خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

36 تغريدة 14 قراءة Apr 17, 2021
31-تنسب الوضعية المنطقية نفسها لبرتراند راسل ولديفيد هيوم، لكن ما أبعدهم عنهما! كثيرون يسيئون فهم هيوم بالذات، لأنهم لا ينظرون له لوحده مستقلا، خارج التجريبية البريطانية. نعم، هو تجريبي، لكنه عقلاني أيضاً، ويستحق أن يُدرس لوحده، فهو أحد عمالقة الفلسفة الحديثة.
32-التجربة مهمة عند هيوم، لكنه لا يعترف بأن التجربة تستطيع أن تقدم لنا معرفة ضرورية كلية. هذا بحد ذاته يكفي لكي نرفض وصفة بأني تجريبي جذري. تقسيم الفلاسفة بين مادي تجريبي ومثالي عقلاني بلغ أشدّه على أيدي الماركسيين، وقد أدّى هذا التقسيم إلى تشويه أفكار العظماء وسوء فهمها.
33-بالنسبة لهيوم، العقل مجموعة من القواعد المنطقية الصورية التي تقوم بدور إيجابي لصالح عملية المعرفة. وعند هيوم، الطبيعة جزءً من العقل، بعكس التجريبيين والماديين الذين أخضعوا العقل للطبيعة. وهذا بطبيعة الحال، فيه إنكار للقوانين الموضوعية في الطبيعة، بحسب الرؤية الماركسية.
34-وبالنسبة لهيوم، ارتباط مبدأ السببية بالعقل ارتباط جوهري، لأن العقل يرتد في النهاية إلى السببية، وقد انعكس هذا على اللغة فكلمة Reason تعني العقل وتعني أيضا السبب.
35-الذي فعله هيوم مع الميتافيزيقا هو أنه خلصها من تصورات الميتافيزيقيين الكلاسيكيين، فأعاد تأسيسها من جديد وزودها بموضوعات جديدة ووسع دائرة أهدافها، وليس بصحيح على الإطلاق أن يقال إنه هدم الميتافيزيقا.
36-هيوم استعار شفرة(أوكام) ومارس التحليل حول طبيعة النفس البشرية وأصل العالم وصفة الله، ولم يكن ملحدا، بل كان يرى أن الله هو أساس آمال الإنسان وأقوى أساس للأخلاق وأوطد سند للمجتمع، كما قرر أن مبدأ الألوهة هو المبدأ الوحيد الذي لا يغيب عن أفكار الإنسان أبدا.
37-العقل عند ديكارت هو منبع الأفكار الفطرية، مع هيوم تحول العقل إلى بنية ذات مبادئ قبلية تعيد بناء الانطباعات الحسية وتوحدها في بنية واحدة.
38-عند الماديين، الضرورة تكمن في الطبيعة، أما هيوم فالضرورة عنده تكمن في العقل البشري، كتحديد أولي. هذا فرق كبير واضح يدل على ما تقرر في السابق من أن هيوم عقلاني/تجريبي، وليس تجريبيا مجردا، كما هو مشهور عنه.
39-لذا دافع كنْت في(مقدمة لكل ميتافيزيقا مستقبلية) عن هيوم وقال إن خصومه اتهموه بالشك في أشياء لم يخطر بباله الشك فيها مثل (مبدأ السببية)، وأنه قد حطم الأساس الذي يقوم عليه العلم. هيوم فيلسوف فتنته ثورة العلم التي كشفت ما في الميتافيزيقا من عيوب ونقص، فكيف يكون خصما لتقدم العلم؟!
40-التجربة عند هيوم، لا تقدم إلا تجاور بين السبب والمسبب، لكنها لا تقدم رابطة ضرورية تنبع من السبب نفسه تنتج المسبب. هذا النفي في الحالات الجزئية بين (س)و(ص)لكنه لا ينفي السببية كمبدأ عام من حيث هو مبدأ.
41- الذي قاله هو أن العقل لا يستنتج من كون س سبقت ص أن تكون س سببا لها، لأن علاقة السببية بينهما من حيث هي أحداث جزئية، لا يمكن معرفتها إلا بالتجربة. كنْت لم يدافع عن هيوم فقط، بل وافقه الرأي، على أنه لا يمكن أن ندرك بالعقل إمكان العلية، أي الاقتران بين وجود شيء ووجود آخر، ضرورة.
42-ولذلك كتب هيوم في "بحث في الطبيعة البشرية":
"هاتان الصفتان(القوة والضرورة)إنما هما صفتان للإدراك، لا للموضوعات، وتشعر بهما الذات داخليا، ولكن لا تدركهما خارجيا، في الأجسام".
وكتب:
"الضرورة شيء في العقل، لا في الموضوعات، وإذا لم تكن ممكنة هكذا، فلا يمكن تكوين فكرة ثابتة عنها".
43-كلام هيوم واضح،فهو لا ينكر انتظام الطبيعة،بل يؤمن بالضرورة السببية كتحديد عقلي،لا مجرد انطباع، لدرجة أنه يرى أن الأمور التي يتخلف فيها السبب عن إحداث النتيجة، لا تعني عدم الارتباط بينهما، وإنما حدث هذا لأسباب لم نكتشفها بعد،فالسببية عنده تتصف بالدقة الموضوعية التي لا تقبل شكا.
44-هذا ما اتضح لي اليوم. وقد كنت في السابق أتابع أستاذ الجيل د. زكي نجيب محمود في قوله إن هيوم ينفي السببية. قال هذا في كتاب له قديم يحمل اسم "ديفيد هيوم".
45-يتحدث هيوم أحيانا عن الرأي المحتمل، أو الاحتمال، لكنه لا يقصد أبدا العشوائية أو عدم الانتظام. هو احتمال يرجح رأيا على آخر، بناء على أسباب موضوعية وعقلانية تزيد من فرص صوابه، كما في حساب الاحتمالات في الرياضيات وهو علم عقلاني يتبع قواعد سببية. العشوائية لا مكان لها في عقل هيوم.
46-صرّح هيوم برفضه القاطع لمبدأ الصدفة، والصدفة لا تجتمع مع الإيمان بمبدأ السببية، وإنكار السببية يلزم منها الإيمان بالصدفة. هذا المبدآن لا يجتمعان إطلاقا، إذا حضر أحدهما غاب الآخر. رفضه للصدفة صريح وقاطع، إما كلامه عن السببية فكلام محتمل اتضح أنه ليس سوى سوء فهم.
47-هيوم بدأ رحلة التفلسف ومصدر إلهامه الثورة العلمية التي ختمت بنيوتن، ومبدأ السببية هو أداة العلم الأولى. كان ينبغي أن نستخلص ابتداء أنه لا يمكن أن يقف ضد مبدأ السببية، وإنما سعى لتوزيع المهام بين التجربة والعقل، مثلما أنه لم يسع للقضاء على الميتافيزيقا، بل سعى لاستصلاحها.
48-موقف هيوم من العالم الخارجي يختلف عن موقف الحِسيين والتجريبيين، فموقفه من هذه القضية تحدده الحجج الفلسفية، وليس التجربة. والحجج تقول إن كل ما يتبين للعقل ليس إلا إدراك، والإدراك هذا لا يتمايز عن العقل.
49-كتب هيوم:
"إن التجربة تقدم فقط الحدوس الحسية التي لايمكن أن تصير معرفة يقينية، إلا بعد تدخل العقل بفاعليته ومبادئه القبلية الكلية"
مثل هـذا النص يلقي بظلال من الشك على أصالة أفكار كنْت نفسه، لأننا وجدنا أصول النقدية الكنتية كلها عند هيوم، ووجدنا تشابها بينهما يكاد يكون تماثلا
50-كل تجارب هيوم التي أجراها هي تجارب فكر وليست تجارب حس، ليس فيما كتبه ما يمكن اعتباره ملاحظات وتجارب علمية على طريقة غاليلي ونيوتن. كل ما كتبه ليس سوى ملاحظات فيلسوف عقلاني يقوم على مقولات ومقدمات عقلانية.
51-الذي دلنا على هذه العقلانية، وكشف عنها الستار، وأماط عنها لثامها التجريبي المزعوم، هو تلميذه عن بُعد، إيمانويل كنْت.
52-منهج هيوم ظاهره التجريبية وباطنه العقلانية، إلا أنه هو نفسه، لم يكن يدرك هذه الحقيقة. أدركها كنْت. والسبب في هذه الغفلة أن المنهج العلمي الجديد له عدة ركائز، لم يدرك هيوم منها إلا ركيزة التجريبية. لماذا حدث هذا؟ لأن هيوم فيلسوف ولم يكن عالما، أما كنت فبدأ عالما وانتهى فيلسوفا.
53-عقلانية هيوم امتداد للعقلانية القديمة من جهة أنها تسعى لليقين خارج التجربة، فالتجربة عنده لا تتصف بالضرورة والكلية(وهما شرطا أي معرفة يقينية)ما لم يضمنها العقل، العقل الذي يتمتع ببنية سابقة على كل تجربة، بنية تحتوي المقولات(قوالب الفكر: الزمن والمكان والسببية والكم والكيف إلخ)
54-ومن جهة أخرى، عقلانية هيوم هي قطيعة إبستمولوجية مع العقلانيات الغربية القديمة، بل وهادمة لكثير من أسسها. تلبس بالفكرة عندما رأى إنجازات نيوتن وأسلافه، وإخفاق الفلاسفة في الاتفاق على أي شيء، فحاول دفع الفلسفة دفعة تجعلها تلحق بالركب، من خلال التلاقح العلمي/الفلسفي.
55-هذا التلاقح نتج عنه حوار خلاق بين العقل والتجربة بحيث أصبحت التجربة معقلنة ومُريّضة، نسبة للرياضيات. إلا أن هيوم يصرّ على أن الأولوية والمبادرة للعقل على التجربة، بناء على الأسبقية المنطقية للعقل، لكن على العقل أن يتعلم من التجربة بدلا من انغلاقه على ذاته.
56-العقل مقدم عند هيوم على التجربة لاشتماله على مبادئه الأولية(التشابه-التجاور في الزمان والمكان-العلية)والعلية تشتمل على الضرورة التي توصل للمعرفة العلمية، فلولا الضرورة لما كان هناك قوانين ولا معرفة ولا تجربة.
57-من هنا قرر هيوم أن الضرورة تحديد عقلي وهي ما يضمن قيام المعرفة اليقينية، لأن اليقين لا يمكن أن يقوم على أساس تجريبي متغير. الضرورة لا تأتي من التجربة، الضرورة حكم يصدره العقل.
58-نعم، لقد كان هيوم ضد عقلانية أفلاطون وديكارت(وقد بدأ ديكارتيا كغيره) وضد عقلانية الأسقف بركلي، لكن هذا لا يعني صحة المقولة بأنه نفى العقل وصار تجريبيا بالكامل. ما يبدو صحيح هو أنه أسس لعصر عقلاني جديد، يعيد تحديد العلاقة بين العقل الإنسان والطبيعة، في عقلانية نقدية.
59-وبعد كل هذا بقي هيوم - ومعه كنْت - يدور في فلك العقلانية القديمة، لأنه يعتقد بثبات العقل وواحديته، ككل العقلانيين. وكنْت مثله اعتقد بالثبات المطلق لصورة العقل ومقولاته ومبادئه، فتصور كنْت لجوهر العقل هو نفس تصور هيوم، إلا أن كنْت زاد في تنويع مستويات العقل ووسع عناصر كل تنويع.
60-هيوم وكنت، يؤمنان بأن العقل كامل. من هنا نفهم لم قال كنت إن المنطق علم ولد كاملا. لكن الابستمولوجيا الحديثة أثبتت بطلان هذه الفكرة، فالعقل ظاهرة تاريخية قابلة للتطور وفي كل مرحلة يتجاوز ذاته ليولد من جديد في بناء جديد.
61-كنْت قد غلبت عليه الواقعية، فهو لا يؤمن بتاتاً بأي منهج تاريخي، وبالتالي لا يمكن أن يقبل بالدارونية ولا بالهيغلية ولا بالماركسية، كل الفلسفات القائمة على التاريخ، مرفوضة ابتداء عنده.
62-يمكن أن نخلص مما سبق بنتائج متعددة، أكثرها بداهة، أن يتوقف طالب الفلسفة عن تصور الفلاسفة الألمان على أنهم فلاسفة العقلانية، وأن الفلسفة البريطانية فلسفة تقوم على التجربة، بلا عقل. تصور خاطئ بالمرة، لكن الخطأ إذا طال تكرار الناس له، يصبح شيئاً كالحقيقة المسلم بها.
63-كلما أمعنت اليوم في تأمل نصوص ديفيد هيوم، اعتراني شك في أصالة أفكار إيمانويل كنت. كل فكرة كنا نظنها كنتية اتضح أنها هيومية. وأن كنت كان مجرد شارح لأستاذه هيوم، مع إضافات جديرة بالاهتمام وتوسيع للمشروع.
64- هذا يعيدنا لرؤية هيغل، هناك عقل يتحرك ويتطور في التاريخ، يحاول أن يتصور الوجود في حركته، لا في سكونه.وكل هذه الفلسفات التي ينتجها، إنما هي فلسفة واحدة كلية، وأقوالها الجزئية متزمنة بزمن، بمعنى أن كل فكرة صالحة لزمن معين، ثم يتطور العقل من جديد، فيتجاوزها.
65-الفلسفة النقدية عند هيوم وكنْت، تساوي تماماً قولنا : الفلسفة العقلانية التجريبية.
66-عندما أقول إن عقلانية هيوم امتداد للعقلانية القديمة من جهة أنها تسعى لليقين خارج التجربة، فالمقصود هو تمييزها عن عقلانية القرن العشرين التي تبلورت مع كتاب (مفهوم العقل) لغلبرت رايل. صدر ١٩٤٩ وفيه نفى وجود شيء اسمه العقل كما يفهمه هيوم وكنت وهيغل. لا شيء سوى استعداد سلوكي محض.

جاري تحميل الاقتراحات...