ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

18 تغريدة 845 قراءة Oct 24, 2020
يمكن لدولة ما أن ترفع رايات العدالة والتنمية وتتوشح بوشاح الدين، وفي نفس الوقت تجافي كل ما سبق، تقتل وتدمر وتتآمر وتبيد التاريخ بدعوى التنمية، إنها تركيا التي تقترب من تحويل العراق من بلاد الرافدين إلى صحراء جرداء دون أنهار تمامًا،
كيف ذلك وما الأمر ؟!
حياكم تحت
على ضفافهما استل التاريخ فأسه وتوقف وراح ينبض بالحياة، فشُيِدت أولى مراكز الحضارة في العالم قبل ثمانية آلاف عام من الآن، حيث حضارة سومر التي أهدت للبشرية أولى حروفها المرقومة على ألواح من طين، ثم استطرد الزمان في جريانه وبجواره دجلة والفرات يجريان دون انتهاء.
على نفس الثرى وبين النهرين دبت حضارة أخرى جديدة بداية من القرن 18 ق م، هي حضارة بابل التي ملأت الدنيا وكتب التاريخ بعجائبها، حيث برج بابل الأسطوري فضلًا عن حدائقها المعلقة فائقة الإبهار المتراتبة في درجات علوية غير معهودة، بينما الفرات يستمر في إمداد كل هذه المظاهر بالماء والحياة
جاءت الأديان السماوية لتؤكد على قيمة هذين النهرين مضفية عليهما نوعًا من القداسة، فها هو سفر التكوين التوراتي يشير إلى الفرات كأحد الأنهر التي ترفد من جنة عدن، بينما الإسلام ينظر إلى الفرات نفس النظرة لما روي عن النبي من قوله "سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة"(مسلم).
من جبال طوروس في تركيا ينبع هذا النهر العظيم، حيث يتكون من اتحاد نهرين آخرين هما "مراد صو" و"قره صو" اللذان ينبعان من شمال شرق الأناضول، ينطلق الفرات صوب الجنوب لمسافة 2800 كم، مارًا بكل من سورية والعراق بعد تركيا محيلًا كل مكان يمر فيه إلى جنان وارفة.
يشترك دجلة مع الفرات في نفس المنبع وكذا المصب، حيث جبال طوروس التركية، وفي اتجاه جريانه جهة الجنوب لمسافة تبلغ 1784 كم، يغذي النهر على طول مساره عدد كبير من الروافد الصغيرة المنتشرة في تركيا وإيران والعراق مثل الخابور والزاب الكبير والزاب الصغير.
منذ العام 1970 حاولت تركيا تقويض قوى جارتها العراق واستغلت انهماك الأخيرة في شؤونها الداخلية وصراعاتها الخارجية، وشرعت فعليا في صياغة أفكار وتصاميم لسدود على نهري دجلة والفرات، الهدف منها إفقار وإضعاف العراق والقضاء على مقوماته الحياتية والتاريخية.
بعد ثلاثة عشر عامًا من ذلك السعي شرعت تركيا فعليًا في خطتها الخبيثة حيث بدأت في بناء سد جديد على نهر الفرات وأسمته سد أتاتورك، وانتهت من إنشائه عام 1990، صاحب البناء اعتراضا شديد من دول المصب سورية والعراق، لكن المشروع مضى إلى نهايته دون اكتراث لأي شيء.
في منتصف يناير من نفس العام وفي سابقة لأول مرة من نوعها أوقفت تركيا جريان نهر الفرات شهرا كاملا من أجل ملء خزان السد، وهو ما ترتب عليه توترات شديدة بين تركيا من جهة وسورية والعراق من جهة أخرى، وبعد ملء الخزان وتشغيل السد فقد الفرات نحو الثلث من كمية المياه المتدفقة فيه.
استمرت تركيا في تنفيذ خططها ليس فقط لأسباب تنموية واقتصادية كما هو معلن، وإنما في الأصل لأسباب جيوستراتيجية تتعلق باستخدام المياه كسلاح تحاصر به جارتيها العراق وسورية وتستخدمه ضدهم متى شاءت واقتضت الحاجة، سواء بالمنع أو الغمر والإغراق.
سد أتاتورك لم يكن إلا بداية لمشروع أكبر يعرف بجنوب شرق الأناضول أو GPA يستهدف بناء 22 سدًا بينها 14 سدا على الفرات وثمانية على دجلة، والهدف الأساس من كل هذه السدود هو الاستحواذ التام على النهرين وحرمان العراق من حقه التاريخي فيهما والإضرار عمدا بملايين البشر وتعريضهم للعطش.
في ظل ضعف العراق وانهيار سوريا استمرت تركيا بتنفيذ مخططها الخبيث وقامت ببناء سد أليسو على نهر دجلة والذي من شأنه القضاء مبدئيا على دجلة العراق، ومن ورائه طمس إرث تاريخي طويل متجذر لبلاد الرافدين ، تاريخ كانت فيه العراق وستظل مهدا للحضارات، رغم ما تعانيه حاليًا من مؤامرات واختطاف.
بعد بناء سد أليسو ودخوله حيز العمل منتصف 2018 انخفض منسوب المياه بشدة في نهر دجلة بمقدار 60%، حيث قل إجمالي حصة العراق من مياه دجلة من 21 مليار متر مكعب إلى 9.7 مليار متر مكعب، وأصبحت المشاهد المصورة للنهر محزنة وغير متصورة.
لقد تعمدت تركيا ولا تزال حرمان جارتيها العراق وسوريا من حقوقهم التاريخية والقانونية في المياه، حيث يكفل القانون الدولي توزيع حصص الأنهار الدولية بالتساوي بين دول المنبع والمصب، بينما يكفل تاريخ بلاد الرافدين وإرثها الحضاري الغني عدم المساس بحقها في هذين النهرين العظيمين مطلقًا.
تأثرت بلاد الرافدين بشدة من هذا المنع المتعمد والممنهج للماء من قبل تركيا، وحصدت الأراضي العراقية على مدى العقود الماضية جفافًا وتصحرًا وبورًا، وتوقفت زراعة كثير من المحاصيل الزراعية مثل الأرز والقطن وتقلصت نسبة الأراضي الصالحة للزراعة بمقدار النصف.
مع هذا الوضع المأساوي الذي تغتال به تركيا العراق حاضرًا وماضيًا يومًا بعد الآخر، يتوقع "مؤشر الإجهاد المائي" أن العراق ستكون أرضا بلا أنهار بحلول عام 2040، حيث للأسف لن يستطيع معدل تدفق نهري دجلة والفرات حينها أن يصل بالماء إلى مصبه النهائي في الخليج العربي.
بوادر الجفاف الحاد في العراق ستظهر بدءًا من 2025، حيث ستغزو الصحراء كامل التراب العراقي، وسيضحو الاخضرار والماء والحضارات والتاريخ جزءًا من ماضٍ لا أثر له، تسببت تركيا في محوه تماما، حيث جفاف شبه كلي لنهر الفرات باتجاه الجنوب، وتحول دجلة إلى مجرى مائي محدود الموارد.
ختاما
لمصلحة من ما تفعله تركيا؟ هل العائد الاقتصادي والسياسي يستحق تغير وجه التضاريس والإضرار بالبيئة وبالإرث الحضاري وإفقار الناس ونشر المعاناة بينهم لأجيال وأجيال؟

جاري تحميل الاقتراحات...