سعود الزدجالي
سعود الزدجالي

@muladdah

24 تغريدة 152 قراءة Nov 15, 2020
طرحت موضوع حادثة الهجوم على الكعبة عرَضا في سياق أعم؛ إلا أنه سبّب الكثير من ردات الفعل دالة على أن الوعي الجمعي يخلط بين النص وتفسيره، والدين والظاهرة الدينية، وما يزال هذا الوعي يعتمد سلطة محددة لها شرعية التأويل متمثلة في "الشيوخ" ولا يحق ذلك لغيرهم؛ لذا يلزم أن أشير إلى:
•أن الإشكالات المعرفية والتاريخية لا تقع في حدود والوعظ والفتوى وادعاء الحقيقة، وأن الإيمان شيء والبحث العلمي والأسئلة شيء آخر
•أن التفريق بين النص القرآني وتأويله ضرورة لمنح فرصة كافية للاختلاف مع الذات والسماح بتعدد الأفكار من حيث إن التجربة الدينية تجربة الذات مع الله
2.ولاحظت في التفاعل مع المقطع ردود فعل مختلفة وهي وإن كانت متضاربة إلا أنها كافية في إحداث صدمة أو خدش في ادعاءاتنا؛ وتعيد صياغة الأسئلة بقدر رغبتها في الإجابات، ولعلنا نستعيد ردات فعل كانت قد أحرقت القضية بممارسة التضليل أو التشويه، وكأن الطرح يشكك في النص (الأصل)
3.إن هذا الادعاء كان مثيرا لمسألة تتمثل في أن النص القرآني ليس نصا تاريخيا، وإنما هو نص متفرد ومكثف ومكتفٍ بذاته بقدر انفتاحه على التأويل واكتنازه بالمعنى وهذا سر خلوده وجوهر بقائه، وإن محاولات إغلاقه بتفسيرات خاصة محاولة عبثية لن تستطيع مقاومة سحر النص وحثه على التأويل والتدبر
4.وفي الأفق كانت محاولات تدعي نهائية الحقيقة بما يتصادم وطبيعة النص ذاته فكل حدث في الكون يفتقر في حدوثه إلى الزمان والمكان وعندما يتعمد النص تحرير ذاته منهما فإنه إذّاك يحرر العقل لطرح الأسئلة أمام سحره مدفوعا بعنصر الإيمان بضرورة وقوعه من حيث هو مقدس، وهو حق الذات المؤمنة
5.وكانت محاولة سيف الهادي واقعة في التناقض المنطقي، فقد اعتقد أن القضية من ممتلكات الفقيه والواعظ ورجل الدين بكل مؤسساته لذلك فإن الفيلسوف بزعمه إن وجد سعادته في "الوثوقية" فإنه إذ ينتمي إلى دائرة الحق والحقيقة يجد سعادته في إثبات الحق والبحث عنه لا لشيء إلا الادعاء بامتلاك الحق
6.وفي هذا السياق جمع المغرد طائفة من أسماء الفلاسفة والمصطلحات (روسو، سقراط، أرسطو، أفلاطون) و"العقل الفطري" و"العقل الكسبي" وانطلق ليوهم المتلقي أنه قد جاء بالحقيقة المطلقة، وأن ما طرحه غيره هو عين ما طرحه القبانجي، وكأنه وهو في إطار الوعي الجمعي السائد قد أتى بالفتح المبين.
7.ولو عدنا تمييز البحث العلمي النقدي؛ نجد أن ما فعله الهادي يقع في الأسلوب المدرسي الاستعراضي ولا يتجاوزه؛ من حيث إنه تحصيل حاصل؛ ولا علاقة لمجموع الأعلام والمصطلحات بالقضية إلا أنه يوهم الوعي الجمعي الديني بأنه يتقن أساليب الحداثة والتنوير بمجرد سرد طائفة من الأعلام والمصطلحات
8.إن الطرح أصلا لا يناقش الوقوع كما هو في النص القرآني، وإنما يحاول إحداث شرخ في نسيج المتخيل الجمعي الذي شكلته كتب السير والمغازي وتفاسير التراث المستهلكة يوميا في أوساط التدبير الوعظي؛ وهذا أمر زائد على النص، ويقع في حدود الاجتهاد المعرفي المشروع وفقا لبراديغمات القدماء.
9.والغريب أن الهادي وهو يقتني "السعادة" إذ يعيد بناء "الحق" يخلّط بين مفردات منطقية تخليطا يجعله متعثرا في إيراد الدعوى وإدراك كبرى الاستدلال؛ فيأتي بعبارات مثل: "دلالة على يقينية القصة" و"قرب وقوعها" و"البراهين البدهية اليقينية" وكأن البداهة واليقين ملح ينثر على كل طعام
10.وأبرز سؤال يصدم الادعاء أين تكمن يقينية الوقوع أفي النص القرآني المبهم أم القطع الدرامية عند الرواة وأصحاب السير والمغازي؟ وما الأدلة الضرورية والكافية للبرهنة على تلك اليقينية الزائدة على النص؟ ذلك لأن الاستدلال المنطقي لا يتكئ على ترتيب مقدماته بل يتجاوزه إلى مادة البرهان
11.وإذ يدعي أن المقدمات جدلية وليست برهانية ينطلق اليقين لذا فليدرك أن الباحث يشكك في المكان والنفي أصل عندما تنتفي الأدلة، والاستدلال باعتبار مادته وترتيب مقدماته ومادة الاستدلال على يقينية الحدث هنا: الأخبار وإمكانات اللغة وهما محل الحجاج والخطاب وليس البرهان (وهذا معلوم)
12.قال الغزالي: "والخلل في البرهان تارة يدخل من جهة نفس المقدمات؛ إذ قد تكون خالة عن شروطها، وأخرى من كيفية الترتيب والنظم" والأخباريات ليست مقدمات يقينية في الاستدلال؛ لا سيما إن كانت في مجموعها متناقضة ومتأخرة التدوين عن تاريخ الحدث المدعى؛ وعليه فلا وجود لـ"الحقيقة التاريخية"
13.وبسبب هذا التخليط يتكئ على إمكانات اللغة والبلاغة لإلصاق التفاسير الأخبارية بالقرآن فيدعي أن صيغة "ألم تر" فيها "دلالة يقينية" على قرب وقوع حادثة الفيل، وأن قريشا لم تنكرها، وكل ذلك في سياق التنظير في المنطق واليقينيات ولو كلف نفسه القراءة والبحث لما أداه فكره إلى هذا التخليط
14.وعندما تدعي "قرب وقوع" حدث ما فإن هذا الادعاء يلزم منه إثبات مكان الحدث ويقينية وقوعه فيه؛ لبيان تاريخ وقوعه وقربه وبعده وإلا فأنت تحرق مراحل التصور والتصديق إذ القرب فرعٌ من ثبوت الوقوع فكيف تثبت قرب وقوع ما لم يقع أصلا أو تحتاج إلى أدلة لإثباته؟ (هذا وأنت تنظر في الاستدلال)
15.إذ يؤدي به الاستدلال السابق إلى مجابهة نظائر قرآنية كلها صُدِّرت بـ"ألم تر"، وهو مما لا يدرك إلا بالوحي ولا علاقة له بالقرب ولا البعد، واليقين فيها باعتبار "المخبر" لا باعتبار "الخبر"؛ إذ الصيغة في ذاتها لا تفيده، والنظائر في القرآن للصيغة تزيد على (30) مرة
16.ومنها "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ۚ " قال الطبري: من "رؤية القلب" لا "رؤية العين" فأين الاستدلال من هذه النظائر على قرب الوقوع؟ ولو سلمنا بالدلالة فإنها خطابية حجاجية
17.إن هذا الأسلوب الاستدلالي في التعامل مع النص القرآني هو نوع من العنف والعسف عندما ندفع بالنص ليقول "ما لم يقله" أصلا، ولو أراده لقاله؛ وبما أنه أغفله فهو لا يريده؛ ليظل النص منفتحا على التأويل والنظر دون إغلاقه بادعاءات الوعاظ؛ قال ابن عباس: "أبهموا ما أبهم الله"
18.يقع الهادي في هدم مبدأ عدم التناقض فيدعي أن دخول الفيلة مكة كان في العام (547م) وهو ادعاء يدفع إلى كارثة تكمن في تكذيب القرآن وزيادة عمر النبي (ص) ليتجاوز الثمانين عاما، وهو تمحيص معروف في الدراسات والحفريات التاريخية، ولعل أبرزها دراسة عبدالمنعم عبدالحليم سيد (1990)
19.ترك أبرهة نقشا كتبه إثر حملة في (547م) على معد وبني عامر، ودون فيه، مع نقش (منسي ذرانح) الحملات وانتصاره فيها،ولا علاقة لهذه الحملة بالفيل ولا مكة والنقش في وادي مريغان قرب مدينة تثليث (غرب نجران 230 كيلومترا) (كما يتضح في الصورة والخريطة) وهذا يتناقض مع السورة
👇
20.إن مجرد إيراد هذا التاريخ ولصقه بحادثة الفيل يعد خطأ فادحا وإشكالا تاريخيا ودينيا في آن معا؛ ولذلك فإنني أنبه الهادي وغيره أن القضية ليست مجرد قص ولصق من الشبكات، وإنما هي قراءة متأنية تحتاج جهدا طويلا ولا تسعفك دونه أسماء: روسو وأفلاطون وسقراط؛ فهذا ليس مجالا للوعظ.
21.إن حملة الفيل وفقا للمدونات الأخبارية بعد (18 أو 23) سنة من حملات أبرهة على القبائل المتمردة؛ علما أن هذه المدونات تختلف في ميلاده أيضا، ولكنها تتفق أن النبي (ص) توفي وعمره (63) سنة، وسوف أتحدث باستفاضة عن هذه المسألة في اللقاء القادم المخصص لحملة الفيل
22.إن الذي وقع فيه الهادي هو خطأ المستشرق (كستر) إذ تسرع بالحكم أن هذه الحملة على (حلبان) لتأديب معد وبني عامر هي حملة الفيل؛ بسبب اعتماده على رواية أخبارية للزبير بن بكار (ت 256هـ) كانت خالية من الإشارة إلى مولد النبي؛ علما بأن النبي لم يتجاوز الـ(15) عند حرب الفجار أو العشرين.
23.وأخيرا فإن ما أرجوه ألا يعتمد المتلقي على المعلبات الجاهزة؛ وإنما عليه أن يشكك في الروايات التراثية، وأن يجعل النص القرآني نصا حيا يعيش في وجدانه الأخلاقي ويولد المزيد من الإشكالات إزاء الكون والمصير في وعي إنساني يعي أهمية الاختلاف دون وساطة كهنوتية

جاري تحميل الاقتراحات...