ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

24 تغريدة 86 قراءة Oct 23, 2020
برج حديدي مؤقت شاهق الارتفاع، استقر عند لقب الأطول في العالم لأكثر من 40 عامًا، وصِم بالمقزز والوحشي ونال من الانتقادات الكثير، كان على وشك التفكيك خلال عمره أكثر من مرة إلا أن توافقات الأحداث أبقت عليه، ليصير الآن ما هو عليه من شهرة وتأنق
برج إيفل القصة كاملة ..
حياكم تحت🌹
الاستعدادات على أشدها للمعرض العالمي في باريس الذي سيقام في مايو من العام 1889، احتفال استثنائي خصوصًا أنه سيتوافق تاريخه مع مرور مائة عام على الثورة الفرنسية التي غيرت وجه فرنسا والعالم، ورسخت لعصر جديد من التقدم والازدهار الصناعي والعلمي.
حدث ضخم يراد له أن يكون معبرًا عما تعنيه الثورة الصناعية من قدرات، وليس أفضل من "بوابة المعرض" كي تحوي هذا التعبير وتختصره، لذلك تم الإعلان في الجريدة الرسمية عام 1886م عن مسابقة لبناء برج مؤقت بارتفاع 300 متر تصلح قاعدته أن تكون بوابة للمعرض العالمي المنتظر.
أوقد المعماريون أنوار إبداعهم، وراحوا يسهبون في تصور البرج الذي سيكون الأطول في العالم، قدمت مئات الاقتراحات والتصاميم إلى اللجنة المنظمة، لم يقنع أي منها لجنة التحكيم، ولم يرق لهم إلا تصور واحد من تصميم كلا من المهندسين موريس كويشلين و اميل نوغير التابعين لشركة غوستاف إيفل.
بداية لم يكن إيفل الذي انتهى لتوه من تصميم وتنفيذ قاعدة تمثال الحرية، متحمسًا كثيرًا للشكل الأولي الذي أنتجه كويشلين ونوغير، لذلك استعان المهندسان بمهندس ثالث هو ستيفن ساوفيست والذي أعاد رسم التصميم بشكل كامل مضيفًا زخرفات وبعض الطوابق المفتوحة للعامة فضلًا عن قبة مميزة في الأعلى
رصدت الحكومة نحو 1.5 مليون فرنك لبنائه. مثّل هذا الرقم المالي أقل من ربع إجمالي المبلغ المتوقع للبناء على أن يشارك إيفل ببقية المبلغ، وذلك في مقابل إعطائه حق الانتفاع التجاري بالبرج مدة 20 عامًا، ومن ثم يتم تفكيكه بعد ذلك، وإعادة وضع المنطقة كما كانت عليه من قبله.
"دميم ووحشي وغير مجدٍ، بإسم الذوق الفرنسي الراقي نحتج بكل قوتنا، بكل سخطنا ضد إقامة هذا البرج" كان هذا جزءًا من احتجاج رسمي تم توقيعه وقتها من قبل 300 من فناني ومهندسي فرنسا، لم يتعلق الأمر بالجمال فحسب بل شككوا كذلك في القدرة على بناء برج بهذا الارتفاع الذي لم يعرف له مثيل.
"لماذا يكون شيئًا كأهرامات الجيزة بارتفاعها الشاهق مثيرًا للإعجاب في مصر، بشعًا مثيرًا للسخرية في باريس" كان هذا جزء من رد إيفل على الاحتجاج الرسمي ضد مشروعه، وبالتوازي مع هذا اللغط المجتمعي بدأت أولى مراحل التشييد بإنشاء الأساسات في 28 يناير 1887، واستغرقت وحدها خمسة أشهر.
شارك في بناء هذا البرج على مدى عامين وشهرين وخمسة أيام، أكثر من 150 عاملًا، معظمهم من الإيطاليين، ورغم ضعف الإمكانيات -مقارنة باليوم- فضلًا عن الارتفاع الشاهق للبرج، لم يشهد البناء أية حوادث مأساوية سوى حادثة سقوط واحدة، راح ضحيتها أحد العمال.
تغريدة ناطقة بالصور نرى فيها مراحل بناء البرج والوصول به مكتملًا في هيئته الأخيرة يوم 31 مارس 1889، وهو نفس اليوم الذي اصطحب فيه إيفل جمعًا من المسؤولين والصحفيين إلى قمة البرج في رحلة استغرقت بهم نحو ساعة كاملة صعودًا على الأقدام، حيث المصاعد لم تكن بعد جاهزة للعمل.
هيكل حديدي مؤلف من 18 ألف قطعة، ومليوني وخمسمائة ألف مسمار، مع ارتفاع فعلي وصل إلى 314 متر، بالإضافة إلى وزن إجمالي وصل مداه لنحو 7300 طن، مع الفخر حينها ولمدة 41 عامًا لاحقه بكونه الأطول في العالم، قبل أن تحرمه أمريكا من هذا اللقب بمبنى كرايسلر الذي تجاوزه بفرق بسيط.
في 15 مايو 1889 أطل برج إيفل على العالم والعامة من خلال الافتتاح الكبير للمعرض العالمي، في الأسبوع الأول وقبل وضع مصاعد البرج في الخدمة، تهافت الناس على زيارة البرج وقام بالصعود إلى قمته خلال هذا الأسبوع أكثر من 30 ألف شخص سيرًا على الأقدام، حيث تعين عليهم صعود 1170 درجة.
لم يكن اللغط والنقاش المجتمعي النخبوي الذي دار حول البرج قبل وأثناء البناء إلا عاملًا إيجابياً في التسويق له، فقد تسابق الجميع على معاينة ورؤية هذا المعلم المثير للتأمل، حيث كانت المفاجأة قوية حين أتم عدد زوار بلغ مليوني شخص خلال مدة بقاء المعرض الذي استمر 173 يومًا.
كانت البداية رائعة، لكن نهاية ذلك القرن شهدت انخفاضًا تدريجيا في عدد زوار البرج، لقد اعتاد الناس عليه، ولم يعد مثيرًا للاهتمام بالنسبة إليهم، لذلك قدم كثير من المهندسين مخططات وتصاميم جديدة الغرض منها إعادة ضبطه في أشكال أخرى، استعدادًا لمعرض عام 1900.
عارض إيفل تغيير شكل البرج، و توافد الناس على المعرض بأعداد كبيرة لكن أيًا منهم لم يبد اهتمامًا بالبرج، وهكذا بانصراف الناس عنه واجه البرج شبح تفكيكه والتخلص منه عام 1909 وفقًا لوثيقة إنشائه بين إيفل والحكومة.
(بالفيديو لاحظ الازياء وضعف الكاميرا التي لم تستطع بلوغ قمة البرج)
حاول إيفل أن يذهب ببرجه إلى بعد آخر من الترويج، فقام باستضافة تجارب علمية تتطلب ارتفاعًا شاهقًا، فشهد ميلاد المظلة وغيرها ( بعضها فشل وتوفي صاحبها كما بالفيديو المرفق)، إلا أن الإنقاذ الحقيقي للبرج حدث حينما استضافت قمته هوائيات إرسال لاسلكي ساعدت وبشدة في المراسلات العسكرية.
تخطى برج إيفل حاجز العشرين عامًا، ومددت الحكومة مدة بقائه، حيث ساعد وبشدة الجيش الفرنسي وحلفائه في عملياتهم العسكرية خلال الحرب العالمية الأولى، وتم استغلاله عام 1922 لأول مرة في البث الإذاعي، كما تم استغلاله لاحقًا في البث التلفزيوني.
في نهاية سبعينات القرن الماضي أصبح البرج قديمًا جدًا ومهملًا ويتآكله الصدأ من كل اتجاه، وهي أمور دفعت كثير من النخب السياسية والمجتمعية بالدعوة إلى تفكيكه والتخلص منه، لكن هذه الحملة قوبلت برفض آخر له اعتباره من المجتمع والحكومة التي فكرت مليًا وأخضعته لعميلة تجميل وتطوير.
بعد هذا العمر الطويل لم يكن البرج مستعدًا لتحمل مزيد من ضغوط الوزن عليه، لذلك كان القرار جريئًا بخصم ما يقرب من 1200 طن من وزنه، وذلك حينما قررت إدارته تفكيك السلم الحديدي الخاص به مكتفية بالمصاعد، عرضت أجزاء من السلم في مزاد وحققت نحو مليون و800 ألف فرانك.
بعد بيع السلم أدرك الجميع قيمة برج إيفل ومدى سطوته على قلوب الناس، ترافق ذلك مع ظهوره في كثير من أغلفة الأفلام وقصصها، بالإضافة إلى تواجده الملهم في كثير من الأعمال الأدبية، وبروزه كرمز قومي لفرنسا في عدد من الأعمال الشعرية.
عرف البرج الإضاءة منذ العام الأول لإنشائه، حيث تم تركيب أول نظام إضاءة بمناسبة المعرض الدولي في عام 1899م، ثم تنوعت تشكيلات الإضاءة فيه على اختلاف أنواعها وصولًا لعام 2000 والذي ركب في نظام إضاءة متكامل، يحوي أكثر من 20 ألف لمبة.
قبل افتتاحه توقع غوستاف إيفل أن يزور البرج سنويًا 500 ألف شخص، لكن توقعه هذا ثبت خطأه من الشهور الأولى حين زار البرج أكثر من 2 مليون في مدة إقامة المعرض العالمي فقط، أما الآن فمتوسط الزيارات السنوية للبرج يبلغ 7 مليون شخص.
في عام 1992 تم إدراج برج إيفل ضمن قائمة التراث العالمي من قبل منظمة اليونسكو، لتطوي بذلك ورسميًا صفحة التهديد بالتفكيك التي كانت مسلطة دومًا على عنق البرج، حيث أصبح بعد أقل من 132 عامًا رمزًا عالميًا له شهرته ووقعه الطاغي في نفوس كل من يراه، بل أنه اصبح الرمز الأشهر لفرنسا
ختاما ..
كيف كان وقوفكم الأول أمام هذا البرج ؟
هل أعجبك على الطبيعة ؟

جاري تحميل الاقتراحات...