LaBanshy
LaBanshy

@LaBanshy

41 تغريدة 80 قراءة Oct 09, 2020
أسطورة هرقل: <الجزء الثاني>
بعد ما عرفنا ظروف ولادته وحياته والمصاعب اللي قابلها، أول حاجة ممكن تلفت انتباهنا في حياة البطل هرقل هي العلاقة المركبة اللي بينه وبين هيرا. هيرا هي السبب في تعاسة هرقل وكل المصايب والأهوال اللي أتعرض لها،
بس برضه وبشكل غير مباشر هي السبب في صعوده لجبل الأوليمب وخلود سيرته. حتى اسمه باليونانية معناه – وياللسخرية! – "المجد لهيرا".. وكأن هيرا هي المحرك الأساسي، النار اللي كادت أن تحرق هرقل لكنه نجح في تحويلها إلى الشعلة اللي أنارت طريق المجد.
علاقة هرقل بهيرا بتبدأ من قبل ولادة هرقل، من رفضها لوجود المولود ده بسبب رفضها لزوجها أو لسلوكه عامةً. بس الغريب في الموضوع أن أولاد زيوس من نساء بشريات، أبطال أو غيره، كانوا ماليين الأرض، وهرقل مش أولهم ولا أخرهم. اشمعنى هرقل اللي أديته كل هذا الكم من الاهتمام؟
المثير للجدل في الموضوع ده أن معظم القراءات النفسية للأسطورة بتعتبر هيرا صورة الأم في وجدان هرقل وده بسبب غياب ألكميني من حياة هرقل وحصول هيرا على الحيز الأكبر فيها. طيب ليه أم ممكن تكره ابنها لهذه الدرجة؟
الإجابة الواضحة هي اضطراب العلاقة مع الزوج، زي العلاقة المهببة بين زيوس وهيرا، أو أن الطفل ده بيبقى دليل وتذكرة على فشل العلاقة.. أو الغيرة (اتكلمنا في ده قبل كده في أسطورة أراكني Arachne).. أو ممكن الكراهية تكون بلا أي سبب واضح..
العلاقة بين الأم وابنها\بنتها مش دايما حب غير مشروط وفراشات زي ما المجتمع والأعراف بيصوروا لنا، فيه علاقات كتير بتشوبها الغيرة والغضب والسخط، وفيه أمهات بيجيلها اكتئاب ما بعد الولادة واللي لو ماتعالجش ممكن جدًا يتطور لشعور الأم بفقدان هويتها وسلطتها وسيطرتها على حياتها بسبب الطفل
فبتوجه مشاعر الفقد والغضب دي ناحيته. هرقل كان بيحمل اسم هيرا، يعني كان مِلك لها، ولكن مجرد وجوده كان دليل على فشلها كربّة وزوجة وامرأة، وطول ما هو عايش بتشوف فيه انعكاس لفقدان سلطتها وسيطرتها وهويتها.
طيب نيجي لهرقل بقى، الطفل أو الابن.. ذنبه إيه في الليلة دي؟ الحقيقة إنه ملهوش أي ذنب وإنه للأسف بيضطر يشيل على عاتقه توابع اضطراب العلاقة مع الأم ومسئولية فهم الأسباب.
الموضوع صعب، وبتبقى رحلة شاقة محفوفة بالكثير من المخاطر والمصاعب وجلد الذات علشان الابن يوصل للتصالح مع صورة الأم جواه والنفس.. بالظبط زي المصاعب اللي واجهها هرقل علشان في النهاية يوصل لجبل الأوليمب.
وعلى غرار عقدة أوديب، بعض علماء النفس استخدموا قصة هرقل لوصف بعض المشاكل النفسية اللي بتنتج من اضطراب علاقة الأم بابنها وسيطرتها عليه بشكل سلبي واسموها "عقدة هرقل" Heracles Complex..
وعلشان نفهم العقدة دي أكتر وتأثيرها على هرقل وحياته محتاجين نرجع لعالم النفس كارل يونج Carl Jung وتحليله للأنماط اللي بتشكل شخصية كل واحد فينا. واحدة من هذه الأنماط هي الأنيما anima أو صورة المرأة في وجدان الرجل واللي بتتشكل منذ الطفولة وبتأثر على شخصيته بشكل غير واعي بعد ذلك.
يعني لو علاقة الأم بطفلها سليمة وقايمة على الحب المعتدل من البداية هنلاقي أن الرجل متفهم أكتر للجانب الأنثوي في شخصيته وده بينعكس بشكل صحي على علاقاته مع النساء بعد كده، والعكس صحيح طبعًا.
هرقل لقى نفسه في علاقة سامة مع صورة الأم المتجسدة في هيرا. هرقل كان بيحاول يرضيها بشتى الطرق – في الأول علشان يتفادى غضبها وبعدين علشان يكفّر عن ذنبه اللي بسببها برضه – وده بالظبط اللي بيحصل مع الطفل اللي بيلاقي نفسه مكروه من الأم، طبيعي أن عقله بيترجم ده على أنه تقصير من ناحيته
فبيحس بالذنب وبيحاول يرضي الأم ويتفادى غضبها بشتى الطرق (وعلشان كده هرقل أتسمى الاسم ده) والإحساس بالتقصير والذنب بيفضل معاه كمان لما بيكبر، وحتى بعد ما الأم مابيبقاش لها سلطة عليه أو بيبعد عنها، برضه بيفضل شعوره بقيمة نفسه مربوط بيها وبيعيش خادم للعلاقة المضطربة المؤذية دي..
حتى محاولاته لتأسيس علاقة صحية مع الجنس الآخر بتختل بسبب اختلال وتشوه صورة الأنيما في نفسه. فكّروا كده في علاقات هرقل بالجنس الآخر في الأسطورة: زوجته... قتلها هي وأولاده بسبب الجنون اللي تسببت فيه هيرا..
هيبوليت.. قتلها بسبب الشائعات اللي نشرتها هيرا. القتل هنا رمزي طبعًا.. حتى تدخل هيرا رمزي، الفكرة أنه بيقضي على العلاقات دي بنفسه بشكل غير واعي بسبب الصورة المشوهة للأم في وجدانه.
السؤال بقى هنا.. هل المهام اللي قام بيها هرقل دي كانت مجرد بتخدم العلاقة المؤذية مع صورة الأم وبتعقدها أكتر ولا كانت محاولات من ناحيته للتغلب عليها والوصول للتصالح؟ أعتقد إني بميل للإجابة الثانية أكتر..
على الرغم من صعوبة المهام وتأكيدها على خضوع هرقل اللاوعي لهيرا، ففي النهاية المهام دي كانت السبب في وصول هرقل لمبتغاه والتصالح مع صورة الأم ومع نفسه واللي بيتمثل في وصوله لجبل الأوليمب وتحوله لواحد من الآلهة..
بعد صعوده لجبل الأوليمب علاقة هرقل بهيرا خلاص مابقتش علاقة خادم بيحاول يرضي المخدوم بشتى الطرق، بقت علاقة متساوية قائمة على استقلال الطرفين، وهي دي الفكرة: سواء قررت تقرب أو تبعد عن الأم نفسها، فالمهم هو أنك تحقق الاستقلال من جواك، أنك تتعايش مع نفسك ومع صورتها جواك بشكل سليم..
المهام دي للأسف هي الطريق الصعب اللي كل سجين علاقة مؤذية مع الأم بيضطر يمشيه علشان يتصالح مع نفسه، علشان يخلص نفسه من عقد التقصير والتعلق وجلد الذات.. المهام دي هي رحلة البطل الحقيقية.
كل الوحوش والأهوال اللي واجهها هرقل هي تجسد للكلاكيع والمشاكل اللي العلاقة دي سابتها في نفسه، وبإنجاز كل مهمة، هرقل كان بيقرب أكتر للتعافي والتفهم.
أول شيء ممكن نلاحظه في رحلة هرقل البطولية أن مش كل المهام كانت محتاجة قوة،
بعضها كان محتاج ذكاء وحيلة زي قتل الهيدرا وتنضيف حظائر الملك أوجياس وإحضار التفاح الذهبي، بعضها كان محتاج صبر ومثابرة زي الإمساك بالغزال المقدس والخنزير البري، وبعضها كان محتاج صراحة ومواجهة زي إحضار حزام هيبوليت والإمساك بسيربيروس..
مهام منهم هرقل تلقى فيها المساعدة من أصحاب وأقرباء وآلهة، ومهام تانية اضطر يخوضها لوحده. وده يوضح لنا أن رحلة التعافي هتحتاج أن الشخص يوظف فيها كل ما يملك من موارد بدنية وعقلية وعاطفية.. هتحتاج أنه يطلب المساعدة أحيانًا، وفي أحيان أخرى أنه يقف بطوله.
الجميل في الموضوع كمان أن المهام مرتبطة ببعض بشكل تصاعدي، بمعنى أن كل مهمة بتساعد هرقل على تخطي مهمة بعدها وبتديله القوة والصفات اللازمة لإكمال الرحلة. قتله للأسد كان صعب، بس بمجرد انتهاء المهمة استفاد من جلد الأسد اللي أصبح درع بيحميه من السهام وأنياب الوحوش في المهام التالية.
نفس الموضوع مع الهيدرا، قتلها كان صعب وعنيف، بس بمجرد انتهاء المهمة استفاد من دمها اللي استخدمه في قتل الطيور والعملاق جيريون وغيرهم بعد كده. والصبر اللي أتعلمه في الإمساك بالغزال استفاد بيه في الإمساك بالخنزير البري..
كل تجربة سيئة أو تحدي في رحلة التعافي بيضيف شيء لشخصيتنا بيساعدنا على الاستمرار.. بعض التجارب والمواجهات بتخلينا أقوى، بعضها بتخلينا أكثر حرصًا، والبعض الآخر أكثر تفهمًا.. وهكذا.
حاجة كمان بخصوص المهام، نلاحظ أن المهام في أولها كانت أكثر عنفًا من أخرها، بمعنى أن في الأول أوامر يوريثيوس كانت بالقتل والتدمير، وبعدين بالتدريج تحولت للسيطرة على حيوانات أو إحضار أشياء معينة أو الخروج من مواقف معقدة أو تنضيف أماكن..
وده يورينا أن الرحلة في أولها بتنطوي على عنف وتدمير – مش مقصود بالعنف هروح أقتل اللي مضايقني! – لأن الإنسان في أول رحلته بيبقى متخبط وعايم في مشاعر الغضب والألم فطبيعي أن ردود الفعل تكون عنيفة تجاه نفسه وتجاه اللي حواليه،
بس بمجرد تخطيه المرحلة دي المعارك الداخلية بتبتدي تاخد أشكال مختلفة أقل عنفًا بس أكثر تعقيدًا. مثال: لما تكون في علاقة معقدة مع الأم أو الأب، طبيعي أن هتلاقي نفسك في مرحلة الطفولة والمراهقة بتميل للتمرد والإنفجار والتدمير، وده تعبير عن الرفض طبيعي ومتوقع،
بس بمجرد ما بتتخطى المرحلة دي بتبتدي تدور على أسباب الألم والمشاعر السيئة جواك علشان تمسكها وتدرسها وتفهمها، وبعدين بتحاول تغسل رؤيتك لنفسك من كل المشاعر المغلوطة اللي اتعلقت بيها عبر السنين.. كل خطوة بتتجاوز بيها مشاعر الغضب بتسمو بيك ذراعًا نحو التفهم.
وعلشان كده بشوف أن أخر مهمتين في رحلة هرقل هما أهم اتنين. في رحلة حصوله على التفاح الذهبي من الشجرة – كإشارة واضحة للمعرفة الكاملة – هرقل بيضطر حرفيًا يشيل ثقل العالم على كتفيه. الثقل ده في رحلة التصالح هو إدراك أن كل الأطراف بتتألم بشكل أو بآخر..
الثقل ده هو القدرة على رؤية نفسك والأخرين بنفس المقدار من التعاطف والتفهم. القدرة على موازنة كل المشاعر دي بعقلانية هي أقرب لموازنة الأرض على كتفيك. أما المهمة الأخيرة، الإمساك بكلب الجحيم سيربيروس، هي القدرة على تحقيق التوازن ده بما يحقق التصالح مع النفس في النهاية..
قبل كده لما تكلمنا على سيربيروس وقولنا إنه برؤوسه الثلاثة ووجوده بين عالمين بيحتل مكان وسطي شامل قادر على رؤية كل شيء. هرقل لما بيصارع سيربيروس بدون أي أدوات أو مساعدات خارجية فكأنه بيسترجع القدرة على التحكم في جميع جوانب نفسه بشكل كامل: جسده وعقله ومشاعره.. الثلاثة رؤوس.
وهي دي بالظبط عملية الـ individuation اللي قال لنا عليه كارل يونج، وهي قدرة الشخص على احتواء جميع أجزاء نفسه ووجدانه الواعية واللاواعية والتصالح معها.
فيه قراءات تانية للأسطورة زي القراءات الفلكية واللي بتشوف أن كل مهمة من مهام هرقل الاثنتي عشرة بتتوافق مع برج من الأبراج الفلكية، فمهمة قتل أسد نيميا مثلاً تتوافق مع برج الأسد، والإمساك بالغزال المقدس مع برج الجدي،
والإمساك بثور كريت مع برج الثور، وقتل العملاق جيريون مع الجوزاء.. وهكذا. بس القراءات دي الصراحة مبهوقة شوية وغير مقنعة خصوصًا لغير المتخصصين من أمثالي.
اللي لفت انتباهي في موضوع ربط المهام بالأبراج الفلكية دي هي فكرة التكرار والتواتر..
الأرض بتتعامد مع كل مجموعة نجمية من دول مرة كل سنة.. كل سنة بنمر بالرحلة اللي مر بيها هرقل وبنعدي على كل مهمة قام بيها. وده إن دل فإنما يدل أن الحياة لا تنتهي بالوصول، وإننا لو خلصنا رحلة فلسه قدامنا رحلات تانية كتير في اتجاهات مختلفة.
الكاتبة الأمريكية كوبية الأصل أناييس نين Anaïs Nin بتقول في الجزء الرابع من مذكراتها:
إننا كبشر لا ننضج على خط زمني مستقيم وإنما بشكل نسبي متفرق، فقد نكون كبارًا في جانب من جوانب حياتنا وأطفالاً في جوانب أخرى، الماضي والحاضر والمستقبل يتداخلون ويتجازبون أطرافنا في جميع الاتجاهات لنكتشف أننا متعددي الطبقات والأبعاد.. كالمجموعات النجمية.
فيه منا بيمر برحلة واحدة في حياته، ومنا بيمر برحلة كل سنة، وفيه اللي بيمر بكذا رحلة في أكتر من اتجاه كل يوم.. في رحلة ممكن نكون لسه في أول مهمة، في رحلة تانية ممكن نكون في الأخيرة، قد نفشل في رحلات وننجح في أخرى،
المهم أن كل خطوة بنخطوها وكل مهمة بننجزها نحو الوصول هتُخلّد في سماء وجداننا وهتنور لنا طريقنا مثلما خُلّدت مهام هرقل في سماء عالمنا.
دمتم أبطالاً.
تمت.

جاري تحميل الاقتراحات...