د. فهد بن حمود العنزي
د. فهد بن حمود العنزي

@Dr_fahadAlanazi

19 تغريدة 96 قراءة Nov 23, 2020
سأكتب لكم اليوم عن بعض الأفكار الفلسفية المتعلقة بالتفكير القانوني السليم أو منهج العمل القانوني السليم المعتمد على أدوات المعرفة القانونية. ما أتحدث عنه هو اجتهاد شخصي وتأملات وليدة خبرة تراكمية في مجالات أكاديمية وعملية مختلفة فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي.وبسم الله أبدأ
يتم التعامل مع القانون كعلم دقيق وكفن يتطلب تطبيق معارف علمية ومهارات فنية، فالوصول الي النتائج الصحيحة يستلزم سلامة التفكير وصحة الأدوات والوسائل المستخدمة فيه. ولن يكون المستشار القانوني أو المحامي ناجحاً إذا اهتم فقط بالمظهر وافتقد العمل بجوهر القانون
يهتم المحامون بديكورات مكتابهم وينفقون عليها في بذخ ملحوظ ليبهروا عملائهم بمستواهم المكاني، ولكن ما يبهر العميل حقاً هو قدرة المحامي على إعطاء صورة حقيقية عن مستوى وكفاية عمله القانوني والنتائج المرجوة منه. سينسى العميل تفاصيل المكان ولكنه لن ينسى مستوى الأداء ونتائجه.
الشيء الذي سيبقى واضحاً في ذهن العميل هو منهجية عمل المحامي وجديته وصدقه ووجود نظام وأسلوب عمل يجعل العميل يطمئن إلى أنه يتعامل مع شخص ذو تفكير منهجي قانوني سليم وصاحب مهنة يختلف عن تفكير من لجأ إليهم العميل من معارف وأصدقاء له.
العمل القانوني هو عمل مهني قائم على أعراف وتقاليد مهنية وأدوات معرفية يتميز بها من يعملون بقطاع المحاماة والاستشارات القانونيه عن غيرهم من أصحاب المهن الأخرى، وهذا هو ما يصنع شخصية المستشار أو المحامي ويميز أسلوب عمله
كما أن القانون هو علم قائم على العقل واستخلاص الأفكار والمقارنة فيما بينها واتباع أساليب محددة وفق مرجعية محددة لإبراز حقيقة شيء أو للوصول إلى نتائج معينة أو الكشف عن شواهد متعلقة بمستند ما أو بسند قانوني معين أو بمرجعية قانونية أو مشروع قانوني ما.
العمل القانوني بشكل عام هو استخدام المعرفة القانونية من خلال أسلوب وتفكير معين وفق وسائل ودلائل علمية قائمة على المنطق للوصول إلى نتيجة محددة يتم إخراجها وفق شكل معين للتسليم بأن ما يتم الوصول إليه هو حقيقة مجردة تستلزم الأخذ بها.
وكما هو مطلوب من القانونيين اتباع إجراءت حددها القانون من أجل الوصول إلى نتيجة محددة يعترف بها القانون ويرتب لها أثرا، كالمحامي في دعواه أو كالقاضي في حكمه، فإن العمل القانوني يحتاج إلى مجموعة من الإجراءات الذهنية المعقدة لإبراز سلامة التفكير وصواب المنهج وبالتالي صحة نتائجه
المحامي والقاضي والمستشار يتعاملون مع اشكالية محددة تتطلب عمليات ذهنية معقدة وتعتمد على التحليل والاستنتاج والاستنباط وفق إجراءات وقواعد معينة حتى تكون نتائجها صحيحة مثلها مثل الإجراءات القانونية التي يتطلبها القانون لكي يعترف بالنتائج المترتبة عليها
وإن كان هذا التفكير السليم مرتبط بأنماط محددة من إِعمالٍ للذهن، إلا أن الكتابة هي الوسيلة التي يتم من خلالها تفريغ الأفكار سواء في كتابة المذكرات أو في تقديم استشارة ما أو في صياغة نظام أو لائحة أو عقد من العقود
تختلف الكتابة عن الصياغة، فالكتابة صنعة يتم اتقانها بالتعود والتكرار ولكن الصياغة فن وذكاء متجدد، فالصياغة في المجال القانوني تنقلنا إلى مرحلة من مراحل فن القانون. ولذلك يمكن القول بأن الصياغة فن واللغة مهارة والكتابة صنعة.
يحتاج القانوني إلى القراءة والتقييم والمقارنة لكل ما يقع تحت يده من مستندات أو نصوص قانونية. فمن السهولة أن يتعلم الناس القراءة والأصعب منها هي أن يفهموا ما يقرؤون وكذلك أن يكتبوا ما فهموه أو ما يستنبطونه ويستدلون عليه.
الكتابة في الغالب هي وسيلة لنقل الفكرة وتعتمد على النقاش والإقناع في حين أن الصياغة هي وسيلة تقرير ونقل في آن معاً، فالنص القانوني أو البند في العقد هو لتقرير شيء ما بما في ذلك تقرير الحقوق وإنشاء المراكز القانونية وإلغائها أو تعديلها.
والصياغة كفن قانوني له مجالاته سواء في التشريع أو في صياغة العقود، في حين أن الكتابة هي في المذكرات القانونية ويتم الاعتماد عليها أكثر من الصياغة. ومن المهم معرفة لمن توجه هذه الكتابة ومن هو القارئ لها! فكلاهما في النهاية سيتحولان إلى مرجعية قانونية يجوز لكل ذي مصلحة أن يتمسك بها
يجب أن يدرك القانوني أيا كان مجال عمله أنه يحتاج إلى طرق وأدوات البحث العلمي السليم وقد لا ابالغ حينما أقول أن في كل قضية أو استشارة أو صياغة قانونية هناك عمل بحثي علمي يتم. ولذلك فإن اتقان أسلوب البحث العلمي بطرائقه وأدواته ومنهجيته هو الوسيلة المثلى للوصول إلى حقائق القانون
يحتاج القانوني لكل مناهج البحث القائمة على الاستقراء والوصف والتحليل والاستنباط والمقارنة، فهو يحتاجها بشقيها العقلي والإجرائي للوصول الى النتائج التي يقتنع بها لكي يُقنع بها غيره، وما القياس والإستنباط مثلاً إلا نتيجة للمقارنة.
كل هذه المناهج لابد أن يدركها القانوني ويلجأ إليها لبناء منهج تفكير منطقي وسليم. فالتفكير بلا مقارنة ليس بتفكير والتفكير بلا استنتاج ليس بتفكير. والانتقال من البديهيات إلى المسلّمات إلى ما يدور في فلكها استنادا عليها تركيبا وتأسيسا هو أكثر وسائل الاقناع أثرا وفاعلية.
لنأخذ مثلا القاعدة الشهيرة بأن (كل من سبب ضرراً للغير يلتزم بالتعويض). فالقانوني حينما يقرأ هذه القاعدة سيتوقف عند كلمة (كل) وما المقصود بها إنسان حيوان رجل امرأة صبي .. عاقل .. مجنون .. الخ سيتوقف كذلك عند السبب والتسبيب وكيف يحصل هذا؟ وهل يلزم أن يتم ذلك بفعل أم بخطأ؟؟
سيتوقف عند كلمة ضرر وماذا يعني الضرر وما المقصود به وما هي أنواعه ثم سيتوقف عند التعويض من حيث نوعه ومقداره.كل سؤال من هذه التساولات يحتاج إلى رسائل علمية معمقة للإجابة عليه باستخدام كل مناهج وطرق التفكير المختلفة.وهكذا الشأن عندما يتوقف القانوني عند نص في القانون أو عبارة في عقد

جاري تحميل الاقتراحات...