ولدت بمنزل خالتي في حي محرم بك بالإسكندرية، وكان والدي متغيبا في عمله بعيدا، فقد كان وقتئذ وكيلا لنيابة مركز السنطة.
أرسل زوج خالتي رسالة لأبي قائلا: أقبل أخينا ( أظن الصواب أخونا) مصحوبا بسلامة الوصول وقد رأيته فوجدته مثل أبيه، لكن بدون شوارب!!
ورد أبي بخطاب فوض الأمر إلى والدتي في تسمية المولود حيث لم يوفق إلى اسم له.
ورد أبي بخطاب فوض الأمر إلى والدتي في تسمية المولود حيث لم يوفق إلى اسم له.
ساعة نولد وساعة نموت..ساعات يلعب فيهما خيال الآخرين، لأنهما ليستا في حوزتنا.
كان زوج خالتي على شىء من اليسار فقد كان موظفا بالدائرة السنية، وكان ينفق كثيرا، خصوصا على شرابه وسهراته.
كانت خالتي أمية لا تقرأ ولا تكتب، و لا تُحسن غير التفكير في الخرافات الشائعة بين نساء جيلها، وكانت الخصومة والمقاطعة بين خالتي ووالدتي هي الحياة العادية، أما لحظات الصلح فعابرة، ولن أنسى أبدا حيرة جدتي بين ابنتيها، كان لا هم لها إلا التوفيق بينهما دون جدوى.
كانت أسرة والدتي من أهل البحر، ممن أطلق عليهم اسم البوغازية، وذكرت لي والدتي أن أصلهم من فارس، ولكنهم نزحوا إلى تركيا، وجد والدتي من أبوها ينسب لأبي يزيد البسطامي الصوفي، وجدها لأمها من قوله.
كنت وأنا غلام أجلس إلى جوار جدتي وهي تصنع قهوتها بنفسها، وكانت تحبني كثيرا لأني كنت أحسن الإصغاء إليها وإلى أملها الوحيد في الحياة وقتئذ، وهو أن يسود الوفاء بين ابنتيها.
ما من شىء كان يقف أمام إرادة والدتي، إذا طلبت وصممت عليه فلا بد أن تناله، وإن لها لمقدرة عجيبة في إخضاع جميع من معها لإرادتها.
كان جدي لأبي على ذمته أربع زوجات، عدا المطلقات، ولقد كان يحكى أن المزواجين في الريف، ما كان يعرف الواحد منهم أولاده أو يميز بعضهم من بعض، وإذا كانت ثياب الولد سابغة متقنة فهو من أولاد زوجة الجديد، لأن الزوج في العيد يعطي الزوجة الجديدة القماش أولا، ثم تلقي بما فضل للأخريات.
( إن شاء الله أكتب كذا تغريدة لصلاح عيسى ثم أرجع مرة تانية لكلام توفيق الحكيم)
صلاح عيسى: لم أعرف أن توفيق الحكيم كان يوما من أصحاب المواقف السياسية المحددة في أى موضوع، فهو رجل لكل العصور، وهو نجم مصر الفاروقية، والناصرية، والساداتية، لم يصطدم يوما بسياسية، ولم يتحمس لقضية=
صلاح عيسى: لم أعرف أن توفيق الحكيم كان يوما من أصحاب المواقف السياسية المحددة في أى موضوع، فهو رجل لكل العصور، وهو نجم مصر الفاروقية، والناصرية، والساداتية، لم يصطدم يوما بسياسية، ولم يتحمس لقضية=
صلاح عيسى: المواقف التي حفظها التاريخ لتوفيق الحكيم، كلها مواقف من قضايا طريفة، فهو عدو المرأة، وساكن البرج العاجي، وصديق الحمار، وحامل العصا، أما قضايا الاستعمار والصهاينة والديمقراطية فهي لا تليق بفيلسوف صنعت منه أخبار اليوم نجما على الطريقة الأمريكية.
صلاح عيسى: عاش توفيق الحكيم في مصر الملكية صامتا، على كثرة الفرص التي كانت تتاح له ليكتب وينشر، واكتفى بالهجوم على النظام الحزبي مبشرا بالمستبد العادل، وبعد 52 خرج ليقول أنه لم يكن راضيا عن الأحوال، وأنه كان يستخدم الرمز.
بعد وفاة عبد الناصر بعامين، ذهل الناس حين خرج عليهم الحكيم بعودة الوعي، وأنه اندفع في تأييد الثورة، وظل غائبا عن الوعي عشرين عاما، أسلم فيها عقله لعبد الناصر، وأيده، ثم اكتشف فجأة بعد موت الرجل أنه كان غائب الوعي يصفق لمن يستحق الازدراء.
توفيق الحكيم: كان والدي بارا بأبيه، مدافعا عن تصرفاته، فكان يقول أنه يكثر من الزواج(جد توفيق الحكيم)، لأنه بعد الزواج يخيب أمله، فيصحح الخطأ بالزواج الجديد حتى وفق إلى زوجة متمدنة، وتصحيح الخطأ فضيلة، وهو قول معقول.
( قلت: لأحظ تعليق توفيق الحكيم أن تبرير والده قول معقول !! )
( قلت: لأحظ تعليق توفيق الحكيم أن تبرير والده قول معقول !! )
توفيق الحكيم: نزح والدي مع بعض أخوته وأقاربهم زملائهم إلى القاهرة لطلب العلم، وكانوا يعيشون في سكن واحد، يجلبون طعاما من السوق: جبن أو فول، أما يوم الجمعة فهو يوم الترف والتنعيم، فيقبلون فيه على طبخ العدس.
في يوم جمعة اضطروا إلى ترك حلة العدس على النار في عهدة أخيهم الأصغر، الذي خرج يلهو مع رفاقه، وتسبب في فساد العدس، وهرب حين ضربه أخوته الكبار، فرأى والدي أن يربطه من وسطه بحبل ويعلقه بواسطة بكرة في سقف الحجرة، فكرة عجيبة تدل على عبقرية أبي.
( قلت: لاحظ اعجاب توفيق بفكرة تعذيب عمه)
( قلت: لاحظ اعجاب توفيق بفكرة تعذيب عمه)
التحق أبي مع زميله عبد العزيز فهمي بمدرسة الألسن، إلى أن تبين لهما أن مستقبل الحقوق أفضل، فسارعا بترك الألسن إلى الحقوق.
وقع بين يدي عدد قديم من مجلة الشرائع، قرأت أن مؤسسيها هم ثلاثة من طلاب الحقوق: إسماعيل صدقي، لطفي السيد، إسماعيل الحكيم - والد توفيق الحكيم-.
اخترع أبي سجائر من الزعتر، وقال: الزعتر أطيب رائحة، وأحسن مذاقا.
كانت أمي تقول: أنا أذكى من أبيك، وبالفعل فقد كانت صورة والدي أقرب إلى الانطفاء، أما فلسفته وتفانينه فإني لأعجب أنها كانت له يوما، وليست أدري هل مسئوليات القضاء والزواج والأسرة قد حطمت فيه كل شاعريته ؟!
تأخر والدي في الترقية لأنه التفت لصوت ضميره، وحكم عكس ما أراد الإنجليز يوم دبر الإنجليز مؤامرة ضد مدير البحيرة تنكيلا به، في قضية تعذيب خلال الحرب العالمية الأولى.
لعل ما يستلفت النظر أن عدد الحاصلين على الليسانس كانوا حوالي عشرة، وكان المتخرج يُوضع في أول درجات السلم، فلا يوجد دونه إلا السعاة، ومن هنا جاءت ولا شك متانة تكوينهم، فقد عرفوا العمل من أساسه، وكانوا يصعدون بعد ذلك درجة درجة.
قبل استكمل كلام توفيق الحكيم، عند سؤال واحد وجوابين، بخصوص قضية التعذيب التي حدثت في البحيرة عام 1916، وتسببت في عزل مديرها، وكان حينها محمد محمود باشا الذي سيصبح بعد ذلك رئيس حزب الأحرار الدستوريين، ثم رئيسا لوزراء مصر.
السؤال: لماذا عُزل محمد محمود من مديرية البحيرة عام 1916؟؟
الجواب الأول: رفع الأهالي شكوى إلى السلطان حسين ضد مدير البحيرة محمد محمود بسبب حالات التعذيب الوحشي التي أديت لوفاة بعض الأهالي، بالإضافة لآثار التعذيب التي ظهرت على نحو أربعين رجلا، فأمر السلطان بإحالة محمد محمود للمعاش
الجواب الأول: رفع الأهالي شكوى إلى السلطان حسين ضد مدير البحيرة محمد محمود بسبب حالات التعذيب الوحشي التي أديت لوفاة بعض الأهالي، بالإضافة لآثار التعذيب التي ظهرت على نحو أربعين رجلا، فأمر السلطان بإحالة محمد محمود للمعاش
الجواب الثاني: مصر كانت مستعمرة، وحالات التعذيب لو وقعت ليس لها كبير أهمية عند الإنجليز أو السلطان، خاصة في ظل أجواء الحرب العالمية الأولى، وحالات التعذيب التي كانت تحدث كانت بتعليمات لتسهيل جمع الأهالي لخدمه الجيش الإنجليزي ودوابه=
محمد محمود كان مديرا للبحيرة، وكان شديد الاعتزاز بنفسه، وكان يرفض استقبال المفتش الإنجليزي على المحطة، مما جعله محلا لتقدير الأهالي، وزاد من سخط الإنجليز عليه، فجرى تلفيق قضية تعذيب له، وحين نظر القاضي(أبو توفيق الحكيم) القضية وجد الأدلة ملفقة، ولا يوجد أى آثار على أجساد الأهالي=
توفيق الحكيم: انتقلت أمى بعد الزواج إلى المحلة الكبرى، وما كادت تدخل البيت حتى صدمت، فلم تجد هناك شيئا يؤكل، اللهم إلا علبة صغيرة فيها سمن، قد أغلق عليها بالقفل كأنها علبة جواهر، وصرخت حين علمت أن مرتب أبي عشرة جنيهات فقط، لأنها أهلها قالوا لها وقت الخطبة راتبه عشرين جنيها.
توفيق الحكيم: قالت لي أمي أنها ذهبت مع أبي إلى "ضغط الملوك" بعد ولادتي بشهر، لزيارة أهله، وحين قالت أمي إنها ستقطع لسان زوجة أبيه الجديدة بالمقص إذا أساءت إليها، سحبها أبي وهددها بالطلاق، وختمت أمي كلامها " خذلني أبوك يومها بنذالة"
توفيق الحكيم: كنت ادخرت عشرة جنيهات، جمعتها من مصروفي طوال عهود دراستي بالصبر والحرمان، فجاء أبي يوم يزف البشرى، أن المليون مارك سعره عشرة جنيهات، وظل يغريتي إلى أن ذهبت للبنك ودفعت العشرة جنيهات وحصلت على شيك بمليون مارك، وبعدها قررت ألمانيا إلغاء هذا المارك، وضاع كل شىء.
توفيق الحكيم: يظهر أن للكتب أقدارا وأعمارا مماثلة لأقدار الناس وأعمارهم، يعمر منها ما يعمر بغير سبب، ويختفي منها ما يختفى بغير ما سبب أيضا.
جاري تحميل الاقتراحات...