية" إلى درجة التزييف...
ـ القائمون عليها يعترفون بهذا، وإن لم يُطلقوا عليه صفة "تزييف"، ويعتقدون ـ بوعي بالغ السطحية ـ أن "التربية" تقتضي: إظهار الجميل وتغييب القبيح؛ حتى لو كان القبيح هو الغالب جدا !
10ـ
أخيرا، مَن يقرأ التاريخ طويلا، ويتعمق في تفاصيل أحداثه وتحولاته وأحوال كبار شخصياته، سيدرك أن ذلك التاريخ لم يكن جميلا، بل كان كارثيا في معظم الأحيان.
ـ لا تصدّق أبدا أن أهل بغداد أو دمشق أو البصرة في عام 150، أو170، أو200، أو250...للهجرة، كانوا أفضل من أهل عصرك في أي مجال.

جاري تحميل الاقتراحات...