الدافور | محمد
الدافور | محمد

@moha_oz

20 تغريدة 160 قراءة Nov 08, 2020
في يوم أقام والي العراق احتفالًا ضخمًا دعى فيه كل علماء المسلمين، وكان يجلس بين الحضور رجلٌ من عجائب الاسلام لكن كانت لديه لثغه شديده بحرف الراء، فعلم الخليفه واراد احراجه ودعاه للمنبر ليلقي خطبه، لكن ماحدث بعد ذلك كان في غاية الابهار وأذهل كل الحاضرين.
القصة اسفل هذه التغريده..
بعد قراءة هذا الثريد لا تنسى الاطلاع على كنوزي التي بالمفضله ولا تنسى متابعتي لتصلك كنوز لا تقدر بثمن بإستمرار ..
إمام من أئمة المسلمين، وعلم من أعلام هذه الأمة أكثر المسلمين لا يعرفونه، ولم يسمعوا به ، هو من مواليد عام 80 هجرية، يعني كان معاصرا للإمام أبي حنيفة والإمام مالك، ولقي بعض التابعين، منهم الحسن البصري، ومنهم أبي هاشم بن محمد بن علي بن أبي طالب، وتعلم لديهما..
لن يسمع عنه أكثركم لأنه كان من أئمه المعتزله واحد المؤسسين لهذا المذهب الذي كفره بعض المسلمين مما جعل بعض الناس تكرهه وتشوه سمعته ، وبالتأكيد هذا المذهب يخالف كثيرًا مذهب السنه والجماعه لكن انشقاقه ورغم أنه ذنب عظيم اقترفه لكن لا يمنع أنه من اذكى من مر في أمه الاسلام ..
وفي هذا الثريد سنركز فقط على احد مواقفه التي تثبت ذكائه الشديد وسرعة بديهته ،اسمه واصل بن عطاء وكنيته أبو حذيفة، ولد بالمدينة المنورة، وتربّى في بيت الإمام محمد بن علي بن أبي طالب. ثم كبر ورحل للعراق، وسكن البصرة، حيث كان مركـز العلم والدين والفقه والتفلسف والبحث في ذلك الزمان..
واصل بن عطاء كان يلقب بـ”الغزّال الألثغ” ، ولُقب ايضًا بغزال المنابر لقوة خطبه التي لطالما ألهمت الكثير وعلى الرغم من أن مذهبه اتباعه قليلين لكن كان الناس يسمعون خطبه بسبب فصاحته وقوة إلقائه امام الناس ، لكن واصل كان لديه عيبٌ خلقي سبب له الكثير من المتاعب والاحراجات..
هذا العيب الخلقي كان اللثغه او اللدغه بحرف الراء فكان لا يستطيع نطقه فأبتكر طريقه جديده حتى يتجنب نطقه ويخرج للناس خطب سلسه خاليه من أي عيوب، بالاضافه إلى انه كان شيخ المعتزلة كما ذكرنا ومحال أن ينجح وينال قدره، ويجادل خصومه، مع لثغته الشديدة، وفي زمن يقدر اللغة العربية بشدة..
ابتكر واصل طريقه معينه فأصبح بدلا من أن يقول “سرير” يقول “مضجع” وبدلا من “كرسي” يقول “مقعد” ويبدل في كلامه “الخير” فيصبح “الصلاح” و”الشر” يصبح “السوء” و”الرحمة” تصبح “العطف” و”المطر” يصبح “الغيث” و”الأخرس” يصبح “الأبكم”. و”الطائر” يصبح “المحلّق” و”الهر” يصبح “القط”.. وهكذا
لقد نجح واصل بن عطاء بعد مكابدة شديدة وجهد بالغ في تجنب حرف الراء في جميع كلامه. هذا الحرف الذي لا تكاد تخلو منه جملة واحدة، استغنى واصل عنه مطلق الاستغناء، معتمدا على ذكائه وفطنته ودقة ذهنه وفصاحة لغته وهو أمر جدًا يكاد يكون صعبًا لكن نجح فيه واصل، حتى جاء يوم الاحتفال الكبير..
أقام والي العراق عبدالله بن عمر بن عبدالعزيز احتفالًا ضخمًا عزم فيه كل شعراء العالم الاسلامي وخطبائهم وأدبائهم وعشرات الالاف من المسلمين حضروا هذا الاحتفال ، ودعى والي العراق ثلاثة من كبار الخطباء لإلقاء خطبهم، وهؤلاء الخطباء هم شبيب بن شيبة وخالد بن صفوان، والفضل بن عيسى.
فقاموا واحدا تلو الآخر، وألقوا خطبهم على القوم وكانوا من كبار الخطباء وأبهروا الحضور بخطبهم الجميله والمعبره وفجأة جاء أحد الحضور من كارهين واصل بن عطاء للوالي وقال له ان واصل متواجد بين الحضور فأدعوه ليلقي خطبه فأنه لن يستطيع اخفاء لدغته لأنه ليس مستعدًا للالقاء..
فعندما علم الوالي بهذا الامر وافق بسرعه على الاقتراح واراد احراج واصل الذي اشتهر بتجنبه حرف الراء تمامًا في كلامه فهل سينجح هذه المرة أمام كل هذه الحشود ؟ وبالفعل استدعاه الوالي للمنبر وامره بأن يلقي خطبه أمام الناس وكان قبله ثلاثه خطباء ابهروا الحضور فهل سيبهرهم واصل؟
وقف واصل على المنبر وبكل ثقه وبدأ خطبته الارتجاليه قائلًا (” بسم الله الواحد العظيم الحمد لله القديم بلا غاية, والباقي بلا نهاية, الذي علا في دنوه, ودنا في علوه, فلا يحويه زمان, ولا يحيط به مكان, ولايؤوده حفظ ما خلق, ولم يخلقه على مثال سبق, بل أنشأه ابتداعاً, وعدَ له اصطناعاً..
فأحسن كل شيء خلقه وتمم مشيئته, وأوضح حكمته, فدل على ألوهيته, فسبحانه لا معقب لحكمه, ولا دافع لقضائه, تواضع كل شيء لعظمته, وذل كل شيء لسلطانه, ووسع كل شيء فضله, لايعزب عنه مثقال حبة وهو السميع العليم, وأشهد أن لا إله إلا وحده لا مثيل له, إلهاً تقدست أسماؤه وعظمت آلاؤه..
أوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله والعمل بطاعته, والمجانبة لمعصيته, فأحضكم على ما يدنيكم منه, ويزلفكم لديه, فإن تقوى الله أفضل زاد, وأحسن عاقبة في معاد ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها وخدعها, وفوائن لذاتها, وشهوات آمالها, فإنها متاع قليل..
ومدة إلى حين, وكل شيء منها يزول, فكم عاينتم من أعاجيبها, وكم نصبت لكم من حبائلها, وأهلكت ممن جنح إليها واعتمد عليها, أذاقتهم حلواً, ومزجت لهم سماً..
واختتمها بقوله ..
أعوذ بالله القوي, من الشيطان الغوي, إن الله هو السميع العليم قل هو الله أحد, الله الصمد, لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفواً أحد نفعنا الله وإياكم بالكتاب الحكيم, وبالآيات والوحي المبين, وأعاذنا وإياكم من العذاب الأليم. وأدخلنا جنات النعيم وأقول ما به أعظكم, وأستعتبُ الله لي ولكم..
وما أن انتهى واصل من إلقاءه حتى وقفت له كل الحشود تكبر وتهلل من شدة انبهارهم بما سمعوه من دقه لغويه عجيبه فصرف له الوالي مكافأة مجزيه هذه، الخطبه تحديدًا تناقلها العالم الاسلامي لعدة قرون وفي عدة كتب .. الجدير بالذكر أن ماقرأته قبل قليل هو جزء من الخطبه فقط وليست الخطبه كامله ..
هنا الخطبه كامله التي ألقاها واصل بن عطاء ، ونلاحظ انه تجنب حرف الراء تمامًا..
مصادر الثريد:
كتاب البيان والتبيين للجاحظ

جاري تحميل الاقتراحات...