17 تغريدة 81 قراءة Nov 05, 2020
الحمد لله
أما بعد:
فقد طال هذا السؤال عندي على القط الفضولي، كما سألني جمعٌ عن بيان بعض معاني الحب، علمًا منهم بأنهم سألوا عريفًا ماهرًا، واستمطروا سحابًا هامرًا، ولم أزل أدافعهم وأسوّف الأمر، ولكن لعلمي بأن العلم بالحب في هذا العصر قد خبت ناره، وولت الأدبار أنصاره، لم أجد بُدًا
من إسعافهم بما اقترحوا وإيصالهم إلى غاية ما التمسوا، فوجهتُ ركاب النظر إلى مقاصد مسائله، وصحبت مطارف البيان في بيان فنونه ومداخله ومخارجه، فهاكَ هذا البيان الموجز عن الحب:
إن الحب -يا رعاك الله- سرٌّ قلّ أن يدركه العارفون، ونور ساطع يعجز عنه المحجوبون، وهو على خفاء رسمه على المنطقيين، وعجز حبس صورته على الفنانين، فهو أشدّ الأنوار انتشارًا في ثنايا القلوب، وألطف الأنسام سريانًا على جسد الأرض، وهو اليقين الذي ينبذ الاستدلال عليه ومحاولة دفعه ورفضه.
والحب كما يخبرنا الفقيه الأندلسي الفهامة العلامة أبو محمد بن علي بن حزم:
"..أوله هزل وآخره جد. دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة؛ إذ القلوب بيد الله عز وجل."
الحب -أثابك الله ورزقك البصيرة- هو بهجة الحياة الدنيا، ولو لم يكن الحب لما كان الإنسان، فهو يحيى ويموت ويتغذى ويتنفس ويتنسم جوانب الحياة عبر الحب، فلا عجب أن العاجز عن الحب عاجز عن تذوق معنى الحياة في جوهرها، فهو كالذي يمر على لوحة عظيمة ثم يشغل نفسه بسعرها عن استكناه جوهر جمالها
ولذلك قال عالم النفس إريك فروم:
"إذا استطعت أن أقول لشخص آخر: إني أحبك، فيجب أن أكون قادرًا على أن أقول: إنني أحب فيك كل شخص، أحب من خلالك العالم، أحب فيك نفسي أيضًا."
فالحب هو الشمس التي تسطع من القلوب، لتجعل في الألوان رونقها وفي الأنسام بهجتها، وفي الروائح زكاءها وعطرها.
بل يصل فيلسوف العربية مصطفى صادق الرافعي حد أن يدعي أن معرفة المرء لنفسه التي بين جنبيه ستظل معرفة قاصرة ومحدودة، وأن الحل إذا أضاع المرء نفسه أن يتوجه بكله نحو الحب:
"إذا كُنتَ شاعِرًا فأضلَلتَ نفسَك فنشدتَهَا طوِيلًا وقلّبتَ عليها آفاقَ النفوسِ وأفلًَاك القلوب،
فإنَّكَ لن تصيبَها إلّا فِي نفس امرَأَةٍ جَمِيلَة يجعَلُها مُهندِس الكون مركزًا للدائِرةِ الّتي تنفَسِح بأقطَار نفسِك ذاهِبَةٍ بكل قُطرٍ إلَى جِهَةٍ مِن أمَانِي الحيَاة"
وإلى معنى قريب منه يذهب أبو مدرسة "العلاج بالمعنى LogoTherapy" الوجودي فيكتور فرانكل حين يقول في سياق تعديده لأسباب الحياة التي يكون الوجود عبرها مُحتَمَلًا:
"الدافع الثاني: معنى الحب
الحب هو الطريق الوَحيد للإنسان لدخول الغياهب الداخلية لشخصية إنسان آخر، إذ لا يمكن لشخص أن
يعي بشكل كامل جوهر شخصٍ آخر ما لم يحببه. وعبرَ الحب يتمكّن من معرفة الطباع والصفات الأساسية لمحبوبه بل ويستطيع حتى معرفة إمكانياته التي لم يحققها بعدُ والتي يجدرُ بهِ تحقيقها
لذلك وعبرَ الحُبّ يساهم العاشق في تمكين معشوقه من تَحقيق هذه الإمكانيات عبرَ جعلِهِ واعيًا بما يمكنه أن يكون وبما يجدرُ بهِ أن يكون ، وبذلك يجعل هذه الإمكانيات تصبح واقعًا محققًا يعيشه المعشوق"
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- مشيرًا إلى مدى ارتباط هذا الغامض المتواري الذي يُدعَى الحب، بكل أنحاء الوجود قائلًا
"فإن كل حركة من الوجود إنما تصدر عن محبة."
وكأننا حين نحلل هذا العالم محاولين الوصول إلى الجوهر الأولي الذي تلتقي فيه ظواهر الحياة، فسيكون الحب.
والحب مع ذلك -يا رعاك الله- ليس بالطريق السهل، وليس بالماء الزلال، بل هو القفز الحر في غياهب ما هو أشبه بالموت، حيث يختبر المرء فيه مشاعر ربما لم تخطر على قلب وروح، لذلك هتف قديمًا ابن الفارض:
"فإن شئتَ أن تحيا سعيدًا فمُت بِهِ
شهيدًا، وإلا فالغرام له أهلُ"
ويقول عالم الاجتماع الألماني عن الحب:
"يقع في كل حب كائنان على الأقل يمثل كا واحد منهما المجهول في معادلات الآخر. وهكذا يكون الحب أقرب إلى تقلب القدر وتغيره المفاجئ، ذاك المستقبل الغامض الذي لا يمكن معرفته مسبقًا حتى يمكن استباقه أو اجتنابه، حتى يمكن التعجيل به أو إيقافه-
فالحب هو الانفتاح على القدر، وهو أسمى الحالات البشرية، حالة يمتزج فيها الخوف بالفرح ليتحولا إلى خليط لا يسمح لمكوناته بالانفصال.
فالانفتاح على القدر يعني ميلاد الحرية، تلك الحرية المتجسدة في الآخر، في رفيق الحب.
فهذا طرف من حديث الحب فاضت به نفسي، وأني لأفخر أني ممن يحبون، وأحب أن أحب، وأحب من تتشوف نفوسهم للحب، وأحب من يحاولون الحب ويفشلون، وأحب كل ما يتصل بالحب من قول أو عمل، وأكثر ما أحفظ من الشعر هو في الحب، ولم أقصص هنا إلا طرفًا مما يجيش صدري به عن الحب، فافهم واعلم يا -رعاك الله-.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

جاري تحميل الاقتراحات...