Dr. Rami Arabi
Dr. Rami Arabi

@Rami_Arabi93

20 تغريدة 28 قراءة Oct 14, 2020
أحد الروايات التي قدمت وصف واقعي للكثير من المشاكل التي يعاني منها شريحة كبيرة من المجتمع الهندي، الجثث المتحللة التي تطفوا أمامك على نهر الغانجا كمنظر اعتيادي، البان والتبغ وارتفاع نسبة سرطان الفم، الظلام وما يمكن أن يسببه الفقر المدقع ليتحول الشخص لمجرم ، Thread مؤلم..
بطل الرواية "بالرام حلوي" من عائلة فقيرة جدا في احد قرى الهند، يقوم بتوجيه ٧ رسائل لرئيس الوزراء الصيني يصف فيها فصول حياته وكيف انتقل من الفقر للغنى، هذه الرسائل بمثابة اعتراف "بالرام حلوي" على الجريمة التي ارتكبها ليخرج من سجن الفقر،
ربما تشعر اثناء قراءة الرواية ان الرسائل السبعة تتناسب مع "الخطايا السبعة المميتة او ما يسمى ب الخطايا الكاردينالية" ، فنرى بكل فصل صفة جديدة تظهر في بالرام، مرة الجشع، فالغرور، فالشهوة وهكذا..
يذكر بالرام حلوي في رسائله العديد من الصعوبات التي تواجه الفرد الهندي، بالإضافة إلى نصائح وربما من اوائل النصائح، ان لا تشرب ابدا من نهر الغانجا لما يحتويه من نفايات صناعية و كيماوية، و "أشلاء بشرية".. يعد نهر الغانجا حاليا من أكثر الأنهار تلوثا في العالم..
لكن للغانجا مكانة مقدسة وعظيمة جدا لدى الهندوس، فهو بمثابة نهر التطهير والحياة، لذلك الكثير من الهندوس يقومون بالاستحمام فيه او غسل جسدهم و استخدامه في الري.. وفي الهندوسية بعد وفاة الشخص يتم حرق جثمانه، لكن الكثير من العائلات لا تستطيع تحمل تكلفة حرق الجثمان على ضفاف الغانجا..
فيستعيضون عن ذلك برمي الجثث مباشرة في نهر الغانجا المقدس.. ربما ترى يوما ما أثناء زيارتك للهند جثة يقف عليه طائر يأكل منه، هذا المنظر اصبح ربما اعتيادي هناك، ولكن هنالك جهود حكومية ومنظمات أخرى تحاول انتشال الجثث و تنظيف النهر والتوعية على اضرار ذلك..
صور لجثث تطفو في نهر الغانجا..
نرى لمحات سريعة أيضا عن تصنيف البراهما، هنالك نظام طبقي في الهندوسية مصنف لأربع أقسام، الطبقة العليا هم "البراهما" وهم رجال الدين والذين يقومون بشؤون المعبد و الاعتقاد بأنهم خلقوا من رأس وفم الإله الأعظم بالهندوسية "براهما" ،،
ثم في المرتبة التالية "الكاشتريا" وهم الجند والحكام والذين يعتقد انهم خلقوا من ايدي الإله "براهما"، ثم يأتي طبقة "الفايشا" وهم التجار و المزارعين الذين خلقوا من افخاذ "براهما"، واخيرا طبقة "الشودرا" وهم طبقة الخدم الذين في المعتقد الهندوسي خلقوا من ارجل "براهما"
هذا التصنيف الطبقي في المدن الكبيرة يكاد لا يوجد، و لكن الى حد الآن يمكنك قراءة عن جرائم ارتكبت في قرى بالهند واعمال عنف لأن امرأة من طبقة عليا تزوجت من رجل من طبقة منخفضة، كما يوجد طبقة خامسة مهمشة تماما في الهند تدعى الداليت والداليت تعني المحطم..
أصدر عام ١٩٥٠ م قانون بالهند بالغاء مسمى طبقة الداليت لكن مازالت هنالك بعض اعمال العنف ضدهم كونهم طبقة منبوذة غير معترف فيها، ويتم إسناد إليهم الأعمال التي يترفع عنها باقي افراد المجتمع..
جزء كبير من احتقار طبقة الداليت يرجع لمبدأ "تناسخ الأرواح" وهو عند وفاة الشخص تخرج روحه لتدخل في جسد جديد، كإعادة ولادة او تسلسل دائم بين الموت والحياة.. فإذا ارتكب الشخص الكثير من ذنوب في حياته، تحل روحه بعد وفاته في طبقة مجتمعية ادنى مثل الداليت
وبذلك ربما يرون ان احتقار الداليت جزء كبير منه هو التقرب الى الله في معتقدهم، لأنهم في حياة أخرى ماضية كانوا أناس غير ملتزمين.. هذه الدائرة بين الحياة والموت تدعى سامسارا او samsara
كل شي في الهندوسية يمكن فهمه بأنه رحلة دائرية للأبد، حتى اعظم اله في الهندوسية وهو براهما له ٣ تجسيدات مختلفة، براهما (الخالق)، فيشنو (الحافظ)، شيفا (المدمر).. هنا نرى دائرة أخرى.. الخلق ثم الحفظ ثم التدمير ثم خلق مرة أخرى وهكذا... مثل دائرة تناسخ الأرواح عملية دائمة
وبالطبع تلقي الرواية الضوء على أحوال الفقراء، الذين يصلوا لمئات الملايين (في دولة يبلغ عدد سكانها مليار و ٤٠٠ مليون تقريبا).. الفقر هو مثل الدوامة التي من الصعب جدا الخروج منها، طالما لا تملك المال للحصول على تعليم جيد فيجب أن تعمل منذ الصغر للحصول على الطعام ومساعدة العائلة..
يصبح الفقر شبح جاثم على العائلات، وهو فقط تكرار مستمر، أجيال واجيال يعيشون بالفقر، حتى قرر "بالرام حلوي" ان يقوم بعمل يخرجه من هذه الدوامة.. وهو ارتكاب جريمة قتل رئيسه (آشوك) والذي كان "بالرام حلوي" يعمل لديه كسائق..
اقتباس : ((.. أن يدرك المرء ولو ليوم أو لساعة أو حتى لدقيقة ماذا يعني ألا يكون خادما أمر يستحق ذلك ..))
ارتكب جريمة قتل ولم يندم كثيرا بعد ذلك، ارتكب الجريمة وهو يعلم أن عائلة رئيسه (آشوك) ، سيقومون بتصفية جميع افراد عائلته، كان رأي "بالرام" ان جريمة قتل واحدة فقط لا غير، كفيلة بتحسين وضعه للأبد، فانتظر الفرصة المناسبة ليقتل "آشوك" و يستولي على مبلغ كثير من المال..
هذه الرواية عن المتناقضات، عن زيف المجتمع، تسحرك في كيف حول الكاتب الفقر الى قصة تروى كلماتها بالألم والدم مع الكثير من السخرية.. و مثلما ذكر المترجم في مقدمته انه يوجد ٣٠٠ مليون شخص بالهند غير متأكدين ان كانوا سيتناولون وجبة غذائهم التالية أم لا،، لأنهم يقبعون في الجانب المظلم..
" لو حانت لي الفرصة لأكوّن بلدًا، لكنت مددت أنابيب الصرف الصحي أولاً وبعد ذلك نشرت الديمقراطية، ومن ثم أهدي الناس الآخرين كتيبات وتماثيل غاندي، ولكن ما الذي أفهمه أنا؟!.. لست إلا قاتلاً.. ! "
~ آرافيند أديغا - النمر الأبيض

جاري تحميل الاقتراحات...