ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

15 تغريدة 625 قراءة Oct 28, 2020
فارة من زواج فرض عليها، صحراء جرداء تفتك بها، وأسراب من النمل تتعاون لإنقاذها، ومستقبل مبهر ينتظرها تحكم فيه ثلث القارة الأفريقية وتصير معه أسطورة يتغنى بها أسلافها حتى اليوم، نتحدث هنا عن أم الطوارق أم الرجال الزرق الملكة تين هينان.
ما القصة؟!
حياكم تحت
اعتقد قدماء الأمازيغ؛ أن الصحراء تحرسها ملكة الجن بذاتها، مسيجة إياها بتعاويذ تحيطها من كل جانب، تعاويذ تُصلّي كل مغامر متجول فيها موتًا محققًا بالعطش والضياع، أما سكان الصحراء فهم أناس يعرفون جيدًا كيف يتعايشون مع الصحراء والتعاويذ دون مساس.
إنهم الرجال الزرق الذين يحترزون من ملكة الجن وتعاويذها عبر ستر وجوههم بلثام محكم يقيهم من تسرب الأرواح الشريرة وأثر التعاويذ، لكن عقاب ملكة الجن لهم ولتحديهم لها مصيبهم مهما احترزوا، وعقابهم هو حرمان أبنائهم من الملك وجعله فقط في أبناء النساء، هكذا بنوا أسطورتهم وتصورها!
في تلك الأثناء كان والد تين هينان الحاكم لمنطقة تافيلالت بالمغرب قد فرض عليها زواجًا من من أمير أفريقي، زواجًا رفضته بشدته، وعبرت عن ذلك الرفض بطريقة عملية، حين باغتت والداها وأسرتها وفرت هاربة إلى الصحراء مصطحبة معها خاصتها من الخدم والأعوان المقربين.
تين هينان اسم يبدو للوهلة الأولى استثنائيًا ومحببًا، وهو كذلك بالفعل، حيث الأمازيع يُعَرفون أنهم يكنون بعضهم البعض بصفات أو مهارات يجيدونها، وقد كانت تين هينان معتادة على السفر مجيدة لنصب الخيام، ومن هنا سماها أبوها تين هينان أي ناصبة الخيام، وذلك بلغة التاماهاك القديمة.
مهما كثر زادهم وماؤهم فـ تين هينان ورفقتها من الخدم والأعوان في خطر محدق، فتلك صحراء حكم على كل مغامر فيها بالموت مهما حاول إلى الحياة سبيلا، استمر الجمع في المسير والسير في الصحراء ليل نهار، ومرت أيام وأيام حتى أتى الوقت على ما معهم من زاد، العطش يحكم وإلى الموت يقترب الجميع.
الصبر ينفذ والطاقات تتبخر والسراب يتراءى كأمل أخير،لكن توق الخادمة تاكامات إلى الحياة، حملها إلى ملاحظة سرب من النمل يطفو فوق الرمال حاملًا بعض حبات الشعير، تتبعته ومعها جمعها، أملًا في أن يصلها بالحياة، وهو ما قد كان، لقد هداها إلى وادٍ ينبض بالماء والحياة أسموه فيما بعد بالهقار
مملكة ظلت تتوسع أرجائها حتى تمكنت من السيطرة على ثلث القارة الأفريقية في القرن الخامس الميلادي، من صحراء ليبيا إلى التشاد، ومن الجزائر إلى مالي، ومن النيجر إلى موريتانيا، كلهم يخضعون لحكم ملكة قوية سديدة الرأي تعرف جيدًا كي تسوس أمور دولتها كما يجب أن يكون.
تحدثت الروايات عن الملكة الأمازيغية تين هينان أنها كانت متفردة، تدافع عن أرضها وشعبها ضد الغزاة من القبائل الأفريقية المحيطة بها. وقد قادت حروبا ضد عدد من القبائل الطامعة في مملكتها، كما برعت في التجارة وتبادل العلاقات مع البلاد المجاورة وهو ما عزز وجود مملكتها واستمراريتها.
تزوجت الملكة تين هينان وأنجبت بنات وأولاد أشهرهم أهقار الذي سميت باسمه سلاسل جبال الهقار جنوب الجزائر، وبكون مؤسس المملكة أنثى فقد دفع هذا المجتمع إلى أن يكون أموميا، بمعنى أن الافراد ينسبون أنفسهم للأم وليس الأب، وهي أمور أثرت على التكوين الاجتماعي للطوارق حتى اليوم.
ظلت تين هينان حبيسة الأسطورة لا ترواحها، فقد كانت في نظر كثيرين مجرد شخصية خيالية يستمد منها الطوارق نسبهم وتراثهم، لكن تغيرت هذه النظرة تماما عام ١٩٢٥، وهو العام الذي اكتشف فيه قبر الملكة تين هينان من قبل بعثة أمريكية فرنسية مشتركة.
عثر على القبر في منطقة أباليسا" بالهقار، في هيئة استثنائية غير معهودة بالنسبة للقبور في تلك الثقافة، حيث بدى في هيئة ضريح مكون من غرف متعددة تعلو إحدى التلال، مجموع في تلك الغرف أغراض الملكة وحاجياتها وأحجارها الكريمة فضلًا عن عناصر أخرى جنائزية.
عند فتح القبر وجد الهيكل العظمي الذي ثبت لاحقًا أنه لـ تين هينان مستلقيًا ومتقاطعًا يداه، ومغطى بعباءة حمراء تحولت إلى غبار بمجرد لمسها نظرًا لعوامل الزمن، فيما الهيكل مزينًا بمشغولات من الذهب والأحجار الكريمة مثل خرز الفيروز والعقيق والأمازونيت والكورنيلي.
ظهرت فرنسا وأمريكا بوجهيهما الاستعماري القبيح في تلك اللحظات فأجهزت فرنسا على الهيكل العظمي مرسلة به إلى باريس، أما أمريكا فقد استولت على المجوهرات وقامت بعرضها في إحدى متاحف كاليفورنيا، قبل أن يتم استعادتهما حيث يعرضان حاليا في في متحف الباردو بالجزائر العاصمة.
تركت تين هينان أثرًا عميقا في التكوين الاجتماعي للطوارق،ولا تزال تلك القبائل تفخر بأنها أمهم الروحية، وقد أكد على ذلك ابن خلدون، وأشار إلى الطوارق قديمًا بأنهم أبناء تيسكي أي المرأة العرجاء،وهذا ما تم إثباته طبيا في الرفاة المعثور عليها، ويبدو أن العرج كانت نتيجة لجرح تفاقم وضعه.

جاري تحميل الاقتراحات...