Ahmed Moharram
Ahmed Moharram

@ABMOHARRAM

17 تغريدة 14 قراءة Nov 18, 2020
قصتان لا علاقة لهما بعلم الإدارة في التراث العربي لكنهما كذلك بشكل أو بآخر
الأولى قصة المرأة التي كانت تضع القدر على النار وفيه الماء لتقنع أطفالها بأنها تطهو لهم الطعام حتى يناموا من التعب لأنه ليس لديها ما تطعمهم به
والثانية قصة جحا حين وعد الأمير بأن يعلم الحمار الكلام في عشر سنوات وضمن ذلك برقبته التي سيقطعها الملك إن لم ينفذ جحا وعده.
وحين خرج جحا من مجلس الأمير لامه اللائمون فأخبرهم بخبث نيته فقال .. في عشر سنوات سيموت الأمير أو أموت أنا أو يموت الحمار
وفي كلتا القصتين رغم أن هذا لم يكن مقصوداً بالطبع نرى نموذجاً فذاً للإدارة بالإيحاء. ورغم أن العالم يعرف أنواعاً كثيرة جداً من الإدارة إلا أن الإدارة بالإيحاء هي إحدى أهم أشكال المؤسسات الفاشلة (( أو الكاذبة المدلسة إن شئت الدقة ))
الإدارة علم مهم جداً
وحسن تطبيق هذا العلم مؤثر في نجاح أو فشل المؤسسات والدول على حد سواء
والإدارة الفاشلة لا تختلف عن الموظفين الفاشلين أو الطلاب الفاشلين
فهم يصرون على قضاء الوقت (( كله )) في البحث عن مشاكل تستعصي على الحل (( أ/و )) عمل هياكل تقنعك أنهم ((سوف)) يتحركون للأمام
(( أ/و )) أنهم أنهوا 90% من الجهد، لكن النتائج لن تظهر إلا عند وصولهم إلى 100%
وفي كل مرة سيقنعونك بأن هناك (( شيء ما )) قد حدث
ويجب أن يبدؤوا من جديد (( على حسابك طبعاً ))
وأنك أنت السبب، وسيجدون سبباً ليجعلوك سبب فشلهم
ثم (( سيسامحوك )) إذا لم تذكرهم بفشلهم
وفي الدول الفاشلة هناك (( استراتيجية )) تكاد تكون ثابتة. وهي الاستراتيجية الأولى والأخيرة التي ستراها هناك
إنها استراتيجية الإدارة بالإيحاء
يفشلون كل يوم لكنهم يخرجون عليك من كل مكان بإعلانات تثبت لك أنهم نجحوا وحققوا أموراً لم يحققها السابقون
وأن الفشل الوحيد في الشركة أو الدولة أو المدرسة أو الفريق هي في عينيك .. فأنت لا تستطيع أن ترى هذا النجاح والإبداع الرهيب
نعم أنت المشكلة .. فإذا اشتكيت فصلوا عنك الخدمة لو كانوا شركة
أو إن كانوا حزباً أو حكومة أخرجوا كل دُماهُم لتتحدث عن أنك عميل وإرهابي ثم طبعاً يرسلوك إلى حيث لا تتحدث مع أحد (حتى وإن لم يجدوا ما يحاسبوك عليه سوى فشلهم)
وقد سمحت الإنترنت فجأة للعملاء بأن يكتشفوا بعضهم
فالإنترنت الذي سمح للناس بتبادل آراءهم هو نفسه الذي سمح لهم (( مجتمعين )) أن يشتكوا من جُملة (( إقفل الراوتر وافتحه ))
ولولا شكوى الناس في الفضاء الإلكتروني لبقي كل منهم يظن أن هذا حظه العاثر وليس فشل شركات الخدمة
لكن الأمر امتد إلى أن اكتشف المواطن في الدول الفاشلة أموراً مهمة. فقد اكتشف مثلاً أن بلاده ليست في أفضل حال، وكان هذا اكتشافاً يقتصر على من يغادر الديار إلى بلاد الغير
واكتشف أن الخدمات التي تقدمها له حكومته في بلده (بكثير من الفخر والإذلال لأنهم يتعبون من أجله وهو ينكر جميلهم) هي حقه بل أقل من حقه
بل وإن ما يتم تقديمه أساساً ليس مكتملاً وليس صحيحاً ولا يستحق الشكر بل الغضب.
بل وكشفت حتى المجتمع أمام نفسه، فالظن السائد بأن مواطنو دولتك (( أياً كانت )) ليست لديهم مشاكل اجتماعية أو عقدية أو اضطهاد كل هذا قد تبخر
وكما وقفت الشركات تعيد تقديم ما قدمته سابقاً مع وعود جوفاء بتحسين الخدمة والشكوى من كل شيء ليس بيدها
وقفت الحكومات تفعل الشيء نفسه
ووقفت الشعوب كذلك
فإن كل منهم في الواقع لا يتصور حياته بدون فشل الآخرين
فهم لم يألفوا الفشل فقط، بل تمترسوا وراءه هرباً من كل مسئولياتهم وواجباتهم تجاه التغير والتغيير
ووجدوا في فشل من حولهم درعاً مريحاً يحميهم من المسئولية عن تغيير أنفسهم
فأصبحت كل فئة حريصة على (( صيانة وتدعيم )) أسباب فشل باقي الجهات
نعم يمكن للفشل أيضاً أن ينجح في التحول إلى منظومة متكاملة
ووسط هذا الرماد الكثيف المتراكم من الفاشلين في كافة المستويات يخرج أناس يفكرون ويريدون أن يتغيروا
هؤلاء لا يهددون فقط الجهات التي يريدون تغييرها
بل يهددون الدرع الذي يحتمي به من هم في صفوفهم
لذلك تجد أن من بين صفوفهم أوائل من يطعنوهم ويعينوا عليهم غيرهم
ثم يجلسوا ليتلقوا فيهم العزاء لاحقاً وقد أيقنوا أنهم استطاعوا الحفاظ على درعهم
درعهم الذي يقيهم شر الاحتياج للتغيير أو التفكير أو الإيجابية
فكلها أمور غير موجودة في قاموس خبراتهم ولا تعني إلا ضرورة الجهد والجد
فالكل في هذه الشركات والدول والمجتمعات يتفنن في الإدارة بالإيحاء
الإيحاء بأن هناك شيء ما قادم في الأفق
وأن أحلامك ستتحقق .. فَنَمْ جيداً
الإيحاء الذي يضيع الوقت .. لعل الحمار يموت
ولسان حالهم جميعاً يقول (( موت يا حمار ))

جاري تحميل الاقتراحات...