ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

27 تغريدة 667 قراءة Oct 09, 2020
إحدى عشرة سفينة تحمل على متنها ٥٠٠ مقاتل و ١٨ حصانا و١٤ مدفعا تشق عباب المحيط في طريقها نحو مجهول غير محتمل العواقب، حطت السفن رحالها على الساحل وفي انتظارها عالم جديد كليًا مليء بالكنوز والثروة والمخاطر والدماء
ما القصة وكيف دمر هؤلاء حضارة كاملة؟
حياكم تحت🌹❤️
العام 1499 :
الجميع متزاحم حول قصص كولومبوس والبحارة واكتشافاتهم في العالم الجديد؛ وكورتيس الابن الوحيد لأبويه يسير مترجلًا تجاه جامعة سالامانكا من أجل الانضمام لها، لقد انتظم الفتى ذو الأربعة عشر عامًا في دراسة القانون على غير رغبة منه؛ إرضاء فقط لأبويه.
لم يكن كورتيس يرى في نفسه قانونيًا منكبًا على وثائق وكتب، بل كان يرى ذاته مغامرًا في أعالي البحار يطارد الفضول والكنوز والمال الوفير، لذلك بعد عامين من انتظامه في الدراسة عاد إلى بلدته مدلين غرب اسبانيا، خاوي الوفاض مثقلًا بقرار أخير اتخذه يتضمن تركه للجامعة وتفرغه لمستقبل آخر
لا خطط محددة لدى الفتى الصغير، فقط تشتت وحيرة وسؤال كبير؛ في اي اتجاه أسير؟ يرافقه في هذه الحيرة أبويه اللذين حزنا كثيرًا على تركه الدراسة، وتفويته فرصة ثمينة لمستقبل مستقر ووظيفة مربحة، البلدة الهادئة الرتيبة تقتل في كورتيس شعوره بالحياة، والحياة تضيق عليه يومًا بعد آخر.
ثلاث سنوات مرت على هذه الشاكلة؛ لكن تلك السنوات صنعت فيه قرارا وتصورا، العالم الجديد ينادي، وحلم الثراء السريع يطغى في ذهنه على كل ما سواه، الآن هو ضمن إحدى السفن المتجهة إلى العالم الجديد، حيث جزيرة هيسبانيولا (اصبحت اليوم تابعة لكوبا)، والتي لم يمض على اكتشافها أكثر من ١٠سنوات
بمجرد أن وضع قدميه على الجزيرة تم تسجيله كمواطن ومنح قطعة أرض كبيرة للبناء والزراعة، مرت سنواته الخمس الأولى منهمكًا في أرضه ووظيفته ككاتب عدل، وذلك بحكم دراسته الجزئية للقانون، إلى أن جاء العام 1511 حيث انضم إلى حملة القائد الإسباني فيلاسكيز لغزو كوبا وأظهر شجاعة منقطعة النظير.
كانت هذه الشجاعة مفتاحًا لمستقبل آخر ينتظر كورتيس، فبعد أن نجحت الحملة في إخضاع كوبا أصبح فيلاسكيز حاكما لها، ومن ثم عَيّن كورتيس وزيرا له، وتطورت الثقة بين الرجلين أكثر بزواج كورتيس من أخت فيلاسكيز، ورغم المكانة التي وصل إليه كورتيس، إلا أنه كان متطلعا لما هو أكثر من ذلك بكثير.
لطالما كان كورتيس منبهرًا بحسابات المستكشفين السابقين وما نالوه من مجد وكنوز لا حدود لها، لذلك حينما عرض عليه الحاكم فيلاسكيز قيادة رحلة استطلاعية نحو ساحل المكسيك الذي لم يكتشف بعد، وافق على الفور، إلا أنه لا يزال ينقصه كثير من التجهيزات والبحارة المقنعين.
لم يجد كورتيس نفسه إلا بائعًا لجل أراضيه ومنفقًا لكثير من ماله الخاص، كل هذا في سبيل تسريع وتيرة الرحلة والتعجيل بها، وعلى جانب آخر استطاع إقناع كثير من البحارة والمحاربين الجسورين ذوي الشأن بالانضمام إليه،لكن هذا الجهد المضني ألهب في نفس الحاكم كثير من الغيرة والشكوك حول كورتيس
الغيرة والشكوك في نوايا كورتيس دفعت الحاكم فيلاسكيز إلى اتخاذ قرار بالعدول عن الرحلة تمامًا، لكن وصول رسول فيلاسكيز إلى كورتيس كان متأخرًا، فقد كان الأخير في لحظاته الأخيرة قبل الانطلاق مع رجاله نحو المكسيك، استمع كورتيس لقرار فيلاسكيز وألقاه وراء ظهره ومن ثم انطلق.
إحدى عشرة سفينة تحمل أكثر من ٥٠٠ رجلا و ١٨ حصانا و١٤ مدفعا تشق عباب البحر في طريقها نحو مجهول غير محتمل العواقب، حطت السفن رحالها على ساحل المكسيك عام ١٥١٩، لكنها لم تقابل بالترحاب بل بسهام وسيوف وموت محدق.
انقض السكان الأصليين الذين يسكنون الساحل على كورتيس ورجاله، لكن ما لبثت المدافع والسيوف الحديدية اللامعة أن وضعت حدا للموقف، وأجبرتهم على الاستسلام والتواصل السلمي بل وتقديم القرابين والطعام والعبيد كتعبير عن حسن النية.
كان هذا الاتصال السلمي مع هذه القبيلة بمثابة باب فتح على مصراعيه أمام معرفة دقيقة من قبل كورتيس ورجاله بما ينتظرهم على أرض المكسيك، حيث أرشدتهم القبيلة إلى مواقع الكنوز وطبيعة السكان ومركز السلطة والحضارة على أرضهم.
لتحصل بعد ذلك المفاجأة بعد تعمقهم بالدخول كورتيس ورجاله الخمسمائة أمام سد منيع وحضارة ذات قوة ومنعة كبيرتين، حضارة خطت ذاتها على أرض المكسيك كإمبراطورية شاسعة تضم تحت ظلالها أكثر من ثمانية مليون شخص،نشأت فقط قبل ٢٠٠ عام من دخول الإسبان،وكانت حينذاك في أوج ازدهارها
حضارة الآزتك!
لم تعرف حضارة الآزتك السيوف الحديدية، لقد صنعوا أسلحتهم وسهامهم من حجر السبج، واستطاعوا بناء دولتهم في صورة متمايزة تماما عما هو معهود في العالم القديم، فشيدوا المعابد الدينية والمباني الإدارية وقصور الحكم بصورة عمرانية مبهرة، كما طوروا نظما استثنائية للري.
هرم حجري شاهق الارتفاع يقع في 340 درجة وعلى قمته يوجد مذبح بشري تؤدي فيه طقوس بشعة، حيث يؤتي بالشخص المختار ومن ثم يوضع مقيدًا على حجر كبير، ليشق أحد الكهنة صدره نازعًا قلبه وهو حي، وحاملًا ذلك القلب -الذي لا يزال ينبض- بكفيه جهة الشمس، كل هذا ضمن طقس ديني غريب.
كورتيس أمام هذه المعلومات يدرك مدى ضئالته برجاله الخمسمائة، لذلك فكر مليًا وألان طرفه للقبائل المحلية من حوله، حيث كسب ودهم وأظهروا تضامنًا معه ضد الآزتك، الذين لم ينفكوا يهاجمونهم ويسوقونهم تجاه مذابحهم وطقوسهم الدامية.
تحالف كورتيس مع سكان محليين وزاد من عدد قواته ما استطاع، لكن تلك الزيادة لم تكن بتلك الضخامة التي تؤهله أبدًا للوقوف حربيًا ضد الأزتك، ومع ذلك قرر المجازفة والسير برجاله تجاه تينوتشتيتلان عاصمة الآزتك ومركز حكمهم، والتي بنيت على جزيرة وسط بحيرة تيكسوكو.
الحظ يقف مع كورتيس فحين علم مونتيزوما ملك الأزتك بوجود غرباء ذوي بشرة بيضاء على مشارف عاصمته، تلاقى ذلك لديه مع نبوءة تتحدث عن قدوم إله ذو بشرة بيضاء، لذا دعاهم على الفور للدخول إلى المدينة ومقابلته، حيث عاملهم بلطف وأحسن إليهم، لكن كورتيس ورجاله انقضوا عليه وأخذوه كرهينة في قصره
في تلك الأثناء كانت قوات إسبانية تحط على الساحل المكسيكي هدفها الإمساك بكورتيس الغازي الخارج عن القانون، لذلك أبقى كورتيس على بعض رجاله في العاصمة ممسكين بملك الأزتك، وانطلق مع بعض رجاله كي يواجه القوات الإسبانية التي تسعى لاعتقاله.
بعد خروج كورتيس أوقع نائبه مجزرة بشعة بحق نبلاء الأزتك، انتفض على إثرها الناس وحاصروا الحامية الإسبانية، في خضم الأحداث سهم موجه يودي بحياة ملكهم المأسور مونتيزوما، ومن هنا صب شعب الأزتك جام غضبه على رجالات كورتيس الذين تفرق مصيرهم بين قتيل وغريق ومضحى به للآلهة.
كورتيس خارج حدود العاصمة ناجيًا مع نفر قليل من رجاله، ليستجمع أمره ويلجأ إلى حلفائه من السكان الأصليين وعوض النقص العددي لديه بهم، وبنى سفنًا جديدة وثبت عليها ما بحوزته من مدافع، واستعد لحصار عاصمة الآزتك.
تعلم الأزتك من أخطائهم وقاوموا الغزاة بكل ما يستطيعون، فنصبوا الفخاخ الليلية وقاوموا كل التوغلات، كل هذا وأصوات المدافع وغارتها لا تتوقف عن إصابة مبانيهم وقواتهم، وبعد ثلاثة أشهر من الحصار لم يجد كورتيس سبيلًا لإحكام سيطرته سوى سياسة الأرض المحروقة.
اعتمد كورتيس اختراق العاصمة ليلًا وحرق كل بيت تصل إليه يده، ومع مواصلة التقدم والانتشار أصبحت بهم تينوتشتيتلان الكائنة وسط الماء قطعة من الجحيم، وبمقتل ملك الأزتك الجديد انهارت رسميا حضارة الأزتك عام 1521م، وفي خضم ذلك ارتكب كورتيس ورجاله أبشع المذابح بحق من تبقى السكان.
استولى الأسبان كليًا على المكسيك ونهبوا خيراتها واستولوا على كامل كنوزها، وحط المبشرون المسيحيون على تلك الأراضي ورفعوا الصلبان وأجبروا من تبقى من السكان الأصليين على اعتناق المسيحية، وفي تلك الأثناء استمر اضطهاد السكان الأصلين واستعبادهم وكذا استغلالهم في العمل والزراعة.
أما الأوبئة والأمراض الجديدة التي قدم بها الأوربيون إلى العالم الجديد فقد تكفلت هي الأخرى بالقضاء على ملايين من السكان الأصليين، وانخفض عبر كل هذه الأحداث مجتمعة عدد سكان المكسيك خلال قرن واحد من 20 مليون نسمة إلى مليون وستمائة ألف نسمة.

جاري تحميل الاقتراحات...