فإذا حدث أن اعتنق بعضُ الأقوام النصرانية الإسلامَ، واتخذوا العربية لغةً لهم، فذلك لما رأوه من عدل العرب الغالبين مما لم يرَوا مثله من سادتهم السابقين، ولما كان عليه الإسلام من السهولة التي لم يعرفوها من قبل .
(ولم ينتشر القرآن، إذن بالسيف، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرًا، كالترك والمغول)
وكلما أمعنا في درس حضارة #العرب ، وكتبهم العلمية، واختراعاتهم، وفنونهم ظهرت لنا حقائقُ جديدةٌ وآفاقٌ واسعة، ولسُرعان ما رأينا أن العرب أصحاب الفضل في معرفة #القرون_الوسطى لعلوم الأقدمين، وأن جامعات #الغرب لم تعرف لها، مدة خمسة قرون، موردًا علميًّا سوى مؤلفاتهم .
فقد كانت بلاد العرب قبل محمد - ﷺ - مؤلفةً من إمارات مستقلة وقبائل متقاتلةٍ دائمًا، فلما ظهر محمد ومضى على ظهوره قرنٌ واحد كانت دولة العرب ممتدة من الهند إلى إسپانية، وكانت الحضارة تسطع بنورها الوهاج في جميع المُدُن التي خَفَقَت راية النبي فوقها .
و #الإسلام من أكثر الديانات ملاءمة لاكتشافات العلم، ومن أعظمها تهذيبًا للنفوس وحملًا على العدل والإحسان والتسامح .
ومع ما أصاب حضارة العرب من الدُّثور، كالحضارات التي ظهرت قبلها، لم يَمسَّ الزمن دين النبي الذي له من النفوذ ما له في الماضي، والذي لا يزال ذا سلطانٍ كبير على النفوس، مع أن الأديان الأخرى التي هي أقدم منه تَخسر كلَّ يوم شيئًا من قوتها .
وقد أثبت التاريخ أن الأديان لا تُفرض بالقوة، فلما قهر النصارى عربَ الأندلس فضَّل هؤلاء القتل والطرد عن آخرهم على ترك الإسلام ، ولم ينتشر القرآن بالسيف إذن، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب .
وكان العرب، قبل أن يَسْعَوا إلى فتح بلد، يرسلون رُسُلًا حاملين إليه شروطًا للوفاق، وتكاد هذه الشروط تكون مماثلةً للشروط التي عرضها عمرو بن العاص على أهالي غزة حين حصاره لها في السنة السابعة عشرة من الهجرة .
وتلك الشروط التي عرضها عمرو بن العاص هي ما يأتي: «أمرنا صاحبنا أن نقاتلكم إلى أن تكونوا في ديننا فتكونوا إخوتنا، ويلزمكم ما يلزمنا فلا نتعرَّض إليكم ..
فإن أبيتم أعطيتم الجزية في كلِّ عام أبدًا ما بقينا وبقيتم، ونقاتل عنكم من ناوأكم إن تعرَّض إليكم في وجهٍ من الوجوه، ويكون لكم عهدٌ علينا، فإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا السيف فنقاتلكم حتى تفيئوا إلى أمر الله.»
ويُثبِت لنا سلوك أمير المؤمنين عمرَ بن الخطاب في مدينة #القدس مقدارَ الرفق العظيم الذي كان يعامل به العربُ الفاتحون الأمم المغلوبة، والذي ناقضه ما اقترفه الصليبيون في القدس بعد بضعة قرون مناقضةً تامة !
واتصلت بالعرب أممٌ قديمة، كشعوب مصر والهنود، واعتنقت معتقدات العرب وعاداتِهم وطبائعَهم وفنَّ عمارتهم، واستولت بعد ذلك الدور أمم كثيرة على الأقطار التي فتحها العرب فظلَّ نفوذ العرب فيها ثابتًا، ويلوح لنا رسوخُ هذا النفوذ إلى الأبد في جميع البقاع الآسيوية والإفريقية التي دخلوها .
ولم ينقضِ القرن الأول من #الهجرة حتى كانت راية النبي تخفق من الهند إلى المحيط الأطلنطي، ومن القفقاس إلى الخليج الفارسي، وغدت إسپانية، التي هي إحدى الممالك النصرانية الكبرى في أوربة، خاضعةً لشريعة محمد .
أصبحت إسپانية أنضر مقر للحضارة العربية مع دوام عاصمة الخلفاء القديمة على إلقاء أشعتها الساطعة، ويقصد طالبو العلم من جميع أقطار الأرض، ومنها أوربة النصرانية، جامعات العرب الكبيرة في طليطلة وغرناطة وقرطبة .
وروى المؤرخون أن سورية لم تلبث أن ازدهرت بعد أن فتحها العرب، فقد جَدَّ العرب في دراسة كتب اليونان والرومان مثلما جَدُّوا في ميادين القتال، وأنشأوا المدارس في كل مكان، وصاروا أساتيذ من فورهم بعد أن كانوا تلاميذ، وأنهضوا العلوم والشعر والفنون الجميلة أيما إنهاض.
ويمكن الباحث أن يلاحظ في دمشق وحدها قصورًا على الطراز العربي القديم مشتملةً على وسائل للراحة والرفاهية مع الذوق لا يُرَى مثلها في أرقى مساكن أوربة، ومن دواعي الأسف أن نرى سنة الكون تُجرِي حكمها على هذه القصور فتزول .
وبعد أن كان العرب مبتدئين في العلوم والفنون ماثلوا الأمم الأخرى فيها بفضل ما أنشأوا من المدارس ثم تقدموها، وأنهم، بعد أن كانوا غير عالمين بفنون العمارة ، أصبحوا فيها ذو ذوق فني عظيم .
وقد استوقف العالم الذي فَتَحَه أتباع النبي خيالَهم المضطرم، فأخذوا يدرسون الآداب والفنون والعلوم بمثل نشاطهم في فتوحهم، ولم يلبث الخلفاء، بعد أن شادوا دولتهم، وأن أنشأوا في جميع المدن المهمة مراكز للتعليم، وجمعوا حولهم كل عالم قادر على ترجمة أشهر الكتب .
والإنسانُ يقضي العجب من الهِمة التي أقدم بها العرب على البحث، وإذا كانت هنالك أممٌ تساوت هي والعرب في ذلك فإنك لا تجد أمة فاقت العرب على ما يحتمل .
وكان للعرب في إسپانية وحدها سبعون مكتبة عامة، وكان في مكتبة الخليفة الحكَم الثاني بقرطبة ستمائة ألف كتاب منها أربعةٌ وأربعون مجلدًا من الفهارس كما روى مؤرخو العرب .
لم يلبث العرب، بعد أن كانوا تلاميذ معتمدين على كتب اليونان، أن أدركوا أن التجربة والترصد خيرٌ من أفضل الكتب، وعلى ما يبدو من ابتذال هذه الحقيقة جد علماء القرون الوسطى في أوربا ألف سنة قبل أن يعلموها !
يقول العالم الشهير هَنْبُولد : أن ما قام على التجربة والترصد هو أرفعُ درجةٍ في العلوم وقال عن العرب : «إن العرب ارتَقَوا في علومهم إلى هذه الدرجة التي كان يجهلها القدماء تقريبًا.»
واختبر العربُ العلوم ، وكانوا أول من أدرك أهمية هذا المنهاج في العالم، وظلوا عاملين به وحدهم لوقت طويل ، قال دُو لَنْبر في كتاب «تاريخ علم الفلك»: «تَعُدُّ راصديْن أو ثلاثة بين الأغارقة، وتَعُدُّ عددًا كبيرًا من الرُّصاد بين العرب» .
وأما في الكيمياء فلا تجد مُجرِّبًا يونانيًّا مع أن المجَربين من العرب يُعَدُّون بالمئات.
ومنح اعتماد العرب على التجربة مؤلفاتِهم دقةً وإبداعًا لا يُنتَظر مثلهما من رجل تَعَوَّد درس الحوادث في الكتب، ولم يبتعد العرب عن الإبداع إلا في الفلسفة التي كان يتعذر قيامها على التجربة .
ومنح اعتماد العرب على التجربة مؤلفاتِهم دقةً وإبداعًا لا يُنتَظر مثلهما من رجل تَعَوَّد درس الحوادث في الكتب، ولم يبتعد العرب عن الإبداع إلا في الفلسفة التي كان يتعذر قيامها على التجربة .
ولم يقتصر شأن العرب على ترقية العلوم بما اكتشفوه، فالعرب قد نَشروها، كذلك، بما أقاموا من الجامعات وما ألَّفوا من الكتب، فكان لهم الأثر البالغ في أوروبا من هذه الناحية .
أن #العرب وحدهم كانوا أساتذة الأمم النصرانية عدة قرون، وأننا لم نطلع على علوم قدماء اليونان والرومان إلا بفضل العرب، وأن التعليم في جامعاتنا لم يستغنِ عما نُقل إلى لغاتنا من مؤلفات العرب إلا في الأزمنة الحاضرة .
اتَّسَع البحث في الرياضيات، ولا سيما علمُ الجبر، عند العرب، وعُزِيَ إلى العرب اكتشاف علم الجبر، ولكن أصوله كانت معروفة منذ زمن طويل، ومع ذلك فقد حوَّل العرب علم الجبر تحويلًا تامًّا، وإليهم يرجِع الفضل في تطبيقه على علم الهندسة.
إن العرب هم الذين أدخلوا المماس إلى علم المثلثات، وأقاموا الجيوب مقام الأوتار، وطبَّقوا علم الجبر على الهندسة، وحلُّوا المعادلات المكعَّبة، وتعمقوا في مباحث المخروطات، وحوَّلوا علم المثلثات الكرية بردهم حلَّ مثلثات الأضلاع إلى بضع نظرياتٍ أساسية تكون قاعدةً له.
علم الفلك هو من أوَّل ما اعتُنِيَ به في بغداد، ولم يدرُس العربُ وحدهم مسائله، بل سار على طريقهم وارثوهم أيضًا، ولا سيما حفيدُ تيمورلنك، أولوغ بك، الشهير بزِيَجه، والذي يمكن عَدُّه المثلَ الأخير لمدرسة بغداد التي دام زمن ازدهارها سبعة قرون .
واكتشافات العرب الفلكية :إدخال المماس إلى الحساب الفلكي منذ القرن العاشر ، ووضع أزياجٍ لحركات الكواكب، وتعيينٌ دقيق لانحراف سمت الشمس ونقصانه التدريجي، وتقدير مبادرة الاعتدالين بالضبط، وتحديدٌ صحيح لمدة السنة، وتحقيق لشذوذ أعظم عرض للقمر، وكشف للاختلاف القمري الثالث .
وكتب العرب التي انتهت إلينا في علم الجغرافيا مهمةٌ إلى الغاية، وكان بعضها أساسًا لدراسة هذا العلم في أوربا قرونًا كثيرة .
فالعرب هم الذين انتَهَوا إلى معارف فلكية مضبوطة من الناحية العلمية عُدَّت أول أساسٍ للخرائط، فصححوا أغاليط اليونان العظيمة في المواضع، والعرب، من ناحية الرِّياد، هم الذين نشروا رحلاتٍ عن بقاع العالم التي كان يشكُّ الأوربيون في وجودها .
ويظهر لنا مدى اكتشافات العرب الكيماوية من كَثْرَة ما كان مجهولًا قبلهم من المركبات التي ذكروها في مؤلفاتهم الطبية، وابتدع العربُ فنَّ الصيدلة، ويبدو لنا مقدارُ معارفهم في الكيمياء الصناعية من حِذقهم لفنِّ الصباغة، واستخراج المعادن، وصنع الفولاذ .
ان العرب كانوا يعلمون استغلال مناجم الكبريت والنحاس والزئبق والحديد والذهب، وأنهم كانوا ماهرين في الدِّباغة، وفي فن تسقية الفولاذ، كما تشهد بذلك نصال طليطلة، وأنه كان لنسائجهم وأسلحتهم وجلودهم وورقهم شهرةٌ عالمية، وأنه لم يسبقهم أحد في كثير من فروع الصِّناعة
إلى عصرهم .
إلى عصرهم .
ونرى، بين اختراعات العرب، ما لا يجوز الاكتفاء بذكره لأهميته، كاختراعهم للبارود مثلًا وهو الاختراع الذي غير نظام الحرب رأسًا على عقب للأبد .
- الوِراقة :
تُثبِت المخطوطة التي عَثَرَ عليها الغزيري في مكتبة الإسكوريال والمكتوبة في سنة ١٠٠٩م على ورق مصنوع من القطن، والتي هي أقدم من جميع المخطوطات الموجودة في مكتبات أوروبا، أن العرب أول من أحلَّ الورقَ محل الرَّقِّ - وكان للعرب دور عظيم في نشر العلم بسبب هذا الإختراع-.
تُثبِت المخطوطة التي عَثَرَ عليها الغزيري في مكتبة الإسكوريال والمكتوبة في سنة ١٠٠٩م على ورق مصنوع من القطن، والتي هي أقدم من جميع المخطوطات الموجودة في مكتبات أوروبا، أن العرب أول من أحلَّ الورقَ محل الرَّقِّ - وكان للعرب دور عظيم في نشر العلم بسبب هذا الإختراع-.
يُعَدُّ الطبُّ والفلك والرياضيات والكيمياء أهمَّ العلوم التي عُنِي بها العرب، وأتم العرب أعظم اكتشافاتهم في هذه العلوم، وتُرجمت مؤلفات العرب الطبية في جميع أوروبا ، ولم يَتْلَف قسمٌ كبير منها كما أصاب كتبَهم الأخرى .
كانت مشافي العرب، كمشافي أوروبا في الوقت الحاضر، ملاجئَ للمرضى وأماكن لدراسة الطلاب، وكان الطلاب يَتَلقَّون دروسهم في فُرُش المرضى أكثر مما يتلقَّونها في الكتب، ولم تُقَلِّدهم جامعات أوروبا في القرون الوسطى إلا قليلًا .
إن أهم تقدم للعرب في عالم الطب هو ما كان في الجراحة ووصف الأمراض وأنواع الأدوية والصيدلة، وظهرت للعرب عدةُ طرق يعود الطب الحديث إلى بعضها بعد إهمالها قرونًا كثيرة .
والطبُّ مَدِين للعرب بعقاقيرَ كثيرةٍ كالسَّلِيخة والسنا المَكِّيِّ والرَّاوَنْد والتمر الهندي وجوز القَيء والقِرمِز والكافور والكحول … وما إلى ذلك، وهو مدين لهم بفن الصيدلة، وبكثير من المستحضرات التي لا تزال تُستعمل كالأشربة واللُّعُوق واللزقات والمراهم .
وعلم الجراحة مدين للعرب، أيضًا، بكثير من مبتكراته الأساسية، وظلت كتبهم فيه مرجعًا للدراسة في كليات الطبِّ إلى وقت قريب جدًّا .
عدد المؤلفين من أطباء العرب كبيرٌ إلى الغاية، وخَصَّص ابن أبي أُصيبعة مجلدًا من كتابه لتراجم أطباء العرب .
ختامًا :
نحن أبناء حضارة عظيمة
لها فضل كبير على البشرية
فكرًا ودينًا و خُلقًا و علمًا
وستشرق شمسها من جديد
فإياك ثم إياك ثم إياك
أن تقع في عقدة النقص
وأن تمتهن لغتك وتاريخك العظيم
بسبب جهلك بها .
أولَئِكَ آبائي فَجِئني بِمِثلِهِم
إِذا جَمَعَتنا يا جَريرُ المَجامِعُ !
نحن أبناء حضارة عظيمة
لها فضل كبير على البشرية
فكرًا ودينًا و خُلقًا و علمًا
وستشرق شمسها من جديد
فإياك ثم إياك ثم إياك
أن تقع في عقدة النقص
وأن تمتهن لغتك وتاريخك العظيم
بسبب جهلك بها .
أولَئِكَ آبائي فَجِئني بِمِثلِهِم
إِذا جَمَعَتنا يا جَريرُ المَجامِعُ !
جاري تحميل الاقتراحات...