بسمة رضوان
بسمة رضوان

@BasmaRadwan0

18 تغريدة 20 قراءة Oct 11, 2020
في 8 يوليو سنة 1972م، صحيت مصر كلها على عناوين الجرايد، الرئيس "السادات" أصدر قرار جرئ جدا بطرد الخبراء السوفيت من مصر، العالم كله اتفاجئ باللي بالقرار دا، وشهد كل أبطال وقاده حرب أكتوبر بحتميه التخلص منهم قبل الحرب، ﻷن وجودهم عامل قلق أمني مخابراتي مصري، من اهدافهم الحقيقية،
القرار دا قابله الروس بمنع قطع غيار الاسلحه الموجودة عندنا، عشان كل سلاح له عمر افتراضي ولازم تغيير القطع اللي فيه عشان يشتغل، زي مثلا إنهم منعوا عن إمداد الجيش بتاعنا بإطارات الطيارات، ولكل إطار عدد مرات هبوط، ولازم يستبدل بعدها بواحد جديد، يعني توقف توريد الإطارات يعني توقف
الطيارات عن الشغل أصلا، ودا لقى له الطيارين حل بتقليل حدة الهبوط عشان ما يستهلكوش الكاوتش، ودا حل مؤقت قدروا يزودوا عمر الإطارات بيه..
لكن الكارثة كلها كانت في سلاح الدفاع الجوي، لأنه بيتكون من حائط الصواريخ، ودا 90% منه كتايب صواريخ سام 2 و 10 % كتايب سام 3 ، والصواريخ دي
بتشتغل بوقود مش موجود غير في روسيا، والوقود له فتره صلاحية محددة وبعدها ما يبقاش صالح للاستخدام، فأوقف الروس توريد الوقود للصواريخ، ودا معناه إن مفيش حائط صواريخ ولا فيه دفاع جوي، يعني من الآخر مفيش حرب من الأساس..
لأن خطه الحرب المصرية قامت علي إدراك حقيقي لواقع ان القوات
الجوية للعدو، اللي كانت بتتفوق تفوق كاسح علي القوات الجوية المصرية، وكان لازم وقف السيطرة الجوية لهم، ودا مش هيحصل غير بالدفاع الجوي ومن بعده القوات الجوية، يعني مصر هتهاجمهم بأسلحة دفاعية تحقق لهم خساير عالية، عشان مفيش وجود سلاح هجومي عندنا وقتها يحقق نفس الخساير،
ومع عدم وجود الوقود يبقى خطتنا كلها فشلت من قبل ما تبدأ..
وعليه، بدأت تتحرك أجهزة الجيش والمخابرات والدولة كلها عشان تحل المشكلة، وواحد من اتجاهات التحرك كانت جوا مصر نفسها، يعني باللجوء للعقل المصري ودي كانت مهمة "المشير محمد علي فهمي" قائد قوات الدفاع الجوي،
وكان لسة برتبة لواء أيامها..
الراجل فتش في السر كدا داخل الأجهزة والمعامل الفنية التابعة للجيش، لكن مفيش حل، واجهه عجز تام، لأن الوقود التالف دا لازم التخلص منه، لكنه ما يأسش وقرر إنه يخرج بالمشكلة كمهمة وطنية تخص كل علماء مصر، فاتجه للعلماء المصريين المدنيين،
ولف على كليات العلوم في الجامعات..
سنة كاملة بيلف ويدور زي الغريق؛ بيدور على قشاية يتعلق بيها، ولما لقى حتمية الغرق ضبش وعاند في وش التيار، وفي مايو 1973م راح عرض المشكلة بالكامل على المركز القومي للبحوث، وهناك اتقدم له أستاذ بقسم التجارب نصف الصناعية بالمركز،
دكتور شاب اسمه "محمود يوسف سعادة" اللي انكب على الدراسة والبحث..
وفي اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في يونيو 1973م، اتعرضت مشكلة الوقود على "السادات" اللي قال بصراحة كدا استحالة الحرب، فطلب اللواء "محمد علي فهمي" انضمام واحد مدني لهم، ووصلت عربية مكتوب عليها "جيش" لبيت
الدكتور "سعادة"، ونزل ظابط من الحرس الجمهوري وطلب حضوره لوزارة الدفاع..
خلال الشهر دا كان نجح العالم المدني في استخلاص 240 لتر وقود جديد صالح للاستخدام، من الكمية المنتهية الصلاحية الموجودة بمخازن قوات الدفاع الجوي وبالفعل أخد عينة معاه وكمية دفاتر وأوراق وانضم لاجتماع المجلس
الأعلى للحرب، وقدام قادة الأفرع والريس بدأ يشرح اللي عمله طول الشهر اللي فات..
ببساطة، اتوصل الدكتور لفك شفرة مكونات الوقود، ووصل لعوامله الأساسية والنسب لكل عامل، وبعدين قام بتجميعها مرة تانية واستخلص ال240 لتر، انبهر "السادات" بالعقل دا، وأمر "اللواء فهمي"
بإجراء تجربة شحن صاروخ بالوقود الجديد، عشان يشوف مدى فاعلية إطلاقه، وفعلا نجحت التجربة بشكل عبقري..
استثمر النجاح دا، وتم تكليف أجهزة المخابرات العامة بإحضار عينة من الوقود من دولة غير روسيا، وبعد إحضار العينة تم استيراد المكونات كمواد كيماوية عادية، وحصل دمج بين المركز القومي
للبحوث مع معامل القوات المسلحة، وتحت إشراف "الدكتور سعادة" انقلبوا لخلية نحل، بيشتغلوا 18 و20 ساعة يوميا..
ونجح ولاد مصر المدنيين والعسكريين مع بعض، الجنود المجهولة اللي اشتركوا في الجهد العظيم دا، وتم إنتاج كمية كبيرة حوالي 45طن من وقود الصواريخ، وبكدا أصبح الدفاع الجوي المصري
مستعد جدا لتنفيذ دوره المخطط له في عملية الهجوم..
وكانت مفاجأة ضخمة السوفييت اللي شافوا أداء حائط الصواريخ في أكتوبر، ما حدش كان يعرف مصر كلها جيش -مدنيين وعسكريين- بيحارب، القتال اللي تم في حرب الاستنزاف أو حرب أكتوبر 1973م، كان نتيجة جهد وعرق وأفكار ناس عاديين
خرجوا من تراب الوطن دا، الشعب كان عامل ملحمة ملهمة في تماسكه عشان تحرير الأرض..
ربنا سخر "الدكتور سعاده" عشان يتوصل للي توصل له، ويبقى واحد من أهم الأسباب -إذا ما كانش أهمها بالفعل- في نصر أكتوبر، ولولاه لكان استمر احتلال مصر، ولك أن تتخيل إن الدفاع الجوي دمر 326 طيارة
اسرائيلية في حرب أكتوبر، بفضل الراجل الأسطورة المجهولة دا..
الدكتور "محمود يوسف سعادة" بعد الحرب حاز على جائزة الدولة التشجيعية ووسام العلوم والفنون، تقديرا من الريس " السادات" على دوره التاريخي في النصر، وبعد أداء مهمته رجع وكمل حياته العملية زيه زي أي مواطن عادي،
شغل منصب نائب رئيس أكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا ومدير مكتب براءة الاختراع فى التسعينات، وبعدين بقى أستاذ متفرغ بالمركز القومى للبحوث..
توفاه الله تعالى فى 28 ديسمبر 2011م، وبعت المشير "طنطاوي" مندوب عنه لتشييع الجنازة، اللي حضرها بعض قادة الجيش الحاليين والمتقاعدين،
وكمان زملاء مركز البحوث، بدون ضجيج إعلامي يظهر الدور البطولي اللي قام بيه "الدكتور سعادة"، وكأن ربنا جعل لمصر كلها من اسمه نصيب،
الله يرحم "الدكتور محمود يوسف سعادة" ويسكنه جناته..
*مصادر
"كتاب جند من السماء" - للواء طيار محمد عكاشة..
مراجعة المجموعة 73 مؤرخين..
منقوووووول

جاري تحميل الاقتراحات...