أبو خالد
أبو خالد

@AbdulqdoosA

15 تغريدة 159 قراءة Oct 09, 2020
سلسلة تغريدات عن خرافة المؤثرين (الإنفلونسرز)
يطلّ علينا برنامج #برلمان_شعيب بمجموعة من الشباب العربي ليقدموا تجربة سياسية عربية في برلمان افتراضي يناقش قضايا الأمة. الفكرة جميلة. لكن بين الفكرة وتطبيقها ما بين صور الملابس التي نشتريها من الانترنت على المودلز وارتدائنا لها.
تم اختيار مجموعة من مشاهير المواقع الاجتماعية للمشاركة في البرنامج، وبدل أن يقدم لنا البرنامج تجربة سياسية عربية جميلة -حتى ولو كانت افتراضية- وجدناه يقدّم لنا ورشة مجانيّة لفحص وباء الشهرة والنجومية.
بعد دقائق من بداية الحلقة الأولى وتأدية القسم الذي يقضي باحترام رأي الأغلبية وتمثيل مصالح الناخبين، تنتحبُ إحدى المشتركات لحصولها على أقل أصوات في الترشح لنيابة رئيس البرلمان. لو انتهى المشهد عند هذا لقلنا ضعفٌ بشريّ يعتري من يتعرض للخذلان.
تشرح لنا المهزومة سبب بكائها وتقول: لو كانت منافستي شخص يستحق أن أخسر أمامه ما زعلت، لكن المشكلة -مع ضحكة ازدراء- زيرو إنجاز وزيرو وعود! ثم أخذت بالحديث عن الخسائر التي تلقاها البرلمان لعدم ترشيحها وتفويتهم على أنفسهم مكسب تصديرها .. =
= وفي أوج هذه الحالة السيساوية يصيبها طائف من عبقريته فتقول: "لو انتخبوني ... كنت راح أوقّف بوجه الحق"! فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ (على نمط إلي ما يرضيش ربنا حنبقى معاه ندعمه..)
بعد حلقة كارثيّة شرحت لنا كيف يفكّر المشاهير في العالم الافتراضي بقيت أفكّر في أنماط هذه الشخصيات وأدير فكري في سلوكياتهم، فظهر لي بعد التأمل معانٍ أحب أن أشارككم إياها:
أولها أن عالم المشاهير يفقد صاحبه القدرة المائزة بين فضائله وعيوبه، فمع الشهرة والمديح يثقُل الانتقاد على النفس، ولا تزال أصوات المعجبين تغمره حتى تفقده القدرة على رؤية عيوبه حيث تبتكر لها النفس حيلة تجعل من العيوب = اتهامات المبغضين له.
تعزز المنصات نوازع الاستبداد لدى المشاهير، فإسكات أي صوت غير مريح متاح وبسهولة. وهنا تتساوى قيمة النصيحة و الشتيمة، فكلاهما صوت مزعج في أذن المشهور. وحين يفقد هذه الخاصيّة في الواقع يلجأ إلى إلغاء الصوت المزعج بالإمكانات المتاحة لديه (ازدراء، تسخيف، عداء .. الخ)
تعتمد سلوكيات المشاهير على هذه المنصات على "الصنعة" فأنت لا ترى الصورة أو الفيديو الصادر عنهم إلا بعد محاولات ومحسّنات. وهذا مالا يتيحه الواقع لهم، فيبدو أن بين الصورة الشائغة (التي رسمتها لنا حساباتهم) وبين الصورة الواقعية فارق رهيب، وخيبة كبرى.
نحن لسنا الصوّر المحسّنة منا، وهنا يقع إغواء الشخصيات للمتابعين، فرؤية المتابع لما يعرضه المشهور عن نفسه ونسيانه لمبدأ "الصنعة" التي تصوغ كل المنشورات يجعله يتخيّل المشهور بصورة وهميّة لا وجود لها. فتكون ردات الأفعال من المشاهدين عنيفة عندما يرونها في الواقع، ويشعرون أنهم خُدعوا
شخصيّة المؤثر اغتيال لفكرة القدوة الطبيعية. فالقدوات شخصيات أهّلتهم مزاياهم وسلوكياتهم اليومية للتأثير في محيطهم الذي يلامسونه بشكل عفوي وطبيعي. بينما المؤثّر يبيع على متابعيه مواقف وسلوكيات مُعدّة ومصنوعة. ولذلك يكون أدنى اقتراب من شخصية المؤثّر ملغيا للمكانة والصورة التي صاغها.
السطحيّة مكوّن ملازم لغالبية المشاهير، لأن قيمة منتجهم لا تصدر منه، وإنما من تقدير الناس له وهذا عامل لا يتحكم فيه المشهور، وإنما الوسط الذي ينشر فيه. ثم إن لسوق الشهرة إكراهات تستدرج المشهور فيصير معها عارضا لما يروج عند الناس بغض النظر عن عمقه.
تعاطي المشاهير مع القضايا الكبرى تقوم على تسجيل الموقف اللحظي (بوست، صورة في مظاهرة، فيديو ترويجي الخ). وليس على النضال وتسخير الوقت والجهد والمعايشة لتلك القضايا على المدى الطويل، وعليه فمعرفتهم بتلك القضايا يكون سطحيًا بقدر تعاطيهم معها =
= وربما تطغى شخصيتهم التي هم أكثر ملابسة لها ولتلميعها من ملابستهم للقضية، فتسحرهم فكرة "الاتحاد" لاقتران أسمائهم ببعض القضايا، فيصبح الإساءة لأشخاصهم جناية على القضية التي يناصرونها!
يقوم النضال الافتراضي الذي يمارسه المشهورون على توثيق المشاركة في قضية ما، لا الاهتمام بالتغيير أو إحداثه، لأن هذا الأخير يقتضي منهم تفرغًا وصبرًا على المسافة البعيدة، والتراكم البطيء، وهذا لا يناسب طبيعة هذه المواقع.

جاري تحميل الاقتراحات...