المغرد الأخير
المغرد الأخير

@YAScire

17 تغريدة 40 قراءة Dec 02, 2020
هنا، حيث يجتمع اللصوص البسطاء ليسرقوا من البسطاء الذين يريدون أن يصبحوا لصوصًا إلا أنهم أغبى من ذلك.
أقضي هذا المساء الساخن برفقة صديقي عموري، الذي قد تظن حين تسمع اسمه أنه شاب في مقتبل عمره، وأن شعره ناعم وأنه يلبس أساور حتى.
لنتعرف على عموري أولًا
التقيت به أول مرة في مقر العمل عندما دخلت إلى مكتب رئيسي لأسلّمه بعض الأوراق، كان عموري هناك يقسم للرئيس بأنه وعلى الرغم من صموده طيلة هذه المدة على سطح الأرض إلا أنه لم يرَ رجلًا واحدًا يملك هذا الدهاء وهذه الحنكة التي يملكها الرئيس
وأنه يتمنى لو كان رئيسًا للبلاد لا للقسم فقط.
عموري هو أحد أولئك الأصدقاء الذين ترميهم الحياة في دربك كعثرة، إلا أنها عثرة ساخرة وتدعوك للضحك ولا يمكنك تجاوزها ببساطة.
في يومٍ قريبٍ من هذا اليوم، قبل أكثر من ثلاثين عامًا، تجاوز عمره الحد الأقصى الذي توقعه الأطباء بعد أن كشفوا عن ضعف قدراته الحيوية عند ولادته، ومنذ ذلك الحين
وعموري يحاول أن ينتقم من قدراته الحيوية بإلقاء نفسه في أي معمعة لا يبدو أن لها نهاية، لهذا، ولهذا فقط، قرر عموري أن يذهب معي إلى الحراج.
هذا الحراج الذي يجثم على خاصرة المدينة كورم خبيث تُدار بداخله أشد جرائم الإحتيال غباوة.
كانت المهمة هي مساعدة صديق ثالث في إيجاد آلة كهربائية
لتساعده في صناعة آلة كهربائية أُخرى لا أعرف عنها شيئًا.
الحراج لمن لا يعرفه هو: منطقة شاسعة المساحة، يجتمع فيها الباعة، والباعة الآخرون، ليبيعوا على بعضهم الأشياء والكذب.
يصل إليهم بعض الضيوف الغرباء أحيانًا، مثلي ومثل عموري. ليبيعوا علينا الأشياء، والكذب.
ومن محل إلى آخر، ومن بسطَة إلى أُخرى، وتحت وطأة الشمس، وشتائم الباعة لبعضهم، والصراخ الناتج عن معارك المكاسرة القائمة يمنةً ويسرة، وهدير العمالة الأجنبية. كنت وعموري نسير بحثًا عن المجهول.
هل تبيع الآلة الكهربائية أيها البائع؟ مين كلام بائع، أبو انتا بائع.
الغضب يسيطر على اسلام الحق نور الدين، هذا العامل الهندي الذي أصبح صديقًا لي في نهاية المطاف.
أتى من أقصى بلاد المليار آلهة، ليبيع أشياءً لم يرها قبل أن يصل إلى هذه المدينة، وليبدأ في شتمي على ما يبدو.
عموري أخذته الحمية دفاعًا عن والدي حيث يظن عموري أن كلمة بائع تعني كلمة داعر.
مين أبو بائع؟ يقولها عموري غاضبًا
أبو انتا بائع يرد اسلام الحق
بائع انتا... وهكذا حتى انتهت جميع التراكيب اللغوية الممكنة لتحريك بائع وأبو.
عندما شعر الطرفان بالسأم، سألناه عن الآلة مجددًا وأجاب أنه لا يملكها،ما كان يجب أن يعرّضني لنوبة قلبية لولا أنني تركت الانفعال منذ زمن.
أرسلنا اسلام الحق إلى أحد معارفه، رجل هندي آخر، لكنه أكثر تميزًا.
كان هنديًا عجوزًا وقورًا، يصلح ليكون ملكًا على الهند، وعلى جميع الدول المحيطة بالهند، وعلى أمريكا أيضًا.
شاربه الأبيض الكثيف، تجاعيده، الملل البادي على محياه، الحكمة التي يبصقها من فمه بعد كل دقيقة.
كان عظيمًا بحق.
لم يكن ينظر إلينا إلا شزرًا، كأننا سنخطف بصره، أو أننا سنسرق شيئًا من عمره المتبقي. وقفنا بالقرب منه، وهو يتجاهل وجودنا كملك يعرف أننا لن ننفعه في شيء. كان يقول لنا بطريقته الخاصة أننا حشرات، لا شيء يستحق النظر إليه، أو الحديث معه.
في النهاية تحدّث إلينا.
وبصوته الذي تظن أنه يخرج من مكان لا تراه، وبلغته العربية المهلهلة، وبوقاره الكبير، قال: ايش يبغى؟
ايش يبغى؟ سمعتها وكأنها تُقال لي لأول مرة، شعرت أنه يريد جوابًا مختلفًا، غير الآلة، إنه على الأرجح هو من اخترعها. كدت أقول له أريد أن أعرف أسرار الوجود أيها الوقور ذو المليون عام.
سألته عن الآلة، قال لي أنه سيوفرها غدًا في مثل هذا الوقت، لكن يجب أن ندفع له الآن نصف قيمتها.
رفضت هذا العرض وحاولت أن أصل معه إلى إتفاق آخر، قلت له: لكن أ.....
- ما يبغى؟ مافي مشكلة، روح.
بكل هذا الكبرياء، لا بل بكل هذا الجبروت، بهذا السمو والكبر، ما يبغى؟ روح!
يا لهذا الرجل.
وقع عموري في شباك شخصيته الوقورة ولذلك قرر أن يدفع له نصف المبلغ، وأن يلتقيا غدًا ليسلّمه الآلة مقابل نصف المبلغ الآخر.
ما رأيته تصرفًا أحمقًا، إلا أنه طبيعي في ذات الوقت.
وإلى هنا، سيذهب عموري غدًا لاستلام الآلة من الشيخ الحكيم، وسأحاول أن أوافيكم بما يجدّ في هذه الصفقة المريبة.
نعم، ها هو المنطق يتحدث إلينا مرةً أُخرى.
اسلام الحق نور الدين ليس موجودًا، والهندي الوقور ليس موجودًا، والآلات ليست موجودة، والمبلغ الذي دفعه صديقي البارحة ليس موجودًا أيضًا، لقد اختفى نصف العاملين في الحراج اليوم.
وكأنهم لم يكونوا هنا من قبل.
صديقي يُحسن الظن لأول مرةٍ في حياته.
كعادة الناس عندما يخفقون، يلجؤون لأكثر الحلول سهولةً وغباءً، إحسان الظن.
غدًا سوف يأتون، غدًا أجمل، غدًا سيعود اللص بالمال الذي دفعته له مقابل وعدٍ كان يبدو غير حقيقي أصلًا، غدًا سوف ألتقي بإميليا كلارك وسوف تحبني لأن حبيبتي الأولى هجرتني.
سألنا التجار الذين افترشوا الأرض ذلك السؤال العاجز: فين هذا نفر؟
أحدهم ضحك، وأحدهم نهره وقال له اصمت، ثم لم يستطع أن يتمالك نفسه وضحك هو الآخر، ثم وبتناغمٍ شديد كأنهم تدربوا عليه، ضحكوا جميعًا.
أسميتها سمفونية الخديعة.
هذه الضحكات الشريرة المتتابعة كموسيقى ختامية لعمل رديئ.
وكبطلين فقدا بلدهما، خرجنا تاركين خلفنا مائة وتسعين ريالًا، ٣٧٦٧.١٩ روبيةً هندية، وذكرى سيضحك عليها أصدقاؤنا في الناحية الأُخرى من العالم، وحسن ظنٍ أُهدِر بين جنبات هذه البؤرة المليئة بالكادحين الذين لا يرفضون أي طريقةٍ لجني المال.
لوّح لهم عموري باصبعه الأوسط، حتى وصل إلى منزله.

جاري تحميل الاقتراحات...