19 تغريدة 11 قراءة Oct 09, 2020
مرت القضية الفلسطينية بمنعطفات كثيرة طوال تاريخها، غير أنها لم تخلق طوال تاريخها مصطلحات سياسية موضوعية تتعلق بالقضية ذاتها وتظهر تطورها في ذهن الإنسان العربي ، وإنما أنتجت مصطلحات ترتبط بموقف التحارب الداخلي الموتور بين التيارات السياسية العربية.
وهذه مفارقة تظهر ملمحا من هامشية القضية الفلسطينية في العقل السياسي العربي ومركزيته في العقل الإعلامي العربي.
على سبيل المثال،المصطلحات المستخدمة تعبر عن العقل العربي الموتور وهي لا تحمل سوى مضمون واحد، (الإدانة). إدانة الجميع من الجميع بمنطق
"أنا المخلص الوحيد وكلكم خونة"
وهو نوع من المزايدة السياسية وفق البيئة الخصبة التي تخلقها القضية الفلسطينية للمشتغلين بها في ظل الضعف العام ، في ديمومة تحقق أهدافا لا علاقة لها بالقضية أساسا.
في كل قضية لا تجد في خطابها مصطلحات تشبه القضية الفلسطينية الاي تفرق تارة بين السلام والتطببع، وتربط تارة أخرى بينهما حسب ما يقتضيه الحال.
(سلام الشجعان) مصطلح ابتكره الفلسطينين أنفسهم حين رغبوا بالسلام في مواجهة القوى العربية الرافضة، فالحرب للجبناء!
(الممانعة) نسخة معدلة عن (مقاومة)، وهي بدون معنى سياسي، وظهرت حين فشل مصطلح (المقاومة) حتى في تمثيل هذا التعبير على أرض الواقع!
وكلاهما تعبيران مخففان مما يسمى ب(جبهة الصمود والتصدي) والتي لم تصمد ولم تتصدى، بينما تستمر رغبتها في إدانة أطراف داخلية أخرى!
حين فقدت الأدوات الحقيقية الصراع السياسي والعسكري بيد الإنسان العربي ، كان لا بد من ابتكار أدوات سخيفة لا معنى لها ولا يمكن أن تحقق جدوى في القرن الواحد والعشرين، وكان من ذلك مصطلح (المقاطعة) وهو مصطلح استخدمه العرب في عصر يتحول نحو(العولمة)فعزلوا أنفسهم حين أرادوا عزل العدو!
كيف يمكن إدانة دولة عربية لم تقم بأي علاقات مع إسرائيل بالخيانة؟
هناك دائما (تحت الطاولة)!
من أعجب المصطلحات المتداولة في الذهن العربي ( وهو ذهن موتور حين يتعلق الأمر بفلسطين) مصطلح (التطبيع السري)!
التطبيع كلمة تتناقض في طبيعتها مع كلمة سري، لكن العقل العربي نجح في جمع المتناقضات الاي لا معنى لها وتسويقها داخليا طالما يمكن استخدامها لأهداف الإدانة.
التطبيع يعني أن تكون العلاقات طبيعية، والطبيعي بطبيعته ليس سريا، لكن التركيبة الذهنية العربية على قول الشيء ونقيضه في آن واحد طالما الغرض ليس التشخيص ولا الوصف ولا المعالجة، بل الإدانة وحسب.
وبالتالي حين فقد التطبيع معناه ومضمونه بسبب الاستهلاك الهستيري الرخيص، كان من الطبيعي أن يظهر في الإعلام العربي مصطلح مثل (التطبيع الجوي)وهو مصطلح ابتكر مؤخرا لاستجداء دلائل على تصورات نشأت منذ نشأة القضية ولا وجود لها. وهو أمر يخرج من مفهوم التطبيع إلى شيئ آخر.
ثم كان لا بد من التمييز بين الخونة، فهناك من يستخدم (الهرولة)وهو تعبير استخدم لإدانة دول تخطط للسلام،في مقابل من يتطلع لتحقيق السلام وهو يمشي مشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل. كل واحد منهم على حسب الموقف الراهن منه.
كل المصطلحات التي يتقاذفها العرب فيما بينهم يدين بعضهم بعضا بالرغبة بالسلام مع إسرائيل، وتمتلئ بها أدبياتهم وصحفهم، في ذات الوقت الذي يقفون به في مؤتمراتهم الصحفية الدولية في حالة انفصام كامل يتباكون فيها على رفض إسرائيل للسلام معهم!
أتذكر دبلوماسيا أوروبيا شهيرا قال لي مرة أنه يتعجب من مفارقة اكتشفها بنفسه من واقع خبرته العملية في المنطقة وهي أن الأنظمة العربية التي تملأ الدنيا ضجيجا في محيطها العربي بالصراع مع إسرائيل هي الدول التي لا تطرح موضوع القضية الفلسطينية علينا في أي اجتناع ثنائي!
شخصيا ، لم يفاجئني قوله، وكأنه فتح فتحا مبينا بهذه المعلومة.
كلما زاد الكلام الانفعالي بالقضية الفلسطينية ، قل الفعل.
بالطبع ستجد كل المصطلحات الممكنة لإدانة طرف ما وتحقيق نقاط لطرف آخر متوفرة في قاموس القضية الفلسطينية العربي، غير أن مصطلحا بالغ الأهمية لا يمكن أن تعثر له على مكان في هذا القاموس، وهو مصطلح ( المراجعة).
حين تنظر في الأدبيات الصهيونية داخل إسرائيل ستجد مصطلح المراجعة بالغ العمق والتأثير رغم أن الطرف الاسرائيلي يحقق انتصارات متتالية تصعب عليه غالبا تبني مثل هذه المصطلحات، بينما لا تجد المصطلح ذاته عند الطرف المهزوم، وهو طرف بغض النظر عن أهمية أن يفهم العدو، لا يفهم حتى نفسه!
ما أريد قوله هنا، أن دراسة الخطاب العربي يظهر بوضوح مكانة القضية الفلسطينية فعليا في داخله، ليس بما يدعيه، بل بما يعبر عنه فعليا وضمنيا في طريقة تفكيره، وهي مكانة هامشية جدا على مستوى التفكير السياسي.
المصطلح الوحيد الذي أنتجه العرب ويعبر عن قيمة حقيقية جدية وتعبير موضوعي تجاه تطور القضية كان مصطلح ( السلام العادل والشامل) الذي طرحه سابق عصره الرئيس الراحل أنور السادات، وهو المصطلح الذي رفضه كل العرب بشدة حال طرحه !
مالذي يخبرنا به كل هذا عن العقل السياسي العربي ؟
الكثير، غير أن أهم ما يخبرنا به أن المنطق المتداول سياسيا وشعبيا في التفكير بالقضية الفلسطينية هو المنطق الذي لن يحقق لنا أي من أهدافنا المشروعة.

جاري تحميل الاقتراحات...