nanataha900@gmail.com
nanataha900@gmail.com

@nanataha900

33 تغريدة 62 قراءة Nov 01, 2020
ثريد عن الصناعات والحرف والمهن في مصر عبر العصور
غالباً ما تُقاس حضارات الأمم والشعوب بتطور الحرف والصناعات فيها بشكل عام، لأن من المؤشرات الدالة على طبيعة هذا المجتمع واتجهاته واهتماماته، بالإضافة إلى ظهور التفنن والإتقان والتخصص في العمل الذي وجب على أصحاب (١)
المهن والحرف للإهتمام به.
من يتأمل الورش التقليدية يدرك أن انتقال الماثورات من جيل لجيل حيث كان يلتحق الصبي بالورشة وهو لا يدري من أمر هذه الفنون والحرف شيئاً، فيكون في البداية خادماً يتولى التنظيف وقضاء بعض المشتروات، ولكن لا يلبث بعد فترة أن يستوعب أسماء بعض (٢)
العدد والأدوات والخامات،ثم شيئاً فشيئاً يبدأ أن يلتمس طريقه لفهم بعض مما يقوم به الأسطى الذي يقوم بتوجيهه وإتاحة فرصة التدريب أمامه فيعهد إليه الاسطى بمهام ثانوية بسيطة في البداية ومع نجاحة وتقدمه تزداد جُرعة التدريب شيئاً فشيئاً حتى يطمئن الاسطى إلى بلوغ(٣)
الفتى المستوى الذي يسمح بأن يفرد له الأسطى مكانا بجواره وتحت إشرافه مباشرة، ومع تقدم المتدرب ونمو مداركه يصبح في إمكانه إنجاز الكثير من الأعمال وحده.
قبل أن يًبح الصنايعي أسطى يمكنه أن يحافظ على الأسس التقليدية للفن وأن يضع بصمته التي تحمل إبداعاته الخاصة فالفنون والحرف (٤)
التقليدية كيان ينتقل عبر الأجيال التي تحافظ على الجوهر العام وفي نفس الوقت توائم بين الموروث ومقضيات
المواقف المختلفة بمعنى أصبح بإمكانه الإضافه على التحفه أو الحذف منها على حسب الظروف، لذلك تُعد الورشة خلية عمل تضم جميع المستويات معاً من معلم وأسطوات (٥)
وصنايعيه فالورشة تقوم بإعداد فنانين وحرفيين للمسقبل.
الجدير بالذكر أن أنتعشت الحرف في العصر الفاطمي والأيوبي إلا أن الفنون والحرف التقليدية المصرية وصلت غلى قمة الأزدهار في العصر المملوكي 1250-1517م، ففي هذا العصر كانت مصر تسيطر على طريق هام للتجارة العالمية بين الشرق والغرب، (٦)
وكان المماليك ينفقون ببذخ جعل الفنانين والحرفيين المصريين يتنافسون في إبداع ما يحتاجهالمماليك لقصورهم ومازالت آثار المماليك تشهد بنبوغ وبعد الإحتلال العثماني عام 1517م انتقلت السلطة إلى العثمانيين ونقل السلطان سليم الأول أكثر من 500 فنان (٧)
وحرفي إلى بلاده ليصنعوا في تركيا مثل التحف التي صنعوها في القاهرة، وعاد معظمهم بعد حوالي ثلاث سنوات،وللأسف بعد أن أصبحت مصر تابعة للدولة العثمانية لم يعد هناك من يرعى الفنان والحرفي إلا فيما ندر، بل شهدت فترة الحكم العثماني تدهوراً كبيراً في (٨)
الفنون والحرف، حتى نهاية القرن 18م وبدايات القرن 19م كانت الثقافة المتوارثه بين الناس جيلا بعد جيليكتسبها المرء عن طريق الأسرة التي ينشأ فيها وعن طريق الأسطى الذي يدّربه ويعلمه وهي التي تحدد له القيم الأخلاقية والأساليب الحديثه للحرفه في ذلك الوقت.
(٩)
وعن فكرة نظام طوائف الحرف فقد ظهر في العصر الإيوبي وكان هذا التنظيم يتمثل في الشيخ وهو يرأس كل طائفة ويقوم بإنتخابه أساتذة رجال الحرفة فيصبح حاكم الحرفة ويعاونة رئيس وأمين صندوق، وكاتبيلي الشيخ الى أسطى أو أحياناً المعلم وهم يشكلون القسم الرئيسي منها، (١٠)
وكان من تقاليد نقابات وطوائف الحرف والصناع هو الحفاظ على أسرار تلك المهنة وقصرها على أفرادها وأسرهم فقط، ولعل هذا يُفسر لنا ما شاع من تخصص بعض الأسر فر حرفة واحدة يتوارثها الأبناء عن الآباء، بالإضافة إلى صعوبة دخول الغرباء على الطائفة في صفوفها.
(١١)
الجدير بالذكرأن الكثير من الفنون الإسلامية تأثرت في بدايتها بالعديد من التأثيرات الفنية الأخرى منها الفن القبطي والذي يعده البعض همزة الوصل بين الفن الإسلامي والفن المصري القديم فقوام هذا الفن الروحي هو الدين المسيحي أما قوامه المادي هو العادات والتقاليد المصرية الأصيلة.(١٢)
وعن الفرق بين كلمة حرفة وصناعة ، فالصناعة تعني عمل يدوي يُجريه الصانع في صنعته ويقوم بتغيير في ذات المصنوع  مثل الطباخة والخبازة  والصياغة، وفي هذه وأمثالها يسمى المصنوع باسم غير مادته،أما الحرفة تعني في اللغة الإحتراف أي الإكتساف، وقيل الحرفة هي الصناعة والمحترف هو الصانع، (١٣)
أما المعنى الأصطلاحي لكلمة الحرفة هي الطعمة والصناعة والتي يرتزق منها الأنسان فهي جهة الكسب وحرفه لأنه ينحرف إليها.
لهذا نجد تعدد الصناعات في مصر والتي أزدهرت أكثر وأكثر في العصر المملوكي مثل الصناعات الغذائية وما يتصل بها من حرف (١٤)
والتي لها علاقة بالغذاء وتتنوع بين الجزارة(القصابة) والطبخ وصناعة الحلوى والطحانين والفرانينوالخبازين والشوائين والبوارديين وهم تجار التوابل وقلائي السمك وقلائيين الزلابيه (الحلوانيين)، والشرابيين(اللبانين)، وتلك الحرف تعكس أنواع الأغذية العديدة التي كانت منتشرة في (١٥)
السوق المصري وتتماشى مع النمو السكاني في ذلك الوقت وقد خُصصت لهذه المواد أسواق لبيع المواد الغذائية وهذه الأسواق كانت تعمل معظم ساعات الليل والنهار، وهذه الحرف المتصلة بالغذاء تكشف عادات المصريين الإجتماعية في هذا الجانب من الصناعات، كما (١٦)
اشتهرت مصر في تلك الفترة بالصناعات الخفيفة مثل صناعة الأثاثكصناعة السرائر والتي تُصنع من الخشب المطعم بالعاج والأبنوس أو من الخشب المطلي بالدهون كذلك الخِزانات ويُقصد بها الخزائن والصناديق التي تُودع فيها لوازم البينمن بخور وأباريق وأدوات المائدة (١٧)
ويُطلق على السوق الذي تُباع فيه هذه المواد بسوق الخراطين، كما يُباع فيه المهد الذي يُوضع فيه الأطفال.
بالإضافة إلى صناعة الأفرشة ومنها الحُصر والتي تُصنع من سعف النخيل أو أوراق البردي واشتهرت مدينة الفيوم بصناعتها خاصة في العصر المملوكي (١٨)
واشتهر الرهبان بصناعتها حيث كانوا يُضفرون الحُصر ويبيعونها ليقوموا بفرشها بالمساجد.
كما ازدهرت صناعة الأقمشة والمنسوجات وتنقسم إلى أقمشة خاصة بالبلاط المملوكي حيث اهتموا بزينة مواكبهم وفخامتها فضلاً عن ملابسهم الثمينة وكسوة خيولهم ، أما المجتمع فكانت لكل فئة ملابسها الخاصة (١٩)
ولا يجب لغير هذه الفئة أن تتزين بها، أما فيما يخص عامة الناس فكانت ملابسهم خالية من اية نقوشأو زينة والتي كانت مقتصرة على الحكام والفقهاء والقضاة وأصحاب العمائم والتجار، وقد اتصلت بهذه الصناعة حرفة القزازون وأطلق على صانع هذه الحرفة الحائك،(٢٠)
كما يرتبط بصناعة الأقمشة الحريريون اي صانعي الحرير، وأرتبط بهذه الصناعة القصّارون وهم يقومون بالنسج عن طريق أنوال يدوية،ثم تأتي مهنة الصباغون وهي مهنة كانت معروفة في ذلك الوقت، كما أرتبط بتلك الصناعة مجموعة من الحوانيت مثل الرفائين والحياكين والرسامين والفرائين والخياطين.
(٢١)
كما كان في مصر بتلك الفترة حرف خاصة بالزينة مثل الحلاقين والماشطة بالإضافة إلى مهن مرتبطة بالمياة مثل الحمّامي والسقا، كما انتشرت الحرف المتصلة بالعمارة خاصة انه خلف لنا المماليك الكثير من العمائر الشاهقة والتي مازالت موجوجة إلى الآن من مدراس ومساجد وقصور وحمامات (٢٢)
وغيرها مما يدل على تقدم الفنون والعمارة في ذلك العصر لدرجة أنه عند إفتتاح أي بناء عام للدولة كانت السلطنة المملوكية تُكرم القائمين على هذا المشروع من مهندسين والمشرفينمثلما قام السلطان برقوق بتكريم المهندسين والعاملين عند افتتاح مدرسته.
(٢٣)
بالإضافة إلى ما سبق اتربطت حرف بالموسيقى حيث اهتم المصريون بها كثيراً مثل صناعة العود والربابة والجنك وهي آلة وترية قريبة من صوت العود والشيابة وهي نوع من أنواع الناي ويصنع من القصب المجوف والمزمار العراقي والدف، وكان هناك سوق لهذه الآلات الموسيقية (٢٤)
يتواجد فيه الكثير من الموسيقيين والمطربين.
ومع بزوخ القرن 19م وتولي محمد علي باشا الحكم تم إدخال عناصر جديدة من طرق وإنتاج للحرف والصناعة ، وفي عصر الخديو إسماعيل كان أمله أن تُصبح مصر قطعة من أوروبا فأبتعد أكثر وأكثر عن الفن التقليدي المتوارث في الحرف وبدأ في تشجيع البناء (٢٥)
على الطراز الغربي والذي لا يحتاج غلى زخرفة الأسقف أو مشربيات أو أبواب ذات تعشيقات ولا تطعيم أو جبس المعشق بالزجاج ، أو التكفيت بالنحاس، لذلك تم الإستغناء عن الإبداعات.
وللأسف عمق الإحتلال البريطان يفي نهاية القرن19م هذا التوجه ومع الحرب العاليمة الثانية (٢٦)
أصبح الطراز الغربي هو السائد في مصر بلا منازع وتحول من بقى من أسطوات في الفنون والحرف التقليدية لخدمة السوق السياحي، فالسائح لا يمكنه أن يحمل مشربية معه أو باباً ولكنه يُقبل على العلبة الصغيرة المغطاة بالصدف.
وعلى الرغم من ذلك ظل الكثير مما كان سائداً حتى نهاية القرن18م (٢٧)
يصر على البقاء ويقاوم الفناء، وفجأة أصبح المصري يعيش بين ثقافتين في آن واحد وهما ثقافة يأخذها بشكل منظم في المدارس وهي الثقافة الحديثة، وثقافة أخرى متوارثه عن الأجداد تميز المصري عن باقي الشعوب وهي الثقافة التقليدية التي تحمل طابعة القومي المميز.
(٢٨)
ومع نهايات القرن20م هناك قوى للحفاظ على موروثاتنا من الفنون والحرف التقليدية التي تُعبر عن أصالته وعراقته، فيرى النشيطون في هذا الفلكورأن الإقتصار في الحرف التقليدية على خدمة السائح ولاذي غالباً لا يدرك أصول الصنعة ولا يعلم الكثير عن قيمتها الجمالية، (٢٩)
سيؤدي إلى يصبح الكم أهم من الكيفوينتهي الحال إلى أن يحل العامل مكان الفنان حتى يصل الحال أن يعيش الفنان التقليدي في غربه بين بني وطنه، فلا أفضل من أن عوجة هذه الفنون والحرف التقليدية إلى خدمة المستهلك المصري، ولا يعنى هذا العودة إلى إنتاج نفس الأشياء(٣٠)
التي كان يُقبل عليها الأجداد منذ قرنين من الزمان ، لذلك يجب التمييز بين ما هو جوهري وما هو هامشي من المتوارث مع تشجيع الفنان والحرفي التقليدي ومساعدته على أن يُوظف خبراته ومهاراته وقدرته على الإبداع والتجديد في إنتاج ما تحتاجه الاسرة المصرية الحديثة (٣١)
فالمهم أن يضع العناصر الجوهرية الأصلية من الماثورات والتي عليه أن يحافظ عليها، وذلك في إطار منتج يسد بحق الجاجة الحقيقة التي تحتجها الأسرة المصرية والتي أختلفت حياتها عن حياة الأجداد ، كما يجب أن يأخذ في عين الأعتبار متطلبات السوق الحديث مع عدم التخلي عن الهوية الثقافية له.
انتهى

جاري تحميل الاقتراحات...