لفت انتباهي رجلٌ كبير في السن، دخل إلى المقهى الذي كان وجوده فيه غريباً بحدِّ ذاته، فلقد كان في وسط المدينة، وقد أُفتتح منذ مدّة قصيرة فقط، ولا يقدّم إلّا القهوة المختصّة والأطعمة الغريبة التي دون شك، لن يفضّلها شخص في مثل سنّه.
طلب قهوة سوداء بجانبها بعضاً من الحليب، وفور وصولها غطّى الكوب بالصحن الذي يُصاحبه، وشرع يقرأ الصحيفة الأولى. في ذلك الحين، أنهيتُ قهوتي، دفعت الحساب وغادرت المقهى.
أمضيت ذلك اليوم في القراءة وشرب القهوة دون أن ألقي بالاً للأشياء من حولي، حتى اخترق صوته انغماسي فيما بين يدي وقال "لقد أثار اهتمامي أنّكِ الوحيدة التي ليست مشغولة بهاتفها في هذه اللحظة." وأغلقتُ الكتاب إشارة عن رغبتي في خوض حديث.
أخبرته بأني رأيته في المرّة السابقة وقد فكرّت في الشيء ذاته، ووجد ذلك طريفاً إلى حدٍ ما. أندرو، من بلدةٍ قريبة، قضى حياته في السفر لأسبابٍ عدة، أولها رغبته في العمل في المسرح. "لقد أحببت امرأةً تغنّي وكلّما ذهبنا لتجارب الغناء كنت أطلب وظيفة من صاحب المكان، حتى حصلت على واحدة."
"أتذكر اليوم الذي وصلت فيه إلى لندن، تلك المدينة الضخمة، جلستُ على سكة القطار أراقب الأشياء، متأكداً من أنني لن أستطيع استيعاب كل شيء دفعة واحدة. نحن نستطيع مراقبة الأشياء لكننا لا نستطيع تخزينها في دواخلنا مهما حاولنا."
يقول أنه فقد الكثير من وزنه مع تقدّمه في العمر ولكن أصدقاءه يقولون بأن روحه مازالت صغيرة "سأخبركِ بشيء، أظن بأن روحي صغيرة لأنني عملتُ في المسرح، المسرح عالم خياليّ، حين تتحدّث عنه فإنك لا إرادياً تُشعل سيجارة وتنظر إلى السماء، وفي ذلك العالم أنت لا تكبر لهذا أنا صغير حتى اليوم."
تشاركنا آراءنا عن المناطق التي زُرناها، وعن مشاعرنا فيها، كنا كشخصين عاشا حياتين متشابهتين بطريقة ما، في عصرين مُختلفين من الزمن. فرق العمر بيننا يزيد على ٤٠ عاماً، مما يغيّر الأماكن التي رأيناها حتى.
في يومٍ ما أراد أندرو تعلّم الفرنسية، فسافر إلى فرنسا لعدة أعوام، أحد أسباب رغبته في تعلّم اللغة هو اهتمامه بالنساء الفرنسيات، يقول بأنه لا يعرفُ رقيّاً كرقيّهم وذكاءً كذكائهم. لا يزال يتذكّر شيئاً من الكلمات التي تعلمها في ذلك الوقت، أخذ يتمم بعضها.
في فترة أخرى من حياته سافر إلى نيويورك حيثُ أصبح مشرّداً لمدّة ويقول أنه بذلك تعلّم حياة الشارع التي أبقتهُ حياً إلى اليوم والتي لم يكُن سيتعلّمها لو أنه كان لديه المال في ذلك الوقت. "أعرف التحدّث مع الأشخاص الذين لا يملكون شيئاً لخسارته، واستطيع النجاة مهما كان الوضع."
انتهى لقاؤنا الثاني بسرعة، وقد قادنا إلى الرغبة في لقاءٍ ثالث مخطّطٍ له. اتفقنا على التواجد في المكان ذاته في الأسبوع التالي، لقد دوّن ذلك في مفكّرته وأعطاني القلم لأكتب اسمي وحمل كيسيه وفرَّ مسرعاً.
"في فترات حياتي، أردت دائماً أشياء مختلفة من الحب ، مثلاً في العشرين أردت جسداً كلوحة، في الثلاثين أردت امرأة ثريّة، في الأربعين أردت تلك التي تفهمني وإلى آخره. لكن اليوم، لا أدري إن كنت أحب المرأة التي أعيشُ معها لكني أريد من يملئ عليّ المنزل، وأعتقد بأن هذه حاجتي من الحب الآن."
يقول بأنه سعيدٌ بأنه لم يُخلق في هذا العصر، العصر الذي يدّعي العالم بأنه متصّل فيما هو متفكّك جداً، لا أحد يتحدّث مع الآخر، لكن به حزنٌ طفيف لأنه لا يستطيع أن يكون جزءاً من ذلك كله الآن، لا يشعر بأن شيئاً ما يفوته لكنّه يريد أن يفهم فقط.
حين أتى هذه المرّة، أحضر معه نصاً لأقرأه ثم نتناقش فيه، "اقرأي النص إن كنتِ مهتمّة سأذهب لأتحدّث مع معدِّ القهوة قليلاً." ثم عاد ووجدني لا أزال منهمكة في القراءة فقال "أشعر في قلبي بأنكِ تخدعينني، أرجوكِ إن كان الموضوع لا يهمّكِ توقفي عن القراءة حالاً."
كان خائفاً من أنه قد يكون قد حصرني في زاوية ما، أو أنه طبّق علي بعضاً من الضغط، لم يُرد أن يكون ثقيلاً أو لا مبالياً بوقتي. أخذ يسأل مراتٍ عدّة إذا ما كنتُ راغبة حقاً في القراءة ثم جلسنا نعاين النص، هو من الورقة وأنا من هاتفي، أريه صوراً الكترونية للكاتبة وما شابه.
إلى لقاءاتٍ أخرى مثيرة للاهتمام🙏🏼💙.
جاري تحميل الاقتراحات...