عمرو بن طلال أبو قصي
عمرو بن طلال أبو قصي

@AmrTSa

14 تغريدة 20 قراءة Oct 08, 2020
هل الخير والشر أمور متأصلة في الشيء نفسه؟ أم أن الشيء محايد في أصله ولكن نتيجته هي التي تحدد إذا كان خير أو شر من وجهة نظر شخص ما؟
وهل يمكن أن تتغير خيرية الشيء وشرّه بعد انقضائه بحيث يصبح الشيء الذي تم الحكم على خيريته شرا إذا تغيرت الظروف
=
=
مثلا
تعرضت لحادث تسبب لك بكسر (شر) وتمت معاقبة الفاعل والحكم ضده بموجب القوانين والعدل
وعندما ذهبت للمستشفى اكتشفوا أن فيك سرطان في مرحلة مبكرة فعالجوه وأزالوه، ولو لم يقع الحادث لما عرف أحد بوجوده (أصبح الحادث خير، بينما لم يتم تكريم المتسبب به رغم أنه لم يقصد خيرا ولا شرا)
مثال آخر
غزا أتباع دين ما بلدك ودمروه واستعبدوك (شر) فسببتهم ولعنتهم لفترة ثم عرفت مع الوقت أن دينهم حق -بغض النظر عما فعلوه- وآمنت به بل وصرت متعصبا له بل وصرت تقاتل في سبيله وحرروك وصرت أحد قادتهم، فصار غزوهم واستعبادهم لك في نظرك خير لأنه عرفك بالحق وانقذك من الضلال والنار
لو كان الأمر كذلك فالمسألة مسألة قناعات
وبالتالي فكل "شرور" العالم يمكن القضاء عليها بدون ازالتها أو إزالة آثارها وذلك باقناع الناس بأنها "خير" وخصوصا الذين وقع "الشر" عليهم
فالخير والشر مجرد مواقف نفسية نسبية من الأشياء وغالبا ترتبط بالمصلحة سواء كانت مصلحة مادية أو نفسية
واذا كان الخير والشر كامن في ذوات الأشياء والأفعال بغض النظر عن نتائجها فلماذا يتم النظر في نتائج الأشياء من أجل الحكم عليها؟
مشكلة القوانين والمبادئ الأخلاقية أنها تحتاج لأن تطلق أحكاما تجاه الأشياء والأفعال ذاتها مبدئيا ومن الممكن لاحقا أن تغير حكمها بناء على النتيجة القوية
كما أن القوانين والأخلاق تحتاج لوجود "قواعد أساسية" يتم الانطلاق منها ليعرف الفرد خياراته المسموح بها بدل تركه يفعل ما يحلو له بحسب توقعاته عن المردودات والنتائج لافعاله
فالقتل قد يكون خيرا لكن القانون والاخلاق بحاجة لتجريمه بذاته لوضع حد له، وكذلك السرقة والضرب..الخ
فنحن دوما سنكون في منطقة رمادية بين اعتبار الأخلاق نسبية ومرتبطة بالمصلحة والنفعية من جهة (مدرسة النفعية) واعتبار انها مطلقة وعالمية ومرتبطة بذات الافعال والاشياء من جهة أخرى (مدرسة كانط)
وهناك حل تطرق له بعض الفلاسفة لحل هذا الإشكال وأشهرهم هو جون رولز حيث طرح فكرة "حجاب الجهل"
حجاب الجهل
Veil of Ignorance
هي فكرة تتضمن أن الحكم على أخلاقية وخيرية الأشياء والافعال يكون بافتراض أن تضع نفسك كشخص لم يأت للعالم بعد ولا يعرف كيف سيكون حاله ووضعه في العالم عند قدومه، فلا يعرف إذا كان سيولد غنيا أم فقيرا وفي أي طبقة اجتماعية وإذا كان سيأتي سليما أم مشوها الخ
تخيل أنك هذا الشخص وتعرف أنك آت للعالم ولا تعرف متى وأين وكيف ولمن ستولد
ما هي المعايير الأخلاقية والقوانين التي تريد أن يكون العالم عليها بحيث تضمن أعلى قدر من العدالة (أو لنقل النفعية) لنفسك
الموضوع هنا يختلف عن النفعية الدارجة التي تقيم كل فعل بظرفه ومكانه وزمانه
النفعية هنا هي ضمانة تريدها لنفسك دون معرفة الوضع والظرف والزمان والمكان الذي ستولد فيه علما بأنك ستولد جاهلا بأنك أنت من اختار هذه المبادئ وستبدأ الحياة كأي طفل أتى لهذا العالم بصفحة بيضاء (لا يعلم شيئا)
هذه التجربة الفكرية مثيرة بحق
وتستدعي أن تفكر جيدا
مثلا
هل تريد العالم أن تكون فيه مساواة بين الجنسين أم لا (ضع في اعتبارك أنك لا تعرف ماذا سيكون جنسك!)
هذه التجربة كفيلة بجعل الذكور يفكرون بجدية فيما سيترضونه من عدل لو كانوا إناثا، وكذلك الإناث لو كانوا ذكورا
ماذا لو كان الشذوذ الجنسي وراثي؟ هل تضمن أنك لن تكون أحد وارثيه؟
هل تريد عالما تسود فيه الرأسمالية وحرية السوق (قد تنتهي فيه تحت الاقدام) أم عالما اشتراكيا تقيد فيه الحكومات الاقتصاد وترفع الضرائب على الاغنياء (بما قد يهدد وظائف اتاحوها لغير الاغنياء)؟
أنت لا تعرف هل ستولد بذكاء عالي وفي أسرة ثرية صاحبة تجارة أم ستولد في أحد أحياء الفقر
رولز ومن معه يقولون بأن إجراء هذه التجربة الفكرية بصدق ستؤدي للتعرف على مبادئ أخلاقية مطلقة صالحة لكل زمان ومكان universal وأنها هي ما يجب اعتماده ويقول كانط بأنها حتمية مع تطور البشر وسيصلون لها
كانط يريدك أن تفكر قبل الإقدام على أي فعل: هل تراه صحيحا لو كنت خارج الوجود؟
عندما تكون فقيرا وتسرق محلا بالسطو المسلح
فكّر
هل سترضى بهذا الأمر لو أنك ولدت أغنى وأذكى قليلا واستطعت افتتاح بقالة وتعيل أسرتك منها؟
وإذا كنت غنيا وصاحب شركات دولية
هل سترضى بتدخل الحكومات في كل صغيرة وكبيرة في عملك وفرض ضرائب مهولة عليك وتحجيم حجم تجارتك وخدماتك؟

جاري تحميل الاقتراحات...