محمود
محمود

@_mah_moud

21 تغريدة 24 قراءة Jun 07, 2021
الإنسانية vs الخوارزميات
١- الإنسانية
في عام ١٩١٧ أخذ (مارسيل دوشامب) مَبْولة عادية وأعلن أنها عمل فني، وأطلق عليها اسم النافورة، ومن حينها، يأتون بهذه الصورة في الدروس الأولى لتاريخ الفن، والمُحاضر يسأل الطلاب: "ما رأيكم؟". ويبدأ الجحيم: "إنه فن" "إنه ليس فنًا". كيف نعرف الفن؟
لا يوجد تعريف موضوعي للفن أو الجمال. الفن هو ما يعتقده البشر فنًا، والجمال في عين الناظر. إذا كنت تعتقد أن (النافورة!) عمل فني جميل، وكنت على استعداد لدفع ملايين الدولارات للحصول عليه في منزلك، فلا أحد يمكنه إخبارك أنك مخطئ وأنك لا تعرف ما الفن أو ما الجمال؛ فالجماليات (إنسانية).
لنفترض أن تويوتا تريد إنتاج أفضل سيارة في العالم: تجمع الفائزين بجائزة نوبل في الفيزياء وفي الكيمياء وفي الاقتصاد، تجمع أفضل علماء النفس والاجتماع، وأفضل الفنانين الفائزين بالأوسكار وأيًا كان، وتمنحهم أربع سنوات للتفكير معًا وتصميم السيارة المثالية.
بعدها تنتج تويوتا سيارتها المثالية، وتصنع الملايين منها، وترسلها إلى جميع أنحاء العالم، ولكن الزبائن لا يشترونها! هل يعني هذا أن العملاء مخطئون؟ لا، فالزبون دائمًا على حق. في الاقتصاد (الإنساني) هذا يعني أن الخبراء هم المخطئون؛ فهم ليسوا سلطة أعلى من العميل.
كيف تعرف إذا كان قرارًا اقتصاديًا هو القرار الصحيح؟ كيف تعرف إذا كان المنتَج جيدًا أم لا؟ أنت تسأل العملاء، يُصوّت العملاء ببطاقات الائتمان الخاصة بهم، وبمجرد أن يصوتوا، لا توجد سلطة أعلى يمكن أن تقول لهم: "لا، أنتم مخطئون".
في الديكتاتورية الشيوعية كان يمكنك أن تقول للناس: "هذه السيارة المناسبة لك، المكتب السياسي قرر بحكمته أن هذه هي السيارة المثالية للعامل السوفيتي، وهذه هي السيارة التي ستمتلكها". لكن هذا لا يعمل في اقتصاد (إنساني) حديث.
في السياسة أيضًا، الناخب هو السلطة العليا، الناخب أعلم. عندما يكون لديك قرار سياسي كبير، مثل مَن يجب أن يحكم البلاد، أنت لا تسأل نخبة المجتمع أو الحاصلين على (نوبل)، أنت تذهب إلى كل فرد وتسأله: "ما رأيك؟ ما شعورك تجاه مَن يجب أن يكون الرئيس؟".
الافتراض الشائع في السياسة (الإنسانية) هو أنه لا توجد سلطة أعلى من المشاعر الإنسانية. لا يمكنك إخبار البشر : "أنت تعتقد ذلك، تشعر بذلك". كان هذا هو الحال في العصور الوسطى، ولكن ليس في السياسة (الإنسانية) الحديثة، بالتأكيد ليس في دولة ديمقراطية.
أمّا عن التعليم الإنساني فالهدف الأهم هو تمكينك من التفكير بنفسك. تسأل الجميع من روضة الأطفال لأستاذ الجامعة: "ما الذي تحاول تعليمه للطلاب؟". وسيقولون:"نحاول تعليم الرياضيات والفيزياء والتاريخ، لكن بالمقام الأول نحاول تعليم الطلاب التفكير بأنفسهم".
الآن، وجهةُ النظر الإنسانية للعالم تحت السحابة، تواجه تهديدًا كبيرًا، تهديدًا قاتلًا، ليس من ديكتاتوريين في كوريا الشمالية أو روسيا أو في أي مكان آخر، التهديد الكبير حقًا يخرج الآن من المختبرات، من الجامعات، من أقسام البحث في أماكن مثل وادي السيليكون.
تستند الإنسانية على الإيمان بالمشاعر الإنسانية وقدرة الإنسان على الاختيار الحر، لكن ما يخبرنا به المزيد والمزيد من العلماء أنه لا يوجد شيء اسمه الإرادة الحرة، فالحرية من منظور بيولوجي مجرد أسطورة، مصطلح فارغ اخترعه البشر؛ فالمشاعر في الحقيقة هي مجرد خوارزميات كيميائية حيوية!
الأحاسيس والعواطف كلها مجرد عملية حسابية كيميائية حيوية، حساب الاحتمالات لاتخاذ القرارات. لنأخذ مثالًا ملموسًا: لنفترض أن هناك قردًا في غابة، يريد البقاء على قيد الحياة، عليه أن يأكل، وأن يكون حريصًا على ألا يُؤكَل.
فجأة يرى شجرة موز، لكنه يرى أيضًا أسدًا قريبًا من الشجرة، ويحتاج إلى اتخاذ قرار بشأن المخاطرة بحياته، يحتاج إلى حساب الاحتمالات، سيموت جوعاً إذا لم يأكل الموز، مقابل احتمال أن يأكله الأسد إذا حاول الوصول إلى الموز. يحتاج إلى معرفة أي احتمال أعلى من أجل اتخاذ قرار جيد.
يحتاج أولًا وقبل كل شيء إلى جمع الكثير من البيانات، يحتاج بيانات عن الموز: كم يبعد؟ كم عدده؟ كبير أم صغير؟ ناضج أم أخضر؟ فهناك فرق بين ١٠ موزات ناضجة كبيرة، واثنتين من الموز الأخضر الصغير.
وبالمثل، يحتاج القرد إلى بيانات عن الأسد: كم يبعد؟ ما حجمه؟ ما سرعته؟ نائم أم مستيقظ؟ هل يبدو جائعًا أم شبعانًا؟ وبالطبع، يحتاج إلى الكثير من البيانات عن نفسه: كم هو جائع؟ ما مدى سرعته في الجري؟
ثم يحتاج إلى حساب الاحتمالات بطريقة ما بسرعة كبيرة جدًا، جسده هو الآلة الحاسبة. يأخذ البيانات بحواسه، ثم جهازه العصبي ودماغه، إنهم الآلة الحاسبة، في جزء من الثانية يحسب الاحتمالات، ولن تظهر الإجابة كرقم، ستظهر الإجابة على شكل شعور أو عاطفة.
إذا كان من المحتمل أن يذهب لإحضار الموز، عندها سيظهر هذا كعاطفة للشجاعة، أما إذا كانت نتيجة الحساب خطيرة للغاية، وهذا أيضًا لن يظهر كرقم ولكن كعاطفة، فهذا هو الخوف. إذن ما نطلق عليه المشاعر والعواطف، وفقًا لعلوم الحياة اليوم، هو في الحقيقة خوارزميات كيميائية حيوية وحساب احتمالات!
حتى أوائل القرن الـ ٢١، لم يكن لهذه الفكرة تأثير عملي كبير؛ لأنه لم يكن لدى أي شخص القدرة على جمع بيانات كافية، ولم يكن لدى أي شخص القوة الحاسوبية اللازمة لتحليل تلك البيانات، وفهم ما يحدث بداخلنا فعلًا.
الآن، هذا يبدو مخيفًا ومعقدًا، ما معنى أن المشاعر والكائنات هي في الحقيقة خوارزميات؟ هذا ملخص أكثر من قرن من البحث في علم الأحياء، هذا هو الرأي السائد الآن أكثر فأكثر، ليس فقط في علوم الحياة، ولكن أيضًا في علوم الكمبيوتر، وهذا هو سبب اندماج الاثنين معًا.
ما يخبرنا به العلماء والمهندسون أكثر فأكثر، هو أنه إذا كانت لدينا بيانات كافية، وقوة حاسوبية كافية، يمكننا إنشاء خوارزميات خارجية تفهم البشر ومشاعرهم أفضل بكثير مما يستطيع البشر فهم أنفسهم. عند هذه النقطة تتحول السلطة بعيدًا، من البشر إلى الخوارزميات! (يستكمل في الجزء الثاني).

جاري تحميل الاقتراحات...