عمَّار بن ناصر
عمَّار بن ناصر

@ammar_011

28 تغريدة 13 قراءة Oct 19, 2020
"لو كنتَ وقتًا في اليوم ماذا ستختار؟"
من الواضح أن هذا السؤال مسبوقٌ بمأزق صمت، هذا النوع من الأسئلة معروفٌ متى يحضر، دائمًا ما يطرحه أحدهم كإسهام فاشل في تحريك الجوّ وإدارة الحديث.
والسؤال فيه من العوار ما لا يقادر قدره، هو في الحقيقة مدعاة للضحك عليه والسخرية منه أكثر من احترامه والإجابة عليه.
لو كنتَ وقتًا! هذا الذي استطعت أن تفعله؟ هذا السؤال الذي أنتجه عقلك الكبير؟. تلك مشاعر السامعين، ولولا ما أبقاه الله في نفوس الناس من الحياء والكرم لكان شيئًا آخر.
ثم إن الرفاق لم يكن لديهم ما يقولونه، وإن كان هذا الجهد ضعيفًا فلقد قام بشيء، على خلاف شفاههم المطبقة، لذا يحمدون له ذلك، ثم ينساقون معه،
وينطوي انسياقهم على قدر كبير من الخلق، يبتغون الأجر وإيناس رفيقهم وحسن معاشرته، تلوح بين عيونهم أحاديث الخلق الحسن وثوابها الجزيل.
"يعني إيش قصدك؟ الوقت اللي أحبه وإلا اللي يعتبر ثمين بالنسبة لي يعني ما ودّي أحد ياخذه منّي؟ .. أو قصدك يعني ، يعني كيف لو كنت وقتًا يعني قصدك انه…"
"لأ لحظة، هذي الأسئلة لا تُعقلن أو تحلّل، طريقتها أنك تجيب بما يقدحه السؤال في نفسك أول مرة"
يتّسم صاحب السؤال بكثافة طبع وثقة عالية أيضًا، هذا يزيد في البلاء والرفعة والثواب، قلوب الرفاق الآن ترفّ وتندى من خُلوصها للخير وطمعها فيه، لا ينسى الله لهم هذه الساعة إن عبروها بسلام.
"أنا سأختار السّحَر" أجاب حسن.
"جميل !" فرغتْ طاقة تمثيله سريعًا: "ليه؟"
المسألة تتعقّد أكثر والثواب عند الله يتضاعف.
الرجل رفض أن نُعقلن السؤال، وهو الآن يبحث تفاصيل الإجابة، لا يعقلنها وحسب بل يسأل عنها بصوتٍ نشيط ينمّ عن نيّته في إدارة حوار طويل. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
"لأنه وقت هادئ، صافٍ للغاية، لم أدخل معمعة الناس وحوارات الحياة وأحداثها. نفسي هادئة وأنفاسي مطمئنة."
"الله ! يا سلام".
الرجل لديه ذائقة جيّدة. أوهووه يبدو أننا لم ننتهِ، إنه يُميل رأسه وينظر للطريق، مبتسمًا، هذه أحوال روحٍ تتجلّى. أجل، ها هو يأخذ نَفسًا:
"يعني لا تزال مرآتك مصقولة، نقيّة لا تعلوها بصمات أصابع وأوساخ أو غير ذلك"
أراد حسن أن يقول شيئا لكن الرجل استمر:
"الله، كلام جميل والله".
أصرّ حسن أن يوقف هذه المهزلة:
"مب مرآة، إنما زجاجتي مصقولة، أرى ما وراءها بوضوح، صورة صافية لا يعكرها شيء"
"ياسلام ياسلام" يتظاهر بحسن الخلق.
"وأنت عزّام؟"
لم يكن يُعوز عزّام أن يكذب، أعرفه، يفتح كيسه ويلعب بلسانه حتى يُريك أن الشمس هذه منطفئة. آتاه الله من أسباب الغواية والتزييف ما عزّ على إبليس وجنده، هو في كيسه ولسانه مدّرعٌ موفور الجانب، جيشان يغزو بهما ما شاء، لكنّه هذه المرة ارعوى، والله أعلمُ لمَ.
"الصراحة إني ما أقدر أنزل إلى هذا العمق يا رفاق"
"وراه؟" قالها الرجل مادًّا صوته، ظانًّا أنه بهذا السؤال الحاني يُدير حوارًا ناجحًا، يؤمّن الخائف ويأخذ بيده ليقول ما يخالج صدره غير متعتع.
"ياخي .. مدري، بس أحس اني على سطح الأشياء"
انفجر المجلس الحواري بالضحك، تعبيرٌ بديع!
ولا يمكن أن يفوت الرجل هذا التعبير:
"تصدّق، جميل والله التعبير" بعد سكتة قصيرة: "الله، لا والله جميل".
بدأ يشعر حسن بالقلق، الرجل يتجلى مجدّدًا:
"يعني أنت الآن في وضع الكُرة؟"
الرجل الآن -إن كنتَ لا تعلم- فرح جدًّا بهذه الرمزيّة، رمزيّة الكرة التي لا يمكن أن تغور،
تصطدم بالجدار وتعود، تخرج من عمق المسبح إلى السطح بسرعة، لا يمكن أن تختبئ الكرة، هي تعيش على فكرة أنها لا تغور، أن تبقى في السطح دائمًا، على سطح الأشياء كما قال عزّام.
"لأ، مب كرة، إنما سطح"
هنا حتى حسن تفاجأ ! يبدو أن عزام يعاني من مشكلة، أنه على السطح فعلا. أكمل عزّام:
"يعني سطح على.." ثم سكت قليلا شاعرًا بالمأزق، لكنه تجاسر وضرب كفه اليمنى فوق اليسرى:"سطح".
وهو يفترض الآن أنه قدّم لك -بالدليل التجريبي- كيف للسطح أن يصطدم بالسطح ولايدخل فيه!
"لأ خلّنا على الكرة" قال الرجل طارحًا أخلاق المحاوِرين. ثم بابتسامة عريضة:"يحتاج تصير مسمار، تتمَسْمَر" والابتسامة العريضة لأنه أتى برمزيّة أخرى، المسمار ودلالاته. مُدهش، هذا المُحاور مُدهش.
تدخّل حسن -الذي كاد يقيء في الخلف-:
"أتوقع عزّام سيختار الشروق، يعني كذا بداية اليوم، وإشراق الشمس، والإقبال على الحياة. كذلك معنى الإشراق وما يتركه في النفس من سرور وبِشر. ورمزيّة البدايات الجميلة، والاستمرار والمحاولة، وعدم الملل مع كل شمس لا تملّ من الطلوع…"
عزّام ينظر في حسن، ثم ينظر في الرجل، كاد مرارًا يُقاطع حسن، لا لشيء غير أنه لا يدري ما يقول حسن، إذن لا يعرف متى ينتهي، فكلما سكت حسن -لابتكار صورة واكتشاف معنى في الشروق- وهمّ عزّام بالحديث اخترق عزمَه صوت حسن.
وممّا يجب أن تعرفه أن حسن ممّن يُتعامل معه بـ"التحقق عبر خطوتين"، تناديه مرّتين ليتوقّف، وتسأله مرتين ليجيب، وتنكّت مرتين ليضحك، وهكذا تُشرك في كل أفعالك لكي ينتبه لك. يكره التوحيد.
استمرّ عزّام في تقليب النظر بين حسن والرجل، ينتظر حسن يفرغ، والرجل يصوّب نظره تجاه عزّام ليتحقق من تأييده لحسن، وأن كل هذا الدعم كافٍ لكي تكمل يا عزّام. انتهت الأزمة بصوت حسن:
"صح علي؟" طبعًا صح.
عقل عزام يخبره أن أحد الرجلين انتهى، أُغلقت جبهة وبقيت أخرى، هكذا يفكّر وقتها. يلتفت نحو المُحاور ليجد عينيه تنتظران جوابًا، ليس متأكدًا من كل كلام حسن، لم يفهم بعضه، والبعض الآخر كان يفكّر أثناءه في البعض الأول.
الوقت يضيق ولا بد من جواب. حسن رجلٌ عاقل ولا شك أنه قال كلامًا جيّدًا:
"هوّا دَه" قفز عزّام إلى البحر.
"اهاا، جاميل".
شعرحسن بتحسن:
"وأنت يا عمار؟"
"والله ياخي، أنا سأختار الغروب.أنا في اعتقادي(فيه اعتقاد!)يجب على الواحد أن يحزّب الغروب، يجعل له ورد من مشاهدته، كل أسبوع أسبوعين يخرج للبر ويشاهد الغروب."سكت يتأمل:ياخي الغروب شيء عظيم، مب لازم البر، لكن تصير في مكان مفتوح، وسماء ممتدة قدر الإمكان"
"ليش اخترت الغروب؟" سأل حسن.
"أشعر أنه وقت الحقيقة، وقت يعود كل شيء فيه لوزنه الحقيقي، تتحجّم الأمور المتورّمة. وقت توديع الشمس لهذه الأرض المليئة بالضجيج والصخب، ترحل الشمس رغم كل الأحداث التي جرت يومها، تسير في سُنّتها رغم كل شيء.
هي تقول للذين ذُهلوا من مجريات يومهم:
"لم يتغيّر شيء يُذكر، حدود ما حدث لك لا يتجاوز الأمتار حولك، فها أنذا أسير سيري الذي أسيره مذ خلق ربّي الكون، لم يحدث شيء يُذكر. حسنًا أيها الناس، انتهيتم من فجائعكم؟ هيّا، اذهبوا الآن سيأتي الليل"
يُفجع الناس:
"هكذا؟ وينتهي اليوم ببساطة رغم كل ما حدث؟!"
"نعم، ليعد كلٌّ لداره" تقول الشمس في وقار.
هذا ما يقوله الغروب، النهاية، النوم، الهدوء، عجلة الزمن التي لا تحابي أحدًا، وتخبرك أنه لم يحدث شيء يستحق حتى الآن.
تطرح الشمس بوضوح سؤال النهاية، والمغيب، والرحيل، والانتقال. يخرجك الغروب من مَدارِك، ليتركك في مدارٍ أكبر. يُبعد عنك المجهر .. ويُريك المختبر."
___________________________________
عمار بن ناصر / المُحاور / الرجل
ظهيرة الثلاثاء 26 صفر 1442هـ
الساعة 12:12
مقهى هامبيلّا
الرياض

جاري تحميل الاقتراحات...