8 تغريدة 38 قراءة Aug 01, 2022
تساءل عبدالله ابن المقفع فقال: أي الأمم أعقل؟ فظن جلساؤه أنه يريد الفرس، فقالوا: فارس أعقل الأمم -يقصدون مقاربته وتوخِّي مصانعته- فقال: كلا، ليس ذلك لها ولا فيها، فهم قومٌ عُلِّموا فتعلَّموا، ومُثِّل لهم فامتثلوا واقتدوا، وبُدِئوا بأمر فصاروا إلى اتِّباعه...
ليس لهم استنباطٌ ولا استخراج. فقالوا له: الروم. فقال: ليس ذلك عندها، بل لهم أبدانٌ وثيقة وهم أصحاب بناءٍ وهندسة، لا يعرفون سواهما، ولا يحسنون غيرهما. قالوا: فالصِّين. قال: أصحاب أثاث وصنعة، لا فكر لهم ولا رُوِيَّة. قالوا: فالتُّرك. فقال: سباعٌ للهِراش، تسبق أفعالهم عقولهم...
فقالوا: الهند. قال: أصحاب وهمٍ ومخرقة، وشعبذة وحيلة. قالوا: فالزِّنج. قال: بهائمُ هاملة. فردوا الأمر إليه، فقال: العرب. فتَلاحظوا وهمس بعضهم إلى بعض، فغاظه ذلك منهم، وامتُقع لونه، ثم قال: كأنكم تظنون فيَّ مقاربتكم! فوالله لوددت أن الأمر ليس لكم ولا فيكم...
ولكن كرهتُ إن فاتني الأمر أن يفوتني الصواب، ولكن لا أدعُكم حتى أُبيِّن لكم لم قلت ذلك لأخرج من ظِنة المُداراة، وتوهُّم المصانعة؛ إن العرب ليس لها أوَّلٌ تؤمُّه، ولا كتابٌ يدلُّها، أهلُ بلدٍ قفْر، ووحشةٍ من الإنس، احتاج كلُّ واحد منهم في وحدته إلى فكره ونظره وعقله...
وعلِموا أن معاشهم من نبات الأرض فوَسَموا كلَّ شيء بسِمَته، ونسبوه إلى جنسه، وعرفوا مصلحة ذلك في رطبِه ويابسه، وأوقاتهِ وأزمنتهِ، وما يصلحُ منه في الشاة والبعير، ثم نظروا إلى الزمان واختلافه، فجعلوهُ ربيعيًا وصيفيًا، وقيظيًا وشتويًا...
ثم علِموا أن شربهم من السماء، فوضعوا لذلك الأنْواء، وعرفوا تغير الزمان فجعلوا له منازله من السنة. واحتاجوا إلى الانتشار في الأرض، فجعلوا نجوم السماء أدلةً على أطراف الأرض وأقطارِها، فسلكوا بها البلاد. وجعلوا بينهم شيئًا ينتهون به عن المنكر، ويرغِّبهم في الجميل...
ويتجنبون به الدناءة، ويحضُّهم على المكارم، حتى إن الرجل منهم وهو في فَجٍّ من الأرض يصف المكارمَ فما يُبقي من نعتها شيئًا، ويُسرف في ذمِّ المساوئ فلا يقصِّر، ليس لهم كلام إلا وهم يُحاضُّون به على اصطناع المعروف، ثم حِفظ الجار، وبذل المال، وابتناء المحامد...
كلُّ واحد منهم يصيب ذلك بعقله، ويستخرجه بفطنته وفكرته، فلا يتعلمون ولا يتأدَّبون، بل نحائزُ -عادات وطبائع- مؤدَّبة، وعقولٌ عارفة. فلذلك قلت لكم إنهم أعقل الأمم، لصحَّة الفطرة، واعتدال البِنيَة، وصواب الفِكر، وذكاء الفهم.
الإمتاع والمؤانسة - أبو حيان التوحيدي

جاري تحميل الاقتراحات...