شهدت حرب الاستنزاف أيضا بطولات أخري لا يتذكرها أحد للقطاع المدني الذي قام ببناء قواعد الصواريخ تحت القصف الجوي المستمر العدو . واستشهد آلاف العمال والمهندسين أثناء ذلك .
تعد حرب الاستنزاف هي الحرب المنسية أو المسكوت عنها ، رغم أنها كانت - بحق- هي التمهيد الضروري للعبور ، فكانت تدريبا بالدماء والنيران ، وشهدت بطولات بلا حصر في ظل ظروف غاية في التعقيد .
فقد كان الطيران الأسرائيلي يضرب مواقعنا في الجبهة منذ أول ضوء وحتي آخر ضوء مستخدما كل أنواع القذائف المحرمة ، ومنها النابلم الحارق الذي كان يسيل مشتعلا بين الخنادق ويشتعل في أجساد الرجال ، وكانت قواتنا في تلك المرحلة الحاسمة قد انتقلت من وضع الدفاع البحت إلي وضع الدفاع النشط .
فكانت قواتنا تقوم بعبور قناة السويس بمجموعات صغيرة لتنفيذ عمليات محددة ثم تعود .. وكان لذلك اثرا معنويا هائلا علي قواتنا ، حيث اتضح لهم أن نكسة ٦٧ لم تكن بسبب براعة الجيش الإسرائيلي أو تخاذل الجيش المصري ، وإنما كانت هناك أسباب أخري لا شأن لجنودنا بها .
أتذكر بحزن دفتري الذي كنت أسجل فيه يومياتي وخواطري وقراءاتي في الجبهة، وكنت قد تركته في دولابي بمؤخرة الكتيبة قبل أن نتحرك للأمام،إلا أن العدو تمكن من سرقته عندما نجح في إختراق قناة السويس أثناء عملية الثغرة،حيث تسلل إلي مواقعنا الخلفية والتي كنا قد غادرناها منذ بداية العمليات .
.. لقد سرقوا جزءاً من تاريخي الشخصي ، وربما وجدوا في الكلمات التي كتبتها سراً من أهم أسرار مصر في العصر الحديث ، سر إرادة هذا الشعب وقراره الحاسم في التخلص من آثار الهزيمة وتحقيق النصر ...
كنت في عمر الفتوة عندما صدمتني عاصفة النكسة الهوجاء التي حطمت فجأة مدينة الأحلام التي كنت مع غيري نعيش فيها ..ولم يستسلم جيلي بل اندفع إلي الخنادق الأمامية في جبهة القتال كي يجدل سيمفونية نصر بدمائه في حرب إستنزاف طاحنة ، ثم في مشهد عبور شامخ ..
جاري تحميل الاقتراحات...