باديء ذي بدء يجب أن نعي بأن السودان ليس إستثناءا في سلوك الفيروس، فهناك حوالي ١١٧ دولة حول العالم تبلغ إصاباتها الرسمية بالكوفيد-19 عددا أقل من عدد إصابات السودان رغم مرور ١٠ أشهر على بدايته! وتتوزع هذه الدول على قارات العالم المختلفة وتضم مناخات وإثنيات شديدة التباين
ومن جهة أخرى فأغلب إصابات العالم تتركز في قلة من الدول، والأشد إثارة للإنتباه هو عدم تميز هذه الدول بعوامل مشتركة في المناخ أو الإثنية أو الوضع الإجتماعي الإقتصادي، كما أن هناك حالات لمدن متجاورة تتشابه في كل العوامل بينما تنجو إحداها وتعاني الأخرى من إنتشار حاد جدا
مما يدل بوضوح على أن التفسيرات القائمة على المناعة الذاتية لسبب خفي: مناخي أو بيولوجي أو تغذوي (الحرارة\ التطعيم ضد السل\ نقص فيتامين د) لا تلعب الدور الأساسي إن كان لها أي دور أصلا في الحماية من الإنتشار.
الشيء الآخر المحير في هذا الوباء هو إختلافه عن المعتاد في نمط التقدم عبر الزمن، فهو يفارق المنحنى الموجي المعهود للأوبئة التي تتقدم عبر موجات متعاقبة، ليسلك منحنى غريبا شبه خطي (ثبات عدد الإصابات لفترات طويلة تتخلله بعض الزيادات السريعة)
بحيث لا يمكن وصفه جيدا عبر النماذج الوبائية التي تعتمد على عامل معدل الإنتشار المعروف كغيره من الأوبئة التنفسية كالإنفلونزا(٢)، بينما يسهل وصفه أكثر عبر نموذج يعتمد على الإنتشار الشبكي وعلوم التعقيد(٣).
تحدثت سابقا عن مناسبة علوم التعقيد والفوضى(٤) في نمذجة الظواهر الحقيقية المعتادة بالعالم أكثر بكثير من النماذج البسيطة، والدور الأساسي للعشوائية في إعداد هذه النماذج وتأثرها الحساس بالظروف الأولية ومساراتها الشديدة الإختلاف رغم تشابه نفس الظروف لدرجة كبيرة(٥)
خلاصة هذا المنظور هي أن الكورونا تختلف عن أوبئة الإنفلونزا في السلوك لأن الأخيرة تتبع نمطا بسيطا حتميا قابلا للتنبؤ والنمذجة المباشرة البسيطة، بينما تنحو الكورونا لسلوك فوضوي غير قابل للتنبؤ الدقيق ولا يمكن تفسيره سوى بعلوم التعقيد والفوضى الحديثة لفهم أنماط إنتشارها المحيرة
الإختلاف الأساسي للكورونا الذي يجعلها تتصرف بهذ الطريقة الغريبة، يكمن في خاصية معروفة تتعلق بطبيعة إنتشارها (تسمى معدل الانتثار ويرمز له ب k)، فبينما تتساوى إحتمالات نشر العدوى لدى كل المصابين بالإنفلونزا مثلا، نجد أن الكورونا لا تنتشر إلا عبر قلة من المصابين(٦)
بينما لا ينشر السواد الأعظم من المصابين الفيروس للآخرين (حوالي ٨٠٪ تقريبا فقط من المصابين لا ينقلون المرض)، فإذا زاوجنا هذه الحقيقة التجريبية مع نمط الإنتشار الشبكي للمرض (الإنتقال يتم عبر المخالطة اللصيقة المستمرة بالأماكن المغلقة، داخل شبكة إجتماعية مترابطة كالمنزل أو المكتب)
فسينتج عن هذا نمط مميز لسلوك لا خطي بمعنى أنه لا ينتشر بمتوالية هندسية دوما، بل يتأثر بعوامل عديدة (الصدفة وطبيعة التركيبة الإجتماعية والكثافة السكانية وطبيعة الحياة بين الأماكن المغلقة والمفتوحة، ودرجات التداخل الإجتماعي بين السكان وغيرها)، تلعب أدوارا مختلفة متبادلة التأثير
وهذه هي بالضبط شروط تطبيق علوم الفوضى والتعقيد وتحقق خصائصها الغريبة من إختلاف النتائج النهائية بشدة رغم التشابه الظاهري للعناصر التي تكون المشهد
فالأمر أشبه بمباريات كرة القدم، فلا يمكن التنبؤ بالنتيجة فقط من مهارة اللاعبين الفردية، بل تتداخل عوامل كتوزيع اللاعبين وخطة المدرب وظروف الملعب والعوامل النفسية وغيرها في النتيجة الكلية التي تفاجيء المشاهدين دوما وهذا هو ما يصنع إثارة كرة القدم ورعب إنتشار الكورونا
كمثال، وجدت دراسة جينومية للفيروس بنيوزلاندا(٧) أن الفيروس قد دخل البلاد بطريقة منفصلة حوالي ٢٧٧ مرة! لكن اتضح أن ٨١% من هذه المرات لم تنقل الفيروس لأكثر من عدوى واحدة فقط إنتهت فورا ولم تؤد لأي إنتشار
أي أن ١٩% فقط من المرات التي وصل فيها شخص مريض للبلاد كانت هي المسؤولة عن الإنتشار الوبائي بالبلاد، ومن المثير للإهتمام معرفة أن الفيروس الذي انتشر بنيوزلاندا كان من النسخة الأمريكية دون الصينية رغم وصول الاثنان للبلاد بوقت واحد.
هذا المدخل يستطيع تفسير العديد من الأسئلة حول الأنماط المحيرة للإنتشار(٩)، فمثلا بالسويد لعبت عوامل صغر حجم الأسرة بالبيوت (٤٩% منها بها شخص واحد فقط) وطبيعة الشعب السويدي الذي يتجنب المخالطة الاجتماعية و"الونسة"، دورا فعالا في لجم الإنتشار الوبائي دون تطبيق حظر صارم
بينما إرتفعت نسبة الوفيات ببيوت العجزة فيها بشدة بسبب تواجد عدد كبير من المعرضين للخطر بمكان واحد مغلق مع عدم وجود حظر يمنع نقل العدوى
ورغم أن هذا المدخل لا يتيح التنبؤ الدقيق بمسار الوباء إلا أنه يمنحنا تنبؤات دقيقة حول الظروف التي تناسب النشر عبر القلة الفائقة النشر: فالمخالطة المطولة والتهوية السيئة بالأماكن المغلقة ذات الإزدحام ، هي الوصفة السحرية لفعالية النشر الفائق
وربما يفسر هذا القفزة الوبائية التي حدثت بالخليج بالصيف الماضي، بسبب تحقق هذه الشروط مع تزايد درجات الحرارة ومكوث الأغلبية بداخل المباني التي تنطبق عليها هذه الشروط(١٠)
وبنفس هذا المنطق يمكن عزو عدم إنفجار الوضع بالسودان جزئيا لقلة تحقق هذه الشروط رغم الإزدحام الذي يتم عادة بمناطق مفتوحة جيدة التهوية وصعوبة التواصل الاجتماعي الواسع بسبب الظروف الاقتصادية والحظر السابق، كما أنه يفسر أيضا الإنتشار الذي حدث بصورة متفرقة بمجتمعات صغيرة متفرقة فيه.
أخيرا هناك بصيرة مهمة يجب أن نستوعبها جيدا، فكل ما سبق يقود لأن التعامل مع الجائحة يجب أن يتم بمنظور نظمي Systems thinking approach ، أي أن نعي بأن التوازن الحالي الذي يجعل منها وباءا تحت السيطرة بلا سلوك مقلق حتى الآن، ليس هو نهاية المطاف
فلسنا بمأمن منه بشكل حتمي، أي أنه ليس هناك عامل واحد حاسم كإنتشار الملاريا مثلا (لم ينفع الهند) يجعلنا منيعين من الإنفجار الوبائي، بل هو توازن هش بين عوامل كثيرة، قابل للتغير الفجائي حين تختلف الظروف
ففي التفكير النظمي، يمكن لعامل واحد مؤثر أن يغير من العلاقات بين العناصر المختلفة المتوازنة نحو وضع جديد بسهولة، وهذا العامل الذي أخشاه كثيرا هو فصل الشتاء بالسودان الذي تنتشر فيه عادة الأمراض التنفسية الفيروسية بشدة
بالذات حين يكون مترافقا مع إسترخاء شعبي عام يتجاهل الوقاية، وحركة جوية نشطة مع الدول التي تعاني من الإنتشار الوبائي الشديد، وقضاء أغلب الوقت بالبيوت والمكاتب بسبب موجة البرد المتوقعة، فيمكن ببساطة أن تتعاضد هذه العوامل مع بعضها البعض لتتجاوز عتبة حرجة للإنتشار الوبائي.
بالإضافة لدور الصدفة الذي يجعل منطقتين شديدتي التشابه في كل شيء، تختلفان بشدة في الإنتشار الوبائي، فقط عبر صدفة إصابة عدد كاف من الناشرين الفائقين ببداية الوباء بإحداهما الشيء الذي يؤدي لإقلاع الوباء، وعدم إصابتهم بالمنطقة الأخرى بحيث تنطفيء سلاسل العدوى بسرعه دون أثر يذكر.
فالخلاصة هي أنني آمل بأن تستمر العوامل التي مكنتنا سابقا من الحفاظ على عدد بسيط من الإصابات نسبيا مقارنة بمناطق الوباء النشطة، في الفعالية بحيث ننجو من هذه الجائحة
إلا أنني أحذر بشدة أيضا من فصل الشتاء القادم الذي تعلمنا التجارب معه أنه وقت خطر للعدوى الفيروسية التنفسية كما حدث بالشتاء الماضي، لذا فالإنتباه للمؤشرات والفحص النشط عبر تفعيل عمل اقسام الوبائيات والتحضر لأي تغيير في منحنى الإصابة هو من حسن الفطن، نجانا الله وإياكم من كل شر.
#متابعات_محمد_قرشي_لكوفيد١٩
المراجع
(١) m.facebook.com
(٢) m.facebook.com
(٣) m.facebook.com
(٤) m.facebook.com
(٥) m.facebook.com
(٦)
m.facebook.com
(٧) medrxiv.org
(٨) japantimes.co.jp
المراجع
(١) m.facebook.com
(٢) m.facebook.com
(٣) m.facebook.com
(٤) m.facebook.com
(٥) m.facebook.com
(٦)
m.facebook.com
(٧) medrxiv.org
(٨) japantimes.co.jp
جاري تحميل الاقتراحات...