15 تغريدة 94 قراءة Nov 06, 2020
١-
سأكتب هنا عن شيء لمحته بالمجال الصحي والتردد في حروفي ينالني لأخمص ما فيني
لمحت أن عدداً -لا بأس به- من الأطباء المتدربين أو الطلاب بالكليات الصحية يعاملون من هم أعلى منهم في الدرجة الطبية بأسلوب يكسوه الكثير الوفير الباذخ من اللطف الجم
ولماذا اللطافة هنا مشكلة في ظني؟
٢-
المشكلة هي أن هذا الطبيب المتدرب أو الطالب يخاطبني بلطف بديع لكي أقوم بأمر ربما في غاية البساطة أو بأمر هو من صميم عملي وواجباتي الوظيفية أو حتى بأمر اضافي اعتيادي في الحياة
لماذا هذا الطبيب المتدرب يضطر لهذه الكمية المبالغة من اللطف لفعل أمر اعتيادي؟
ألا تلمحون الأزمة هنا؟
٣-
القطاع الصحي -كأي قطاع آخر- فيه هرمية وظيفية مبرر وجودها من الناحية الوظيفية، لكن كذلك يوجد هرمية غير مرئية من الدونية والصنمية وانتظار التزلف وطلب الرضا
وبالقطاع الصحي الهرمية هنا قائمة على تكوين مهم يزيد من هذه الهرمية البغيضة الغير مرئية ألا وهو تكوين التفوّق العقلي
٤-
المتدرّب تعلّم أن اللطافة تجعل الطريق أكثر استواءً
أن هذه المبالغة تجعل ورقة اكتمال الروتيشن أسهل
الاعتذار المسبق في حالة الظن الضعيف بأن هنالك خطأ حدث منه تجعل من هو أعلى منه أكثر رضا عنه
هذه النقطة من الاعتذار المسبق سمعتها منهم حتى في حدوث الخطأ مني!
ماذا أجرمنا؟!
٥-
ربما هذا الطبيب اليانع يملك خبرة متراكمة متعاضدة بالأدلة من أن حقه الطبيعي الذي يريده أو على الطبيب الأعلى منه أن يقوم به في الوضع الطبيعي هو أمر يحتاج لأشياء أخرى اضافية لكي يحصل عليه منها هذا اللطف المبالغ فيه
هذه الخبرات أكدتها بالذات الحياة الأكاديمية في مشواره الطبي
٦-
وليته انتهى الأمر بهذه اللطافة الزائدة وكفى؛ لكن الأمر يصل لعدم انتظارهم ممن هم أعلى منهم أن يقوموا بواجباتهم الوظيفية وهم المتدربين من يقومون بها وهي ليست من وصفهم الوظيفي كمتدربين
تخيلوا من شدة اللطافة يطلب مني أن يقوم هو بعملي وقابلت من يستغرب بأنني أقوم بشيء من عملي
٧-
وبالطبع كل شخص يمارس لطافته مع من هو أعلى منه وهكذا، والأنا لكل درجة طبية تتغدى على من هي دونها
ونصنع أصناماً وغيرنا يصنع منّا صنماً، ومن هم المتضررون هنا من هذه التراتيبية الغير مرئية؟
المضحك أن المتضررون والحلقة الأضعف هم كلنا لا محالة بدون مبالغة
٨-
المتضرر هو من يغدق باللطف على من هو أعلى منه ويكفي قهراً أنه يمارس أمراً لا يمثله ولو كان لا يشعر بذلك
هو من يتم رمي الشغل عليه
هو من يناضل في أن يكون الأمر طبيعيا بدون ملاطفات وأمره لا يفلح
هو من لا يمارس عمله لإن غيره يقوم به وفي هذا والله ضرر
هم كثر ولا مجال لحصرهم
٩-
كل ما كتبته هنا يحتمل الكثير من الظنّية، لكن الذي لا يحتمل الكثير من الظن هو أن الكثير من هؤلاء الأطباء المبالغين في لطفهم هم يقومون بذلك لإنهم في ذاتهم تربوا على اللطف وأن اللباقة من الأبجديات الجميلة التي تربوا عليها
المشكلة أن هذه التراتيبية مددت لطفهم لأماكن لا تستحقها
١٠-
عدت في يناير من بعثتي ومن حينها لم احتك بالكثير بالأطباء المتدريبن والطلاب بسبب الجائحة، وبالرغم من هذا لكن هذا الانطباع لم يكن صعباً في تكوّنه
كلنا كنا هكذا يانعين يوماً ما في هذه المهنة -وفي حالتي ما زلت يانعاً 😀- ونستذكر بالمواقف كيف أن هذه الديناميكية لها مغذياتها
١١-
هذا السياق مغذياته تحتاج لأطروحات لكن يبدو لي أن من أهمها هو الطبقية التدريبية في تخصصنا التي خرجت من إطارها التدريبي الوظيفي لإطارات لا تؤطرها من النظرة الدونية والتنمر ونزعة الطالب المجتهد الصغير في داخلنا الذي يسعده أنه أكثر شطارة ممن حوله والتي غذتها تنافسية الحياة والطب
١٢-
الحديث في خانة التنمّر الطبي الذي يجعل اليانعون أكثر تزلفاً هو كالتابوه في مجتمعنا الطبي والداخل فيه لابد أن يملك من الدرجة الطبية العليا للحديث فيه هكذا علناً واليانعين يدعموه بقلوبهم
أما الذين ما زالوا يرتقون في سلمهم الطبي -كحالي- فالحديث هنا هو محاولة انتحارية لا محالة
١٣-
صناعة الأصنام هذه إن أردنا توقفها فنحن سنخوض في تفرعات لا تنتهي من التداخلات في السياقات الاجتماعية وحقوق الموظفين والحريات وقوة القوانين لا الأشخاص
والمجال الطبي هو شيء من هذا كله ولذلك إن أردنا في العمل على ما نتحكم فيه فالأنظمة هي السبيل للتقليل من هذه الطبقية الغير مهنية
١٤-
هو سياق عام لا يخص المجال الطبي بالتأكيد
لكن لإننا الأطباء والعاملين بالمجال الصحي عموماً جزء مهول من عملنا فيه التراحم والعطاء بدون انتظار المقابل لذلك الداعي لدينا أكبر من غيرنا لنكون أكثر وعياً بأزموية هذا المشهد وضرره من أن يتغدى عليه من في نفسه شيء وكلنا ذلك الرجل
١٥-
ختاماً .. هنا دعوة لي أنا أولاً ولكل أصدقاء المجال وأنتم تعلمتم منكم الكثير في هذا الخانة
الدعوة هي أن نكون ممن لا يجعل المتدربين تحتهم في حاجة للطافة الزائدة للتعبير عن طلباتهم أو تفاعلاتهم معنا
لا نضطرهم لها ونضطرهم للتعبير عن استقلاليتهم وأريحية قولهم للتعبير والطلب

جاري تحميل الاقتراحات...