محمد الدهمي
محمد الدهمي

@Dahmi888

33 تغريدة 20 قراءة Nov 14, 2020
الدرس الثامن عشر..
إحتلال الإنجليز لأمريكا..
ومذابح الهنود الحمر..
مذكرة "جون سميث":
بعد أن اعترضت "بوكاهونتاس" طريق السيّاف بهذا الشكل.. تبدلت معاملة
القوم لي إلى النقيض.. يبدو أنها محبوبة جدًّا بين قومها.. أصبح الجميع
يعاملونني بلطفٍ وقدَّموا لي الطعام والشراب..
إن طعامهم غريبٌ لكن مذاقه
رائع.. شهر كامل أمضيته مع الهنود الحمر في قريتهم العجيبة.. كنت أود لو
أخطف "بوكاهونتاس" الجميلة وأهرب بها من هذه الأرض إلى أرض ليس فيها
سواي أنا وهي.
اتفق معي الملك الذي أصبحت أسميه "بالاتين" نسبة إلى "بوهاتان" على أن نكون
مولاين له
وأن نوقف المناوشات المتكررة بيننا.. وقال إنه سيرسل لنا الطعام
بشكلٍ منتظم.. كان يجب أن أهادنه وأوافقه.. فهو لا يعلم نية الإنجليز بعد.. إن
نيتنا هي احتلال بلاده كاملة سواء رضي بهذا أم لم يرضَ.. هذه أرض راقية
تستحق شعبًا متحضّرًا راقيًا.. ليس شعبًا همجيًّا مثل شعبه..
إلا إذا رضوا أن
يرتقوا فسيعيشون معنا في سلام.
بهذا عدت إلى المعسكر وفوجئ الرجال بعودتي.. لإنني عدت ومعي هنود
كثيرون محملون بموائد الطعام.. أثناء وجودي في المعسكر كانت
"بوكاهونتاس" تأتي كل ثلاثة أيام أو أقل لنمضي اليوم معًا على نهر يورك..
لقد أحببت "بوكاهونتاس" وأحبتني.
المشكلة أن أبوها الملك لا يقبل بالخضوع
تحت لواء إنجلترا.. بل يريد أن تخضع إنجلترا تحت لوائه هو.. وكان هذا يعني
صراعًا قريبًا.. وقتلًا كثيرًا لأهل "بوكاهونتاس".. هذا صعب على نفسي لكن
مصلحة بلادي فوق شهوتي الشخصية.. هكذا تعلمت.. لكن القدر لم يمهلني
لأشهد الحرب مع الجنود..
فوسط كل الترتيبات والتجهيزات التي كنا نقوم بها..
انفجرت ذخيرة من الذخائر في وجهي بالخطأ.
مذكرة "بوكاهونتاس":
فجأة مات
"جون سميث"..
قالوا لنا إنه مات وتم نقل جثته إلى إنجلترا.. بدأ أبي
ينتظر أن يعرف القائد الجديد ليعقد معه نفس الإتفاق الذي عقده مع "جون سميث
لكن بعد موت "جون سميث" مباشرة بدأ الإنجليز في مهاجمتنا..
وتحولت المناوشات إلى حرب طاحنة مميتة قُتِل فيها الكثير جدًّا من أبناء
البوهاتان.. كانت الأسلحة التي يستخدمها الإنجليز فتّاكة تبدو أسلحة البوهاتان
بالنسبة لها دُمى أطفال..
وقد احتاج البوهاتان وقتًا طويلًا جدًّا ليطوروا طرقًا
لمقاومة هذه الأسلحة.. ظلت الحرب مشتعلة ما يقرب من الأربعة سنوات.. ذقنا
فيها طعم الجحيم .. كان الإنجليز قومًا شديدي القسوة يقتلون بالجملة
ويستخدمون أشد الأساليب حقارة وينقضون كل العهود.
بقي الطرفان يتصارعان حتى أتى ذلك اليوم الذي ذهبت فيه بأمرٍ من أبي إلى
قرية "باتاوميكس".. وهي قرية من القرى التي لم تكن موالية للملك.. كنت
ذاهبة هناك في مناسبة اجتماعية مهمة.. ولما وصلت هناك نصبوا لي فخًّا
وخدعوني وقبضوا عليَّ.. كان الباتاوميكس هم من نصب لي الفخ..
عرفت أنهم
موالون للإنجليز ضد أبي.. شعرت بغصة في حلقي.. إنهم يودون استخدامي
للضغط على أبي.. الموت أهون علي من أكون سببًا في هزيمة أمّتي في هذه
الحرب.
كنت محبوسة في سفينة من سفنهم الكبيرة في غرفة ضيقة.. وحالتي سيئة
جدًّا بسبب اهتزاز السفينة المستمر أثناء وقوفها في الماء.
أفرغ ما في جوفي
كل يوم وأدوخ وأفقد الوعي وهؤلاء لا يفهمون أني أود الإنتقال بعيدا عن
السفينة ويظنون أن ما بي هو بسبب الإكتئاب والخوف.. خسئتم جميعًا.. ليست
"بوكاهونتاس" من النساء اللاتي يخفن أو يضعفن بسبب الأسر.. الأمر فقط دوّار
البحر.
وفي ظلمة الليل.. بين هزة للسفينة وهزة
انفتح باب غرفتي الضيقة.. ودخل
كيان لم أتبينه جيدًا.. لكنه كان رجلًا ضخمًا بالتأكيد.. وقف على الباب قليلًا
كالصنم.. كان يدخّن.. أعطاه الظلام والدخان المتصاعد منظرًا مُقبِضا.. تقدَّم
مني الرجل وسألني بالإنجليزية سؤالًا لم أفهم منه شيئًا.. ثم تقدم أكثر وامتدت
يده لتتحسس عنقي..
كنت مقيدة لكني رفعت ركبتيَّ وطعنته بها في بطنه
فانقبض متألّـمًا وصاح بكلمات غاضبة.. ثم بدأت المأساة.. جن جنون الرجل
وأمسك بي وفعل كل ما يمكن أن يفعله ذئب بفتاة جميلة مقيدة.. ثم قام عني
وقال بضع كلمات.. وعدل ملابسه وانصرف. . تاركًا إياي أتجرع دماء عذريتي
وأتجرع معها دموعي.
هنا.. في هذه الليلة.. وفي هذه الغرفة الحقيرة.. فقدت
أنا "بوكاهونتاس" ابنة الملك.. أغلى حلم من أحلام الفتيات.. سرقه مني حيوان..
فقدت عذريتي.. لم أعد أصلح لشيء.. ليتني مت قبل هذا.. ولولا أنني مقيدة بهذه
الحبال لرميت نفسي في اليم.
مذكرة "جون سميث" :
انفجرت في وجهي ذخيرة من الذخائر عن طريق الخطأ.. أُصِبت بحروقٍ كثيرة
لكنني لم أمت.. وغادرت إلى إنجلترا للعلاج.. وقال الإنجليز للهنود الحمر إن "جون
سميث" قد مات.. في محاولة منهم للتملص من المعاهدة التي عاهدتهم
إياها..
مرَّ شهر أو شهران ولم يستطع قومي الإحتمال أكثر.. وبدأوا الهجوم
بضراوة.. كنا دائمًا ننتصر لأن تسليحنا يفوقهم وإن كان عددهم يفوقنا..
استمرت الحرب بيننا وبينهم سنين طويلة.. حتى أسر الإنجليز "بوكاهونتس" أثناء
إحدى الحملات.. كانوا يعرفون مدى تعلُّق والدها بها لذا اختطفوها كوسيلة
للضغط عليه.. وكوسيلة حماية.. فليس مجنونًا لعمل أي هجوم وأغلى ما يملك
بين أيدينا.. طلبنا منه فدية كبيرة تعجيزية لكنه لم يدفعها كاملة.. ولهذا أبقينا
"بوكاهونتاس" الجميلة عندنا.
أثناء وجود "بوكاهونتاس" في الأسر بدأت بذرة إعجابها بحضارتنا تتكون
وتكبر..
منذ علاقتي بها وهي تعشق حضارتنا وقد لمست فيها حب الحضارة
وكراهية التخلف والهمجية التي تراها في قومها.وبدأت هذه البذرة تنمو أثناء
أسرها خاصة مع التعامل الراقي الإنجليزي الذي كنا نعاملها به..حتى إنها
اقتنعت بالمسيحية وتحولت إليها..وتم عمل طقوس تعميد لها وتغيير اسمها
إلى "ريبيكا
سميناها بهذا الأسم تيمنا بريبيكا المذكورة في التوراة أم
"يعقوب" و"عيسيو".. فكل واحد من "يعقوب" و"عيسيو" انحدرت منه أمة..
فكانت ريبيكا أما لأمتين.. وكانت "بوكاهونتاس" تمثل لإلتقاء أمتين.. أمة الإنجليز
وأمة الهنود الحمر.
تطور حبها لحضارتنا إلى كره لحضارتها..
حتى إننا أثناء أسرها سمحنا لها
بمقابلة وفد من قومها كان أبوها وسطهم.. فلما رأتهم صرخت في والدها
وقالت له إنها تكرهه لإنه اتضح لها أنها أرخص عنده من سيوف قديمة وقطع
من فؤوس.. وتقصد الفدية التي طلبناها والتي كانت تشمل أسلحة قومها.
تقدم للزواج ببوكاهونتاس واحد من أكبر تجار إنجلترا هو "جون رولف".. وقبلت
الزواج بسعادة بالغة.. وكان هذا الزواج إعلانًا للسلام بين الأمتين بعد طول حرب
فكانت حقًّا أمّا لأمتين. . سافرت "بوكاهونتاس" مع "رولف" إلى إنجلترا.. وقُدمت
إلى المجتمع الإنجليزي باعتبارها حمامة السلام
بين أمتين عظيمتين.. لكن
المشكلة أنني أنا أيضًا كنت في إنجلترا.. وقد رأتني "بوكاهونتاس" صدفة فجأة
أمامها.
مذكرة "بوكاهونتاس" :
كرهت نفسي.. أنا سبب هزيمة قومي.. أنا بلا شرف.. بلا قيمة ولا وزن.. لست
أعلم من هو الذي اغتصبني حتى الآن.. لكن في اليوم التالي جاءني رجل يبدو ثريًّا
اسمه "جون رولف".. وعرض عليَّ الزواج مقابل أن تنتهي الحرب بين قومه
وقومي..
وفي غمرة ألمي وحيرتي وجدتها فرصة لإصلاح كل شيء.. فشعوري
بأني سبب مأساة قومي سينتهي بهذا الزواج الذي سأحقن به دماءهم الغالية..
وشرفي الذي أضاعه حيوان يمكن أن يجبره الزواج.. وإن كان زواجا من أناس لم
أكره في حياتي مثلما كرهتهم بكل حذلقتهم وتنطعهم وقسوتهم
وخداعهم..
إلا أنني كنت مضطرة.. من أجل قومي.
وحتى يتم الزواج قالوا لي إنه يجب أن أدخل في المسيحية وأتخذ لنفسي اسمًا
جديدًا هو "ربيكا".. وافقت على كل هذا بلا شروط.. وتم زواجي إلى ذلك الرجل
الغني وتوقفت بالفعل حرب دامت سنين طوال كان قومي فيها هم الضحية
دائمًا..
وسافرت مع "رولف إلى انجلترا.. وهناك عرفت أن زواجي لم يكن بدافع
السلام كما يحاولون أن يُظهروا لقومهم في إنجلترا.. لقد كان دعاية.. دعاية
لمستعمرتهم التي بنوها في أرضي.. والتي سموها مستعمرة "فيرجينيا"..
كانوا يريدون للعالم أن يرى كيف أن الأوضاع في القارة الجديدة التي ذهبوا
لإستعمارها أوضاع رائعة وأن أهل القارة الجديدة أحبوهم والدليل هو
الأميرة"بوكاهونتاس" ابنة الملك الهندي الأحمر.
أثناء وجودي في إنجلترا عرفت أن "جون سميث" ذلك المخادع الكبير لم يمت..
وإنما قالوا لنا ذلك لإنه كان قد عقد اتفاقًا مع أبي لم يكن ينوي هو وقومه
الإلتزام به..
بل إنني قابلت "جون سميث" بالصدفة ذات يوم وقلت له في وجهه
إنه مخادع كبير.. وأنني كنت أظنه رجلًا صالحًا كما ظنه قومي.. لكنه في
الحقيقة ليس سوى مستعمِر دموي قذر.. وبدأ صوتي يعلو في مواجهة كل
هذا الخداع الذي يجبروننا أن نعيش فيه.. ودخلت في صراعات عديدة مع "جون
رولف"
وبدأت أرفض بشدة حضور الإجتماعات والمناسبات التي كانوا يجبروني
على حضورها.. حتى لم يعد أمام "جون رولف" إلا حلاً واحد لا ثاني له.
ذات يوم بعد شربة من ماء.. شعرت أن الدنيا تدور حولي.. وتدور بداخل رأسي..
ووهن جسدي على وهنه وسقطت على الأرض.. أدركت أن "رولف" قد دسَّ لي
السم في
شربة الماء.. أدركت أنهم أرادوا أن يرتاحوا من إزعاجي ويحافظوا
على الصورة التي صوروها للعالم عنِّي.. الفتاة التي تكره قومها الهمج وتحب
إنجلترا وتدعو الإنجليز للقدوم إلى أرضها واحتلالها لنشر حضارتهم فيها.. هذا
ما أرادوا للعالم أن يصدقه.. وقد صدقهم العالم ولازال يصدقهم
وسيظل
يصدقهم حتى النهاية.. أما البوهاتان.. وحضارة البوهاتان العظيمة.. ودماء
البوهاتان الغالية التي سالت على أرضنا أنهارًا.. فلا أحد يكترث بها.. فماذا تعني
هذه الدماء مقارنة بالدماء الملكية الإنجليزية.. لا شيء.
وإلى أن ألقاكم في لقاء أخر نكمل ما تبقى
ولكن هلّا تساءلت يا صديقي..
هل كانت حروبهم غير دينية
هل هم اهل وفاء كما يزعمون او كما يثق بهم السذج من الأمم...
لك ان تحكم وأن تعلق بما تراه

جاري تحميل الاقتراحات...