طُلب منا اختصار جلسة السبت الماضي "حدود البراجماتية في الإسلام" في تغريدات لأهميتها و لارتباطها ببعض الأحداث الدائرة.
وهذه سلسلة تغريدات فيها ملخص المحاضرة أضيف لها بعض ما وصلنا من التنبيهات والاستدراكات والمكملات
وهذه سلسلة تغريدات فيها ملخص المحاضرة أضيف لها بعض ما وصلنا من التنبيهات والاستدراكات والمكملات
ابتداء، هناك إشكال في المرادف العربي لمصطلح البراجماتية، فمن الاختيارات اللغوية مصطلح "النفعية" و"الواقعية" و"الذرائعية"، ويميل البعض إلى اختيار "الذرائعية" لكن بعد تتبع واسع لاستخدام كلمة البراجماتية ربما يكون مصطلح "الواقعية" أقرب للمقصود والله أعلم
يوازن الإسلام بين المثالية في المبادئ والأصول من جهة والواقعية في التطبيق والتعامل من جهة أخرى، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة أو السلطة، وهذا يعني أن الواقعية في التطبيق والتعامل يتوفر لها هامش داخل حدود الفضاء الشرعي أوسع من المباديء، فما هي حدود هذا الهامش وما هي ضوابطه
على المستوى الفردي لا تشكل هذه القضية خلافا كبيرا، لوجود أدلة قطعية تؤكد وجود هذا الهامش، مثل الإكراه والاضطرار والجهل والخوف، إضافة إلى الاستثناءات التفصيلية المنصوص عليها في الشرع مثل الحالات التي يباح أو يجب فيها الكذب والغيبة
أما على مستوى الجماعة والسلطة فالأمر أكثر تعقيدا لارتباطه بمصير الأمة، كما إنه أكثر صعوبة لتشعب التحديات والتفاصيل. وينطبق على الشخص المتبوع مثل العالم والمفكر والكاتب المشهور ما ينطبق على الجماعة والسلطة بسبب تأثير أقواله ومواقفه على الناس، فهو ليس فردا عاديا في هذا السياق
ولا بد من معرفة حدود هذا الهامش لأن تضييقه أكثر من اللازم يعني الصلابة التي تُكسر وتوسيعه أكثر من اللازم يعني الليونة التي تُعصر، وكلاهما مخالف للنهج النبوي الذي ورد له تطبيقات كثيرة في الكتاب والسنة والسيرة تدل على ضوابط محددة تحقق هذا التوازن وتبقي من يمارسها في فضاء الشرع
فمن الأمثلة ترك النبي ﷺ قتل المنافقين رغم أنه يعرفهم جميعا، ومنها أنه كان مستعدا لتسليم ثلث ثمار المدينة للأحزاب، ومنها أنه رضي بشروط تبدو مجحفة في الحديبية، ومنها أنه سمح لنعيم بن مسعود أن يخدع اليهود والمشركين ومنها أنه أعطى إشارة لأبي جندل أن ينفذ حرب عصابات ضد قريش
من خلال تتبع هذه الحوادث وغيرها وربطها بنصوص الكتاب والسنة يمكن استنتاج مجموعة من القواعد أو الضوابط التي توضح هذا الهامش وتعين على معرفة حدود الفضاء الشرعي في البراجماتية أو الواقعية، وهذه 👇 محاولة لاستقراء بعض هذه القواعد من خلال الدروس النبوية
القاعدة الأولى: أن أي قول أو تصرف أو قرار من هذا القبيل ينبغي أن يكون في المواقف التفصيلية (التكتيكية) وليس الاستراتيجية، وذلك لأن الاستراتيجي مرتبط بالمبادئ ارتباطا بنيويا والتفريط فيه تفريط بالمبادئ، أما التفصيلي فليس فيه تفريط بالمباديء كما جاء في الحالات المذكورة في السيرة
القاعدة الثانية: أن المسؤول أو العالم أو المصلح أو قائد الجماعة أو الناطق باسمها يستطيع أن يؤجل قول الحق لمصلحة معينة لكن لا يجوز ولا يمكن أن يقول باطلا ، كما يمكنه تأجيل تنفيذ عمل واجب لمصلحة معينة لكن لا يجوز أن ينفي وجوب هذا العمل شرعا ويتبرأ منه بحجة البراجماتية والمصلحة
القاعدة الرابعة: أن التصرفات السرية التي تتم بطريقة يضمن عدم نسبتها لمن يمثل جماعة أو تيار أو شخص متبوع لها مجال أوسع من التصرفات أو التحركات التي تصدر بشكل معلن من هذه الجهة. فنعيم بن مسعود استطاع خديعة الأحزاب بتصرف سري مبني على الكذب الصريح الذي لا يمكن أن يصدر من القيادة
القاعدة الخامسة: أن تكون هناك مصلحة كبيرة متحققة في ظرف استثنائي تتفوق على الضرر من عمل محرم، مثل سماح النبي ﷺ لأبي دجانة بـ (التبختر) "مشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن"، ومثل سماحه ﷺ لمحمد بن مسلمة رضي الله عنه أن يقول كفرا يخدع به كعب بن الأشرف حتى ينجح في مهمته الخطيرة
القاعدة السادسة: أن ما يصدر في حالة ضعف المسلمين وهيمنة غير الإسلام يحتمل ما لا يحتمله ما يصدر في بلد غالبية شعبه يؤمن بالإسلام والشريعة، فالوضع في أوربا وأمريكا بل وحتى في تركيا وتونس التي تمكنت منها العلمانية يحتمل ما لا يحتمله الوضع في مصر أو السعودية أو اليمن أو السودان
القاعدة السابعة: أن هناك فرق بين أن يحتاج الشخص المتبوع أو الجماعة لموقف براجماتي يندرج تحت القواعد السابقة وبين أن يحول عمله إلى تنظير يتنازل فيه عن المباديء، فمثلا قد تحتاج جماعة أن تنخرط في برنامج أو نشاط يفهم منه تعطيل الشرع لكن لا يجوز أن يتفنن قادتها في التنظير بجواز ذلك
القاعدة الثامنة: أن تجاوز هذه القواعد يجب وصفه بما يجب أن يوصف به حتى لو كان كفرا، لكن هذا لا يعني بالضرورة انطباق هذا الحكم على القيادة أو الجماعة التي صدر منها لأن الحكم على العمل لا يعني نفس الحكم على من قام به، تماما مثل الفرق بين تكفير العمل وتكفير المعين
وأخيرا فإن هذه القواعد إنما استقرئت طبقا لمنهج أهل السنة، لأن الطوائف الأخرى لديهم تنظيرهم المختلف، فبعض الطوائف يتوسعون في هذا الهامش مثل الشيعة والمعتزلة (الليبرالية الإسلامية) وبعضها تضيقه تماما مثل الخوارج ومن يشبههم من الفرق الحديثة
في تغريدات لاحقة -بإذن الله- ربما نرد على بعض الشبهات والتساؤلات التي أثيرت حول هذا الموضوع
أخطأت في نسخ الملخص وفاتني أنسخ القاعدة الثالثة 👇
القاعدة الثالثة: إن الفرد العادي حتى لو كان محسوبا على جماعة لكنه خارج القيادة والمسؤولية ولا يعتبر ممثلا للجماعة يسعه ما لا يسع القائد أو الحاكم أو العالم المتبوع، فقد استطاع أبو جندل حصار قبائل قريش لأنه غير ملتزم بعهد المسلمين وكان تصرفه خارج إطار القيادة الإسلامية في وقتها
جاري تحميل الاقتراحات...