ما أوّد التطرق إليه قصتي مع سورة البقرة وعلاقتي بأبي:
إن لي أبا شيخا كبيرا قد ناهز التسعين و اعتراه ما يعتري غيره في مثل سنّه من حّدة في الكلام وشدّة في الطباع ونقص في التحمّل وكنت كثيرا ما أبكي متأثرة بملاحظاته المزعجة أو تعليقاته القاسية التي كانت تأتيني كالسموم..
#اخوات_طيف
إن لي أبا شيخا كبيرا قد ناهز التسعين و اعتراه ما يعتري غيره في مثل سنّه من حّدة في الكلام وشدّة في الطباع ونقص في التحمّل وكنت كثيرا ما أبكي متأثرة بملاحظاته المزعجة أو تعليقاته القاسية التي كانت تأتيني كالسموم..
#اخوات_طيف
بل حتى توجيهاته الصائبة كانت ثقيلة على قلبي لا أستسيغها ولا أتقّبلها. وكنت أحيانا أثور غاضبة في وجه أبي إنتصارا لنفسي التي أهينت بزعمي، فلا أجني بعدها غير المزيد من الضيق و الألم. وكنت غافلة تماما عن الأجر الكبير الذي يمكنني نيله إن أحسنت صحبتهما وبّرهما.
وكم كانت خدمة والداي والإهتمام بحوائجهما اليومية ثقيلة ومتعبة على نفسيتي المحبطة إذا كنت أقارن نفسي بغيري من الفتيات المتزوجات ولسان حالي :"بينما يضيع شبابك وقوتك في خدمة شيخين متعبين ،تسعد المتزوجات بحنان الأزواج و بإنجاب الأولاد وتربيتهّن ليكونوا لهم ذخرا عند كبرهنّ."
أمّا الآن وبعد أن شرح الله قلبي بالزهراوين ( سورة البقرة و آل عمران)..فقد اختلف الأمر تماما بفضل الله فمن تلك الفتاة المشمّئزة التي تؤدي الخدمة مكرهة إلى بنت عرفت أن والديها هما طريقها إلى مرضاة ربها وأن طاعتهما مع خفض الجناح لهما ليس في ذلك اي ذل ولا مهانة كما كانت تزعم وتعتقد..
أصبحت أتلذذّ بإجابة مطالب أبي التي كنت أنزعج منها وتفرّغت تماما لخدمته فمن تنظيف فراشه وثيابه إلى متابعة دوائه و طهي ما يشتهي ويريد من الطعام دون ضجر او ملل منشرحة الصدر ابتغي بذلك وجه الله تعالى شعاري "ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرا"
وإذا جاءت إلى ذهني تلك الخواطر الشيطانية بأن غيري قد تزوجت و أنجبت و... أصبحت أجيبها بكلّ شجاعة : " إنّ هذه مشيئة الله وما من قضاء قضاه إلآّ وفيه خير وحكمة وإن خفت علّيك" فتسكن نفسي وتستريح لمّا تعلم أن الأمور مرّدها إليه وهو الفعاّل لما يريد..
أمّا إذا سمعت ما أكره من أبي فأنا متعجبة تماما من ردّة فعلي فقد أصبحت سهلة سلسة أتقبل كلامه بكثير من الصبر و أتجاوز عمّا يزعجني ابتغاء الأجر "ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه" وإذا ما غلبني الغضب وقلت كلاما لا يجب قوله سرعان ما أندم و أجدّد العهد بالتوبة وحسن الطاعة.
وهنا أحبّ أن أنبّه على أمر غريب : منذ أن عقلت لم أقبّل رأس أبي ولآ جبينه إلا نادرا عند رجوعه من سفر أو من حجّ ، أمّا أن يكون جالسا أو نائما أو مريضا حتىّ فلم أكن أ أفعل ذلك أبدا إمّا جفاء و غلظة وإمّا لأنّني لم أربّ على ذلك منذ الصغر.
أمّا الآن وبحمد الله فلست أجد غضاضة ولا صعوبة في تقبيل جبينه وهو في فراشه ضعيفا ، مريضا أو محموما مرتجفا و تتهاطل الدموع من عينّي متناثرة شفقة ورحمة بحاله لمّا أراه نائما هزيلا شاحبا بعد أن كان قويّا مهيبا.
جاري تحميل الاقتراحات...