عُــمــر
عُــمــر

@eemarqi

40 تغريدة 33 قراءة Dec 30, 2020
١_لو كان هناك مناظرة بين أكاديمي من جامعة عالمية وإمام مسجد صغير في قرية نائية حول وجود الله، الغلبة وفقاً لموضوع المناظرة ستكون للأكاديمي لما له من ضلوع في قواعد المنطق والمحاججة التي لا يمتلكها ذلك الإمام البسيط وقد يمتلكه غيره من الدارسين.. في الأعم الأغلب هل سيلحد ذلك الإمام؟
٢_في الأعم الأغلب لا، لن يلحد وسيتمسك برأيه!
العبرة أن الإلحاد العربي بشكل أخص يحتاج لجاهزية نفسية مرتبطة بالظروف الاجتماعية، ولا علاقة له بأي تساؤلات وجودية أو المناظرات والجدالات.. بل التساؤلات تأتي تباعاً تعبيراً عن النقمة لما آلت إليه الظروف ومنغصات العيش.
٣_الإلحاد ثمرة الإعلام الغربي الذي يصنع البديهيات الفكرية كما يشاء عبر الأخبار والأعمال الفنية، وليس كل ملحد ألحد وترك الإيمان وتخلى عن وجود الله بعد تأمل وسعة بحث، الإلحاد وهم وموضة رائجة.
٤_الملحد الحقيقي والذي يلحد عن دراية وعلم وتأمّل لا يتطرق لمواضيع تخص البيئة التي يعيش فيها ويجعلها سبب إلحاده. الملحدين العرب بواعث إلحادهم أمور نفسية وسخط إجتماعي وردة فعل على الخطاب الديني البائس والسطحي، ولا علاقة لهم بالعلوم أو الفكر.
٥_في عالمنا العربي كثير من الملحدين لا يملكون مشروعاً بديلاً متكاملاً، ولا يقدمون فلسفة عميقة، مجرد نقد لم يُبنى على عمق، إنما هو ركوب لموجة عارضة ونقد لجزئيات غير مترابطة، لا ينطلق نقدهم من عمق وفلسفة وسبر غور لما ينتقدون، لذلك تأتي كتابات كثير منهم متناقضة ومضحكة.
٦_الملحد العربي يتبنّى خطاب استئصالي، يقاتل طواحين هوائية، ويظن أن الحل هو اجتثاث الأديان الموجودة منذ بداية تحضّر الإنسان، بينما الحل هو الإصلاح السياسي و الديني، لا احدهم، لذا خطاب الملحد العربي حالم وعاطفي، لن يرى النور، ولا يحلم باستئصال الدين سوى المتطرف.
٧_كان هرتزل مؤسس المشروع الصهيوني ملحدا، كذلك الكثير من قادة الكيان الصهيوني الاوائل، لكنهم كانوا متصالحين مع دينهم وكان هرتزل يعتقد أنه لا عودة لإسرائيل إلا بالعودة لليهودية، كان يعلم هو وغيره من قادة هذا المشروع ما تمثله اليهودية للشعب اليهودي وأنه لا يهود بغير يهودية.
٨_وحتى في الغرب لا تجد عند الملحد الأوروبي ذلك الهاجس التبشيري بنشر الإلحاد ومحاربة الأديان إلا عند قلة، خاصة أن المسيحية في الغرب تراجع وجودها، لكن رغم ذلك الغربي لا يرى وجوده وتعريفاً لنفسه بغير قرون من المسيحية، فهي جزء لا يتجزأ من كينونته الحضارية.
٩_وأن ترى رئيس دولة كبوش وترامب يوظف العقائد البروتستانية في خطابه السياسي أو يحضر قساً للبيت الأبيض، وأن الكنيسة الإنجيلية هي سيدة قرار اميركا، لهو أمر طبيعي جدا، وحتى الشعب، فبحسب بعض الإحصائيات أن 60% من الشعب متديّن، ويذهب يوم الأحد إلى الكنيسة.
١٠_لكن اليوم في المجتمعات العربية وفي ظل فوضى كل شيء اصبح الإلحاد موضة عند بعض المراهقين. يقرأ لك بعض روايات دستويفسكي، ثم كتابين عن الفلسفة، فيبدأ بنشر منشورات حول العدمية التي يشعر بها وعن عقليته المغتربة التي لم يدرك عظمتها مجتمعه المتخلّف الذي يتبع رجال الدين المتخلفين!
١١_وأحيانا ينشر صور لنساء عاريات كتعبير عن تحرره وليس كبته الذي يرهقه دون أن يشعر أو صور لأنمي حزين تعبيرا عن قلقه الوجودي بسبب الإسهال الفلسفي الذي يعانيه وعيه المثقل جراء رائحة جواربه العفنة، وبين عشية وضحاها يتحول المراهق المتمرد بطل رواية الحارس في حقل الشوفان لربوبي ثم ملحد.
١٢_ويفتح حسابا على تويتر ويسمي نفس محارب الأديان، ويبدأ بنشر صور التنوير، وعناوين من جنس اطعام يتيم خير من بناء ألف جامع، وهو يشرب زجاجة ويسكي ثمنها وجبة لمشرد يمر أمامه دون ان يعبأ به، وينشر صورة لأنجلينا جولي وشيخ مكفهر الوجه، ثم يعلق حول عظمة الإنسانية التي لا دين لها.
١٣_الملحد العربي يعتبر المؤمن دوغمائي، كما يرى الليبرالي نفسه عقلانياً في مقابل دوغمائية المحافظين، ولو سألتهم ماذا تعنون بالدوغمائية لقالوا هي الجزم بصحة الآراء والثقة العمياء بها، والحقيقة أنهم واقعون في هذه الدوغمائية، فلا يخلو إنسان من بعض الآراء التي يقطع بصحتها وينافح عنها.
١٤_حتى العبثي الذي ينكر الحقائق دوغمائي يؤمن بنسبية الحقيقة ويجزم بصحة هذه الفكرة ولا يرضى بالتشكيك فيها، فالدوغمائية إن كانت تعني الثقة بالرأي والدفاع عنه فكلنا دوغمائيون، أما طريقة الدفاع عن هذه الآراء والأسلوب الذي تعرض فيه فهي مسألة أخرى.
١٥_أما إن قصد بالدوغمائي من يظهر له الحق جلياً فيعاند ويتمسك برأيه، أو من يتعصّب لفكرة دون النظر الدقيق فيها، فهذا ما يقع فيه البعض، لكنه ليس حصرا على جماعة بعينها، فتجد الملحد الدوغمائي كما تجد المتدين الدوغمائي.
١٦_تجرد الملحد من الدين لا يعني ظهور إنسان موضوعي يحكم على الاشياء بعيدا عن العاطفة، بل أن الملحد متحيّز لثقافته عندما يظهر صراعها القديم مع ثقافة اخرى، فمثلا الملحد العربي "ذو الخلفية الشيعية" رغم تركه للدين، فهو يظل مسكون بكل الترسبات النفسية التي كان يعتقدها وهو ما يزال شيعي.
١٧_فقد تجد ملحد شيعي ترك الإسلام لأنه دين دموي انتشر بالسيف، ولكنه في نفس الوقت يؤيد بشار الأسد!
وحتى الملحد الغربي يسكن تحيّزات تاريخ ثقافته المسيحية القديمة كصراع أوروبا مع الإسلام وقبول من المسيحية ما قد يشنع على الإسلام.
١٨_ورود التساؤلات على النفس البشرية أمر طبيعي، لكن الهروب من هذه الأسئلة الوجودية التي ربما لا يملك الإنسان الإجابة عليها إلى إنكار وجود الخالق لا يحل المشكلة، بل يزيد الطين بلة، ويفتح أبواباً لأسئلة وجودية أخرى لا يستطيع الإجابة عليها.
١٩_فإذا كان يحار في حالة الإيمان تجاه أدلة جود الخالق وتفسير مشكلة الشر وما إلى ذلك فإنه في حالة الإنكار يحتاج إلى تفسير هذا الوجود الذي نعيشه ومعناه ومنظومة الأخلاق والخير والشر..الخ، فإذا غاب الخالق صار كل شيء عبثيا لا معنى له وانهارت كل المنظومات الأخلاقية وفقدت الحياة معناها.
٢٠_يذكر الباحث الفلسطيني همام يحيى أنه عاش تجربة شكوكية بعدما كان متدينا بحكم النشأة، ثم عاد لاحقا إلى الإيمان بوجود الإله، وقال كلمة جميلة وهي أن المنظومة الإيمانية -برغم ثغراتها- أشد تماسكاً من المنظومة الإلحادية، والأسئلة المطروحة في الأولى أيسر من الأسئلة المطروحة في الثانية.
٢١_بقي شيء أخير أحب التنبيه عليه، وهو أن المحاكمة العقلية النظرية لهذه المسألة ليست كافية، بل ينبغي إطالة التأمّل والتفكر في هذا الكون، في الإنسان والحيوان والجماد، هذا التأمّل لدقّة الصنع واستحكامه وإذهاله يورث يقيناً في النفس أن هذا الشيء لم يأتِ من لا شيء.
٢٢_ولا يمكن أن يكون عبثياً لا معنى له، وحينها على الأقل نستبعد فرضية عدم وجود الإله.
٢٣_يقول إميل دوركايم إنه لا إمكانية للخروج من الدين، فلا تكاد تختفي أشكال دينية استنفدت أغراضها، إلا حلّت أخرى محلها، (كما لو أن الحياة الإجتماعية تخشى من الفراغ الديني).
ثمة حاجات بشرية للعبادة والانتظام في الشعائر والطقوس الجماعية لا بد أن تبحث عن متنفس لها حتى في ظل الإلحاد!
٢٤_في مطالع القرن العشرين تنبأ (ماكس فيبر) بأن علمنة الثقافة لا تؤدي إلى القضاء على الدين فحسب، بل إلى تقهقر الثقافات نفسها، وهو بذلك يشير إلى مصدرية الدين وتجذّر روحه في الفنون والأخلاق والخبرة الإنسانية والمعيارية الثقافية، وما يبعثه من حوافز واستعداد للإمتلاء بالمعنى والأمل.
٢٥_العالم الذي تقترحه الرؤى الإلحادية فقير سطحي وركيك، ويمعن في زعزعة أطياف المعنى والقداسة والغاية، والآداب الكلاسيكية وضمانات التقاليد والخبرة التاريخية، وجدلية الثبات والتحول، والدراما الأخلاقية، والتدافع بين الحدود والحرية.
٢٦_تشترك كل الديانات بالاعتقاد الماورائي، لكنها تختلف في تصوراتها، وفي هذا دلالة على شعور عميق لدى الإنسان بأنه عالق في مأزق وجودي غير مفهوم.. ولو لم يكن هذا الشعور أصيلا في الإنسان لما تمكّنت الديانات من أن تنتشر بهذا الشكل الواسع، وبهذا التنوع المذهل.
٢٧_توفير الديانات لتصورات أكثر ثراء لعالم الغيب ساهم في انتشارها وكان من عوامل نجاحها.
٢٨_ هل انتهى الدين في الغرب؟
هذا الكتاب فيه دراسة تحاكم أطروحة العلمنة الاجتماعية التي تنبّأت بنهايته
وفيه إحصائية عن حيوية التدين حتى التسعينات.. وهذا عكس ما يصدّقه كثير من الملاحدة العرب من أن التدين في الغرب قد انتهى، وهذه الدراسات لا تعني أن كل تدين صحيح.
٢٩_لكنها تكشف عن حاجة الإنسان الفطرية للتدين التي صمدت أمام محاولات الاقتلاع والاجتثاث العنيفة، التي قامت بها مختلف النزعات المادية، حتى حاول عالم الاجتماع أوجست كونت استبدال الدين بالعلمِ كدين جديد يغني عنه، لكن ذلك فشل ولم يحدث.
٣٠_يقرر مارسيل غوشيه أن الدين ظاهرة أصلية تُلازم الوجود الإنساني، كما أنها إلى جانب ذلك لها خَصيصتين:
-أنها ظاهرة كونية، لا يكاد يخلو منها مجتمع.
-ومتكررة، أي ذات حضور طاغٍ في أي اجتماع بشري.
-الحبيب عياد، الكلام في التوحيد، ص ٥١-
٣١_جون لينوكس (م1945-)، أحد أهم نقّاد الإلحاد الجديد، وكاتب معروف في قضية العلاقة بين العلم والإيمان، وهو أستاذ بجامعة أوكسفورد ومتخصص بالرياضيات وفلسفة العلم، له كتاب (العلم ووجود الله)، وهو أقوى كتاب له.
٣٢_حيث يفنّد فيه أبرز المستندات العلمية التي يعترض بها الملحدون على الإيمان بالخالق من زاوية تخصصه العلمي.. ويمكن اعتباره مرجعاً للنقاشات المعاصرة حول الإيمان والعلم، وذلك لغزارة موضوعاته ومراجعه المتعددة، وهو يقع في ٣٨٤ صفحة.
٣٣_وليام لين كريغ (م1949-) باحث أمريكي متخصص في فلسفة الدين، وأشهر لاهوتي في العالم، وناقد بارز للإلحاد المعاصر، له عدة مؤلفات، منها كتاب (الدليل الكوسمولوجي الكلامي) وقد صدر عام 1979م.
٣٤_خصص المؤلف كتابه هذا ليؤسس دليل الحدوث أو الدليل الكوني تأسيسا معاصراً، بعد أن استمد صيغته من علم الكلام الإسلامي وصار يسمى (الدليل الكلامي)، ركز كريغ على الاستدلال على حدوث العالم بنظرية الانفجار العظيم، وتحديد مبدأ السببية.
٣٥_كما ناقش معارضي "إبطال التسلسل" من الملاحدة الذين يستندون على حجج مستمدة من مفهوم اللانهائية لدى عالم الرياضيات جورج كانتور، الكتاب مهم، ويستحق الترجمة.
٣٦_ صنف ضمن عوام المسلمين وصنف ضمن عوام الملحدين يجمعهما إيمان واحدة رغم تناقضهما هو الإيمان بعقلانية البشر. كلاهما يؤمن بأن وجود من يخالفهما في المعتقد هو بالضرورة قضية سوء فهم وجهل. غير المسلم بالنسبة للمسلم من هذا الصنف (وقد يكون محقاً أحياناً).
٣٧_ما هو سوى إنسان لم تسنح له الفرصة للاطلاع على الإسلام ومعرفة حقيقته غير المشوهة وإلا كان حتماً سيشهر إسلامه على الفور، وحتى من يترك الإسلام (بنظر المسلم) هو مجرد نتاج فهمه السطحي ويكفي الرد على ما استشكل عليه ليعود الابن الضائع مهرولاً إلى الصراط المستقيم.
٣٨_أما المتدين بالنسبة للنسخة الملحدة (وقد يكون هو الآخر محقاً أحياناً) فهو أيضاً مسكين نتاج التقليد والانغلاق ولو قرأ لأولئك الكُتاب العظام الذين قرأ لهم لتنور عقله وترك معتقداته البدائية واستبدلها بالوعي المرهق، بالنسبة له المتدين لم يفتح كتاب في حياته وبالكاد خرج من كهف!
٣٩_كلاهما لا يمكنه تصور أنه قد يوجد أشخاص يعرفون عن معتقداتهما ربما أكثر منهما ورغم ذلك لم يتأثروا بها ويصرون على موقفهم منها. كلاهما لا يتصور أنه يمكن لكثير من البشر أن يتعرفوا على الصواب ومع ذلك يختارون الخطأ.
٤٠_مثل المدافعين عن فكرة الأرض المسطحة الذين يعرفون عن أدلة كروية الأرض أكثر بكثير من 99% من غير المختصين الذين يقولون بكروية الأرض، ومع ذلك يصرون على تسطحها.. لا يمكنك إقناع الجميع ولا حتى أغلبهم.

جاري تحميل الاقتراحات...