Hisham Ghanem
Hisham Ghanem

@h1shamG

17 تغريدة 42 قراءة Oct 15, 2020
ثريد في مسألة جريمة الزرقاء.
قد يتراءى، لأول وهلة، أن استهلال هذه السلسلة من بوابة المقارنة بين حادثة الزرقاء وبين "الأعمال" التي كانت تؤديها عصابات الجريمة المنظمة العالمية، ولاسيما المافيا الصقلية، غير ذي صلة، ولكن المقارنة أو المدخل هذا ضروري للخلوص إلى فهم أعمق وأشمل لحادثة الزرقاء، على ما سنرى بعد قليل.
والحقيقة أنني لست صاحب المقارنة هذه. فقد ظهرت في غير مكان وبدا أن أصحابها إذ راحوا ينعون على الأردن تحوّله إلى بلد مافيا، إيطالية أو مكسيكية، فاتهم أنهم بتلك المقارنة إنما يمتدحون ظاهرة البلطجة في الأردن من حيث أرادوا هجاءها. فيا ليت التشكيلات العصابية الأردنية الرثة تشبه المافيا
ذلك أن هناك فروقات لا تحصى بين البلطجة الأردنية وبين الجريمة المنظمة العالمية، في الشكل والمضمون، الوسائل والغايات، في الأسباب والظروف. فالمافيا نشأت أواخر القرن التاسع عشر كإحدى نتائج التوسع الرأسمالي الذي أقلع منتصف القرن نفسه، من جهة، وكثمرة من ثمار الدولة-الأمة، من جهة ثانية.
هذا فيما البلطجة الأردنية، هي نكوص عن الدولة ولها طبيعة ما قبل رأسمالية. نستدل على ذلك من العنف البدائي ذي الطبيعة الخام أو البِكْر، ومن أدوات هذا العنف الذي تترجح بين الأيدي العارية والأدوات المنتمية للعصر الحديدي، مثل السكاكين أو البلطات، من غير "صناعة" أو أسلحة نارية حديثة.
هذا ناهيك بأن البلطجة الأردنية، على خلاف المافيا التي تتنوع نشاطاتها بين الحماية والاحتيال والتهريب والدعارة و "الإقراض المفترس" والمراهنات إلخ... يقتصر نشاطها (أي البلطجة الأردنية) على الإجرام الخالي من "الصنعة" والتركيب أو الـcomplexity مثل فرض الخاوات والتكسير الهمجي المباشر.
ثم إن البلطجة الأردنية تكاد تفتقر افتقارا مدقعا للتنظيم. ولما كان هذا الأخير أهم سمة من سمات الحداثة، جاز القول أن البلطجة الأردنية عنف ما قبل حداثي يمتّ بصلة قريبة لعصور الإقطاع. فالبلطجة الأردنية إما يقودها ضباع منفردون، أو يترأس كلُّ ضبع أفرادا معدودين: أي هرم برأس وقاعدة.
هذا بينما لاحظ بعض دارسي المافيا أنها، على خلاف تصوّر ظل شائعا حتى منتصف الثمانينات، تتسم بهياكل تنظيمية شديدة التركيب والتنسيق، وهايراركية ذات مستويات متعددة، فهناك على رأس الهرم الزعيم، ثم مساعده، فمستشارون، فمافيوزات ومن ثم متعاونون في قاعدة الهرم.
وهناك فارق جوهري آخر أيضا، يطال القيم. ففيما تبدو البلطجة الأردنية بلا قيم أو نظرية، تمتاز المافيا بكثير من "الفضائل"، تجاه أعضائها وأعدائها، وتفتخر بذلك وتسميه ميثاق الشرف، يُحظر بموجبه على المافيوزي أن يعتدي على زوجة زميله، وأن لا يكون له أي علاقة بالشرطة، وأن لا يرتاد الحانات.
وإلى هذا، تبدو البلطجة الأردنية، على خلاف المافيا، ظاهرةً غير عقلانية، لا من حيث صعوبة تعقّلها وتقصّي جذورها وعناصرها الظرفية— بالعكس، فهي بسيطة جدا، أو خام وبِكْر، على ما سبق القول— بل من حيث أنها بلا غاية أو قضية أو حتى سعي لأفرادها في المتع الدنيوية واسترخاص أنفسهم واحتقارها.
فعلى ما رأينا في حادثة الزرقاء، تقدّم طلبُ الثأر، أي أشد القيم بدائية، على أي نزوع عقلاني يحول بين المجرمين وبين السجن. فهم إذ نفّذوا الجريمة، كانوا يعرفون أن عقابا شديدا ينتظرهم، ولكنهم لم يكترثوا بذلك. فالغريزة غلبت العقل والاستراتيجيا، وهو ما يندر جدا في حالة المافيا.
لكن البلطجة الأردنية رجعية جدا أيضا، لجهة خلوّ وفاضها من أي حترام للنساء، وغياب هؤلاء عن أي نشاط بلطجي. هذا فيما مكانة المرأة في قلب نشاطات المافيا، فهي عميلة client تحظى بالحماية، وهي زوجة وأم وابنة ورفيقة سلاح وزعيمة، وفي سيارة المافيوزي وشريكة ماله وفي فراشه، ووريثته بعد مماته
أهمية التمييز بين التشكيلات العصابية المنظمة وبين البلطجة الأردنية ليست غايتها تفضيل عنف على عنف، بل التشخيص بدقة. فعلى ما تقدم، المافيا نتاج اقتصاد سياسي واجتماعي متطور، فيما البلطجة الأردنية عكس ذلك. وهو ما يجعل علاجها عسيرا ويتطلب تغييرا في البنية السياسة والاقتصادية والثقافية
وليس معنى ذلك أن إصلاح منظومة العدالة في الأردن بلا فائدة، أو أن لا أمل في ردع المجرمين والتعامل معهم بحزم، لكن كل ذلك لن يكون ذا قيمة على المدى البعيد ما لم يحصل تغيير بنيوي وجوهري في بنية السلطة وشكل الاقتصاد، بما سيؤدي إلى تغيرات اجتماعية وثقافية. بكلمة، لا للتبسيط والاستسهال.
فهذه الظاهرة يحركها عنصران متضافران: الأول وضع اقتصادي كارثي، وحالة عشائرية متخلفة فخورة بتخلفها. ولذا نلاحظ أن ظاهرة البلطجة بلا وجود في دول الخليج، بسبب الوضع الاقتصادي الجيد، وبلا وجود أيضا في دول المغرب العربي، بسبب غياب الحالة العشائرية. فتبقى بلاد الشام ومصر مسرحا للظاهرة.
يبقى أنه مع الإقرار أن الدولة المشرقية جريمة بحد ذاتها لا تختلف عن التشيكلات البلطجية إلا في الشكل، لا يعني ذلك أي إعفاء للتخلف المجتمعي. فالدولة قد تكون عززت التخلف ولكنها لم تخترعه. ولعل نقد الدولة وكأن المجتمع بلا مسؤولية، ونقد المجتمع وكأن الدولة بلا مسؤولية، هو أحسن النقد.
انتهى.

جاري تحميل الاقتراحات...