أخرج الآن ببطئ من المنزل بخطوات غير منتظمة ، أخرج لا لشيء إلا للخروج ، نعم للخروج من جو المنزل الذي ألقى عليه الغياب بظلامه فأمسى كئيبا يرى حزنه من وراء جدره.اتجهت خطواتي نحو مكاني مرتفع حذو الطريق العام حيث ضجيج السيارات وصوت الأطفال يصنعان حدثا بالنسبة لي ، كيف لا وأنا الآن=
لاجئ من جوف الصمت الناطق الذي لا يترك هاجسا أو وهما موحشا إلا أحضره أمامك في كامل صورته البائسة،فاستعين بهذا الضجيج على شق ثوب ليلي ، كما يفعل الزراع بغنائهم وهمهمتهم على أشغال الحقل،أختفي وراء أشجار الضجيج كي لا يراني عمال الليل ، فيكسروا رأسي بمعاول الذكريات وفؤوس المستقبل =
،فما أنس النهار إلا من ضجيج البشر ، ألا ترى نهار الفلاة كليلها أو أشد ، إذ هو سكون يعقبه سكون وظلمة ، فيركبك هم الليل وغمه وأنت في وضح النهار...
ولهذا ترى الجبان مقداما وحوله صياح الجند وهتافهم وإذا خلا كان نعامة وسط الضباع، وماذلك إلا من الصمت وخلو الحركة. =
ولهذا ترى الجبان مقداما وحوله صياح الجند وهتافهم وإذا خلا كان نعامة وسط الضباع، وماذلك إلا من الصمت وخلو الحركة. =
وأضرب لك مثالا لا يلوح معه شك ولا اعتراض ، الصبي وهو رضيع لا يعلم من الدنيا سوى ثدي أمه، ألا تراه حال السكون باكيا نائحا فإذا حركته أو همهمت له خمد خوفه واستأنس ونام ! وما أفول الشمس إلا تضجرا من الليل ومللا من الصمت .
بعد قليل سيقل صوت المركبات ويتضائل صراخ الأولاد ،=
بعد قليل سيقل صوت المركبات ويتضائل صراخ الأولاد ،=
وتبرز للوجود معالم وصور كأنها لم تكن من قبل
فأنا الآن أرى منزلا بكامل صورته لا تكاد ترى نصفه في النهار ذلك لأن دكاكينه مفتوحة وسلعه تسلب الأنظار ، وتلك محطة المسافرين قد خلعت للنوم ثيابها واستلقت على ظهرها متباعدة الأطراف تشتكي من ثقل النهار من حرب لا قتل ولا سبي فيها =
فأنا الآن أرى منزلا بكامل صورته لا تكاد ترى نصفه في النهار ذلك لأن دكاكينه مفتوحة وسلعه تسلب الأنظار ، وتلك محطة المسافرين قد خلعت للنوم ثيابها واستلقت على ظهرها متباعدة الأطراف تشتكي من ثقل النهار من حرب لا قتل ولا سبي فيها =
إلا ما يحصل في كل مكان بقدر مقدر، فتراها شاسعة واسعة كراسيها خالية وأشجارها بارزة. نعم هذه حياة الليل وروعتها ،كخشبة المسرح تغير من مشهد لمشهد رسمها حتى تظن أنك في مكان غير الأول.
فسكون الليل وروعة الظلام يضيئان شوارع الأرض وينزعان عن كل جميل ثوب الذبول فيتجلى في الليل =
فسكون الليل وروعة الظلام يضيئان شوارع الأرض وينزعان عن كل جميل ثوب الذبول فيتجلى في الليل =
جمال الجبال وبهاء النخيل ، ويستيقظ بالليل كل مليح حتى الوحوش البارزة ليلا هي في الحقيقة جمال وحسن ، تماما كشوك الورد ، وقرون الغزال ، فالليل محمي بتلك الوحوش من جند النهار ، وما غياب الشمس إلا خوفا من بأس النجوم وبهاء القمر ، وما أحلام الليل والتقاء الأرواح إلا من سكن الجسد =
وما رمي الشهب إلا احتفالا بانتصار الهدوء وأعوانه ، حتى أن ذلك الصبي الباكي النائح لك يفهم فقط ، إذ لا لغة له سوى ذلك الصوت فهو يشدو به فرحا معبرا ، غير أن أعوان النهار لا يفقهوا كلامه فيكسروا فرحه بأصواتهم المزعجة ودعاباتهم المقرفة فيصمت حيلة ويسكن هدنة لعله يحظى بنعيم الليل..
@Rattibha
من فضلك .
من فضلك .
جاري تحميل الاقتراحات...