Imad Alrawashdeh
Imad Alrawashdeh

@AlrawashdehImad

17 تغريدة 33 قراءة Nov 04, 2020
ثريد لنظرة مختلفة في الانتخابات الاميركية
ترتكز الرأسمالية على فكرة بسيطة مفادها ان التفاوض داخل السوق الحر سيصل بطرفي الصفقة الى تفاهم ما. يريد البائع "الحر" تحصيل اعلى الاثمان في سلعته فيما يتطلع المشتري "الحر" لدفع اقل الاثمان، وعبر التفاوض سيخرج الطرفان بالحد الادنى المرضي.
ضمن هذا الفهم، ليس العمل في حقيقته سوى سلعة اخرى؛ يبيع العمال قوة عملهم في السوق الحر، يحاولون الحصول على العلاوات والترقيات ويحرصون على رضى رب العمل خشية التسريح. في المقابل يربط ارباب العمل كل تلك المزايا الوظيفية بقدرة العامل على الابتكار والمبادرة وطبعا، مستوى انتاجيته.
هذا الشكل من ادارة العمالة يلائم طبيعة النظام الرأسمالي الصناعي لكنه ليس مما يتيحه نظام الاسترقاق، حيث "يملك" رب العمل العامل ويتكفل بمطعمه ومسكنه ويمارس ضده اقبح صنوف العنف حتى يفقده الرغبة في التطور وينهي قدرته على الابتكار والمبادرة كما يحدث في النظام الرأسمالي الصناعي.
هذه المقدمة ضرورية لفهم الكثير حول الولايات المتحدة، لكنها لازمة لفهم تحول مهم في بنية هذا البلد، هو الحرب الاهلية؛ الحدث المؤسس للولايات المتحدة كمركز رأسمالي موحد وفعال تحت ادارة مركزية تواجه اليوم تحد عميق يهدد فعليا بتفكيكها.
لم يكن العبيد، موضوع تلك الحرب المعلن، سوى خزان للعمالة اراده الشماليون خزانا من العمالة "الحرة" للعمل في المصانع والخدمات والزراعة الكفؤة الممكننة. كان ينبغي تحريرهم من مالكيهم الجنوبيين لتحقيق ذلك وهو ما تسبب في اندلاع الحرب الاهلية.
اما ما يقال عن الدوافع الاخلاقية في تحرير العبيد كسبب لاندلاع ذلك النزاع الاهلي، فليس اكثر مما يمكن ادراجه في باب الاساطير المشتركة التي تشكلها الامم وتلتف حولها بحثا عن العمق والمعنى لوجودها.
بهذا المعنى، وكما الاتحاد السوفيتي، قامت الولايات المتحدة على الاكراه. وكما تاسست عظمة الاتحاد على تمكن الحزب من تنفيذ خطط لينين الخمسية للتحول بالبلاد من الانتاج الزراعي للتصنيع والتي تسارعت في عهد ستالين،
تأسست الولايات المتحدة الحديثة على الانتقال المدفوع بقوة الحرب الاهلية من الزراعة والاسترقاق الاقطاعي، للتصنيع واقتصاد السوق الحر الليبرالي الشمالي.
حتى اليوم لا تزال الولايات المتحدة انعكاسا لموازين القوى وحساب الانتصار والهزيمة في الحرب الاهلية.
حتى اليوم، يمسك المنتصرون الليبراليون الصناعيون الشماليون بمقاليد السياسة والجيش والاعلام. لليوم، كلما زرت الجنوب الاميركي لن تملك مقاومة الشعور بأنك امام بلدين بينهما من الاحتقان والاستقطاب والخلاف ما لم يسبق لك تخيله.
حتى اليوم، لا تزال ديناميكيات الحرب الاهلية بوصفها نزاعا اقتصاديا بين نمطين للانتاج الرأسمالي فاعلة، ولا يزال هذا الاستقطاب ملتبسا عند ملايين المتابعين للسياسة الاميركية اذ يجري توصيفه باعتباره نزاعا قيميا اخلاقيا بين محافظين وليبراليين،
بين معادين للاجانب من جهة ومتحمسين للتنوع الثقافي والتعددية من اخرى. والحال ان الخلاف في جوهره ليس حول القيم والسياسة بل حول ذات المساحات الاقتصادية. لليوم لا يزال الجنوب والغرب الاوسط المهزوم،
جنوب الزراعة والنفط والفحم ذو الغالبية البيضاء مأزوما في علاقته مع السود ومؤخرا بقية الاقليات. اليوم بعد ان انتهى عصر الاقطاع ودخلت المكننة على الزراعة لم تعد مشكلة الجنوب المحافظ في تحرير العبيد او استرقاقهم، بل في الحاجة لهم كعرق.
تعبر هذه النظرة عن نفسها بشكل اوضح تجاه الاقليات الاخرى التي يرى فيها البيض المحافظون فائضا بشريا بلا فائدة، فصناعات النفط، والغاز والزراعة والفحم كلها مما يسيطر عليه البيض ويندر فيها الاعتماد على الاقليات.
فقط في الشمال الليبرالي ستجد المدافعين عن الملونين، لا ايمانا بحق الاخيرين بالحياة الكريمة بالضرورة، فهذه ليست معطا ثابتا او حقا مكتسبا في الولايات المتحدة، ولكنها، كبقية الحقوق، تنتزع انتزاعا داخل السوق وضمن شروطه.
يدافع الشماليون عن الاقليات اذن لان الاخيرين هم خزان العمالة الرخيصة في اقتصاد السوق الحديث الخدمي والتقني والاهم انهم الرافعة للاستهلاك السلعي في بلاد تعتمد على الاستهلاك للنهوض بالاقتصاد.
اليوم، تقف الولايات المتحدة على مفترق طرق يبدو مشابها لذلك الذي عاشته خلال الحرب الاهلية.
اليوم تواجه البلد استحقاق التحول نحو اقتصاد الطاقة المتجددة وعصر الذكاء الاصطناعي، اقتصاد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. يسعى الرأسماليون الشماليون الليبراليون نحو تنفيذ هذا الانتقال بأسرع ما يمكن، فيما يتمسك رأس المال الجنوبي (المحافظ) بما تبقى من عصر الوقود الاحفوري.
اليوم يتابع الاميركيون تطورات السابق الانتخابي وكانه سباق نحو مجهول، او سباق نحو حرب اهلية جديدة، لكنهم كما يفعلون مع ارث الحرب الاهلية، يحيلون كل تلك الانقسامات على السياسة والخلاف حول قيم ليبرالية الهوية، والحقيقة ان كل ما حدث ويحدث يدور حول الاقتصاد والانتاج والثروة.

جاري تحميل الاقتراحات...