سينمـــا 🍿🎬
سينمـــا 🍿🎬

@cineoclock

28 تغريدة 24 قراءة Mar 13, 2021
Thread
Blade Runner 2049 (2017)
"فيلم عن الذكريات، عن الهوية، عن الأحلام، عن الضياع، عن العبودية والثورة!"
في عام ١٩٨٢ أخرج ريدلي سكوت "بليد رنر"، التحفة الفنية التي أحدثت نقلة نوعية في أفلام الخيال العلمي، وفي عام ٢٠١٧ أعلن المخرج الكبير دينيس فيلنوف عن إخراجه لفيلم آخر مُتمم للفيلم الأول، تترابط أحداثهما عند نقطة معينة، ولم يتصور أحد أن الجزء الثاني سيتفوق بهذا القدر على الأول!
تدور قصة الفيلم في عام ٢٠٤٩، بعد الفيلم الأول بحوالي ٣٠ عاماً، حول الرجل المُسمى بـ K أحد الأجيال الجديدة من الريبليكانت "الرجال الآليون" المصنوعين حديثاً من قبل شركة والاس التي تسيطر على صناعة النسخ المعدلة من الريبليكانت.
يعمل K كصائد للريبليكانت القديمة، وهذا الصائد يُسمى في هذا العالم بـ "بليد رنر"، وهو يصطاد الريبليكانت التي في وجهة نظر الصانعين لا تنصاع للأوامر وتنقلب عليهم بسهولة، وفي خضم معاركته مع أحد الريبليكانت السابقين تتكشف له عدة أمور، تجعله ينساق خلف أحلام وذكريات مثيرة وغير اعتيادية.
"كيه" كان دائماً يرى في نفسه شيء آخر غير ذلك، كان يشعر أنه مختلف، يشعر أكثر مما يشعر الآليون، ينتمي لروح وليس لكيان مصنوع، ينضوي تحت قائمة البشر الحقيقين وليس المصنوعين.
وهذا دفعه إلى اجتراح الطريق الصعب، والخروج عن النص المألوف ليذهب للبحث عن هويته بعد أن كانت تطارده بعض الذكريات المؤلمة التي كان يظنها مزروعة من قبل الصانعين في شركة والاس، ولكن أصبح يصدقها أكثر من أي شيء آخر.
انطلق "كيه" للبحث عن ذاته ولكنه كان يرجع خائباً فاقداً لكل أمل بسبب قلة الإشارات الإيجابية التي تومض طريقه، فقد قابلته العديد من المعضلات، وخاض العديد من المعارك، سفك الكثير من الدماء، ولكن في النهاية هل سيعرف هويته؟ وهل سيكون الموعود الذي سيرفع البلاء عن جنسه ويمهد لثورة؟
لم يعد موضوع ما بعد فناء الكوكب الأرضي موضوعاً مميزاً على صعيد سينما الخيال العلمي، ولم يعد مشوّقاً بما فيه الكفاية بسبب تمكن جمهور المشاهدين من توقّع ما هو آت من جهة، ولتكرار المعالجات السينمائية للثيمة ذاتها من جهة أخرى، ولكن هذا الفيلم يشكل استثناءً نادراً!
أولى هذه الأسباب التي تجعله استثنائياً أن مهمة "كيه" تبرز خطوطاً درامية عدة، تتسم بالغموض والارتحال عبر أزمنة وأماكن متعددة، وهنا تنبعث الأسئلة المتعلقة بالوجود الحقيقي ومقابله الافتراضي، ومنه تنطلق العديد من الرسائل الوجودية التي تتعلق بماهية الإنسان وحقيقته الروحية.
الفيلم مليء بالكائنات الحقيقية والأخرى الرقمية، ومليء بالحياة الحقيقية والأخرى الافتراضية، حتى أن البشر يعاشرون تلك الكائنات ويتزاوجون معهم بكل أريحية، ومنهم من يعيش علاقة حب تمتد إلى درجة الهوس اللاعقلاني مع نظام آلي برمجي غير ملموس!
الفيلم رغم انتسابه لفئة الخيال العلمي ولكنه يحمل العديد من الأفكار التي وربما نواجه بعضها حتى الآن، مثلاً فكرة استعباد الريبليكانت في العمل الشاق وتنفيذ المهام في العوالم الأخرى ولكنك في نفس الوقت وضعت لهم مشاعر وعاطفة تحس بالأخرين وتشعر بالبيئة المحيطة وتتفاعل معا كجزء من الكل.
والسؤال هو: لماذا تضع مشاعر في أشياء من صنع يدك، وفي آخر الأمر تستعبدها مثل كومة من الخردة بدون قلب أو مشاعر؟
وحقيقة هذا التساؤل يأتي من تنظيرنا لفكرة العبودية، فإذا نظرنا إلى الريبليكانت سنجدهم مخدوعين ومُستغلين فقط لأنهم صدقوا ذلك، صدقوا أنهم لا ينفعون إلا لهذا، لا يعرفون إلا هذا الشيء، ولا يستطيعون العيش بدون صُنّاعهم.
لاحظ أنهم استُعبدوا بفعل الفكرة، وليس بفعل السلاح او الاضطهاد!!
لدينا أيضاً فكرة الثورة، وكيف أن شيء واحد يمكن أن يغير كل شيء حولنا، فالريبليكانت ينتظرون إيجاد شيء يثبت لهم أنهم أكثر إنسانية من الإنسان ذاته، ينتظرون معجزة يمكنهم تحقيقها كل يوم إذا جربوا فقط أن يتخطوا ضعفهم وخوفهم المنسوج الذي صنعه الإنسان حتى يسيطر عليهم.
وبعيداً عن أفكار الفيلم دعونا نسأل أنفسنا سؤالاً أرى أنه الأحق في طرحه: لماذا دينيس فيلنوف هو الأنسب لإخراج هذا الفيلم؟ والواقع أن هنالك العديد من المخرجين في فئة الخيال العلمي أفضل منه.. ولكن لماذا هو تحديداً الاختيار الأصح لفيلم مثل هذا؟!
عالم فيلنوف لم يكن بسوداوية الجزء الأول، وأكثر ما يميزه الألوان التي كانت أكثر تنوعاً وزهواً حتى ولو كانت ألواناً قاسية على الأعين، فقد طغى على الفيلم اللون الأحمر والأصفر والرمادي والأزرق والأبيض، ولذلك فقد الفيلم جزءاً من سوداوية العالم الأصلي ولكنه لم يخلُ منها.
رغم طول الجزء الثاني (ثلاث ساعات إلا عشرة دقائق)، إلا أن إيقاع فيلنوف أسرع من الجزء الأول بكثير، لا سيما مع اهتمامه أكثر بالجانب الفلسفي والديستويبي للأحداث وشاعرية الحوارات، وهذا ما يجعلنا كمشاهدين نستغرب، كيف لهذا الفيلم المليء بالإيحاءات الفلسفية أن يكون بهذا الإيقاع السريع؟!
ولعل المزج بين الميثولوجيا وأصل الإنسان ومستحدثات العصر، أحداث أعطت فيلنوف وافر الحرية للغوص في المجهول والتبحر في لذة الاكتشاف، وخلال ذلك نجح بتقديم مشاهد إخراجية مذهلة، مثل استهداف المكان الذي كان فيه "كيه" وديكارد، وهي سلسلة مشاهد بارعة الإخراج شكّلت ذروة الفيلم.
كانت جميع شخصيات الجزء الثاني مميزة من حيث الكتابة والتجسيد، وساهم في تميزها براعة فيلنوف المعتادة في إخراج أفضل ما في الممثلين، وهذا يظهر بوضوح في مشهد الممثل والمصارع السابق ديفيد باتيستا والذي لا يتوقع منه هذا الأداء المميز وشديد الشاعرية، في بداية الفيلم.
وكالعادة فيلنوف لا يستطيع الانفصال عن شخصياته المعتادة، "كيه" شخصية غارقة في الشك ولا تملك من الواقع شيئاً سوى ذكرياتها المبعثرة، التي تحاول أن ترتبها بحسب ما تملكه من دلالات، وبالرغم من تكرار هذا النمط من الشخصيات إلا أنني لا أفضل أن أشاهد فيلماً لهذا المخرج بدون هكذا شخصية!
والفيلم بالرغم من أفكاره الوجودية، إلا أنه يتطرق أيضاً لفكرة اقتصادية وهي الاستغلال الرأسمالي للتقنية ومآلاتها، وكيف ستتعامل المنظومة الرأسمالية مع الآليين؟ فالفيلم بنى عالمه على أن الرأسمالية ستستغل الآليين في الأعمال المرهقة، من أجل مزيد من الراحة للبشر الأغنياء.
لا نحتاج للكثير من الكلمات لنوضح مدى جمال ودقة هذا الفيلم من الناحية البصرية، الفيلم يعتبر من أفضل الأفلام في التاريخ من ناحية المؤثرات البصرية الدقيقة والموضوعة بعناية والمرسومة بدقة احترافية.
تقنية CGI تبين الفارق الكبير والثورة الصناعية والإنتاجية التي أحدثتها في عالم السينما، التي جعلت من اللا شيء كل شيء، وأظهرت فاعليتها في فيلم مثل هذا النوع، الذي وبالرغم من أفكاره العميقة إلا أنه لم يبخل علينا بصرياً أبداً.
روجر ديكنز.. وما أدراك من هو روجر ديكنز!
التصوير السينمائي أعجوبة من العجائب التي لن تتكرر حتى لو وصلت مدارس التصوير إلى آفاق جديدة، لأن السر كله في كيفية التماشي مع أفكار الفيلم وإبراز كل ذلك عبر عدسات الكاميرا، ديكنز كان حريصاً على مكافأة أفكار فيلنوف بصرياً، وقد نجح!
الشيء الآخر الرائع في هذا الفيلم هو الإضاءة والتي تعتبر النصف الآخر المُتمم للتصوير، ورغم صعوبة اختيار النسق المناسب لبعض المشاهد القاتمة ولكن غلب اللون البرتقالي المائل للسواد وهو لون شامل لكل المشاهد تقريباً كلون مثير للغموض والبؤس في آن واحد.
هل هو أفضل فيلم "تتمة" لفيلم سابق؟ نعم، وهل هو أفضل فيلم خيال علمي؟ نعم.. على الأقل بوجهة نظري، فلم أرَ مثل هذه الأفكار ومثل هذا الإخراج ومثل هذا التصوير كله في فيلم واحد يُصنّف على أنه خيال علمي.. لذلك أراه يعتلي عرش هذه الفئة حتى إشعار آخر، ولا أظنه سيأتي إلا عبر فيلنوف نفسه!
عندما سُئل فيلنوف عن تفاصيل فيلمه، حاول أن يختصر كل تلك الأفكار، قائلاً: "إنها قصة وجودية، تقول الكثير عن الحقيقة، وتقول الكثير عن علاقتنا بالأحلام الضائعة، وتقول أشياء عن أننا كبشر تتحكم فينا خلفيتنا الجينية ومن الصعب جداً أن نتخلص منها".
ونلتقيكم في Thread قادم بإذن الله.. سلام.

جاري تحميل الاقتراحات...