محمود
محمود

@_mah_moud

18 تغريدة 19 قراءة Oct 21, 2020
ديكتاتورية جديدة؟
تخيلْ فيسبوك مثل كاهن في كشك الاعتراف، يستمع إلى اعترافات ملياري شخص، يراقب كل ما تنقر عليه، كل ما لديك من محادثات. تخيلْ أن نموذج عمله بالكامل هو للبيع حتى يتمكن شخص آخر من التلاعب بك، هذه هي الطريقة الوحيدة لهذا الكاهن لكسب المال؛ لا يكسب المال بأي طريقة أخرى!
يُعد كاسباروف من عباقرة العالم ومن أعظم لاعبي الشطرنج عبر التاريخ، يستطيع رؤية الكثير من التحركات في المستقبل على رقعة الشطرنج، لكنه لا يستطيع أن يرى ما وراء نقطة معينة. عندما يخسر كاسباروف أمام كمبيوتر IBM Deep Blue فإن هذا كش ملك ضد الإنسانية في كل الأوقات.
ربما تعود الديكتاتوريات مرة أخرى، ولكنها ستعود في ثوب جديد مرتبط أكثر بتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين. في العصور القديمة، كانت الأرض هي أهم شيء في العالم. وكانت السياسة هي الصراع للسيطرة على الأرض. والديكتاتورية هي ملكية كل الأرض لفرد أو أقلية.
في العصر الحديث صارت الماكينات أهم من الأرض. فأصبحت السياسة هي الصراع للسيطرة على الماكينات. وأصبحت الديكتاتورية تعني أن يتركز عدد كبير من الماكينات بأيدي فرد أو قلة من الناس.
الآن تستبدل البيانات كلًا من الأرض والآلات كأهم شيء. أصبحت السياسة هي الصراع للتحكم في تدفق البيانات. والديكتاتورية الآن تعني أن تتركز الكثير من البيانات بأيدي حكومة أو بأيدي قلة من الصفوة.
مع تقدم الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة، قد يصبح من الممكن معالجة كميات هائلة من المعلومات بكفاءة عالية واتخاذ جميع القرارات في مكان واحد، ومع دمج تكنولوجيا المعلومات بالتكنولوجيا الحيوية قد تنشأ خوارزميات تعرفني أكثر مما أعرف نفسي.
إذا كانت هناك شركة تتحكم في بياناتنا فهي حكومتنا الحقيقية. إذا كانت هناك شركة تعرفك أكثر مما تعرف نفسك -بما يكفي للتحكم بمشاعرك ورغباتك العميقة دون أن تشعر- فستظن أن هذه نفسك حقًا. نعم يمكنك نظريًا الانتفاض ضد شركة، كما يمكنك نظريًا الانتفاض ضد ديكتاتور، ولكن التطبيق صعب للغاية.
ربما ستواجه الديموقراطية صعوبة للنجاة من هذا؛ لأنها لا تستند إلى العقلانية بل تستند إلى المشاعر؛ فخلال الانتخابات لا نُسأل عما نعتقده، ولكننا في الواقع نُسأل عما نشعر به. وإذا تمكن شخص ما من التلاعب بعواطفنا بشكل فعال ستصبح الديموقراطية عرض عرائس عاطفي.
التأثير على الانتخابات الأمريكية دقّ جرس الإنذار، كان ذلك يعتمد على ما إذا كنتُ أعرف سماتك الشخصية الخمس الكبرى، هذا يعطيني شخصيتك، وبناءً عليه يمكنني ضبط رسالة سياسية لتكون مثالية لك. كانت الفضيحة كلها هناك، عند فيسبوك، حيث تم التحقيق في سرقة بيانات ملايين الأشخاص وبيعها.
جلوريا مارك من جامعة كاليفورنيا أجرت بحثًا يظهر أنه يمكنك في الواقع الحصول على السمات الشخصية الخمس الكبرى للأشخاص فقط من خلال أنماط النقر الخاصة بهم بدقة ٨٠٪، إنها نهاية وجه البوكر، نهاية الأجزاء المخفية من شخصيتك.
إذا كان بإمكاني قراءة ما وراء وجهك أثناء لعبة البوكر ولا يمكنك ذلك، فهذه ميزة هائلة بالنسبة لي. هذا ليس العالم الذي تريد العيش فيه، إنه نوع من الواقع المرير.
لقد بدأ كل هذا في (سيليكون ڤالي) كطريقة لبيع الإعلانات، ولكنها الآن تستخدم لبيع الآراء السياسية والأيديولوجيات. العديد من الأشخاص الذين صمموا كل هذه الخوارزميات لديهم خلفية في علم النفس وعلم الدماغ، لأن هذا هو ما تحاول اختراقه.
هل وصلنا إلى نقطة اللاعودة إذن؟ ماذا يمكن أن نفعل لمنع ظهور ديكتاتوريات جديدة؟ كيف نمنع التلاعب بنا واختراق مشاعرنا - وليس بريدنا الإلكتروني أو حساباتنا البنكية؟
سيكون من الحماقة التخلي عن الإيجابيات الهائلة للتكنولوجيا الحيوية بسبب السيناريوهات السلبية؛ هل تخلينا عن الراديو مثلًا بسبب (إذاعة ألمانيا النازية) التي كانت أداة الدعاية الرئيسية لهتلر وجوبلز وغيرهم لغسل أدمغة ملايين الألمان؟
هل كان يجب علينا تدمير كل أجهزة الراديو؟ بالطبع لا، لا يجب أن يخاف الناس من التكنولوجيا أو أن يعتقدوا بأنهم يستطيعون إلغائها، لن يحدث ذلك. المفتاح هو أن نفهم أن لدينا خيارات لكل تقنية ويجب أن نكون على دراية بكل الاحتمالات، ونأمل أن نتخذ القرار الصحيح.
يمكننا استخدام التكنولوجيا بطرق مختلفة، يمكننا تصميم نظام مختلف يمنع تركيز البيانات الهائلة في أيدي حكومة أو شركة تستخدمها دون أن تخضع للمساءلة، وبدون الشفافية بشأن ما يفعلونه.
الخبر السار هو أن لا أحد يريد نقطة النهاية البائسة، بدأ الناس في عالم التكنولوجيا يدركون ما يحدث ويتحملون بعض المسؤولية: "نعم، لدينا هذا التأثير الهائل على العالم. ربما لم نخطط لذلك، لكن هذا ما يحدث." ما زالوا لا يعرفون ماذا يفعلون، لا أحد يعرف حقًا.
الرسالة ليست "حسنًا، انتهى أمر الجنس البشري". لقد تجاوزنا -نحن البشر- جميع الأزمات السابقة، ويمكننا تجاوز هذه الأزمة، ولكن لا يمكنك أن تكون واثقًا تمامًا؛ فلا ينبغي التقليل أبدًا من شأن الغباء البشري؛ فهو أحد أعظم القوى التي شكلت التاريخ.

جاري تحميل الاقتراحات...