ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

22 تغريدة 147 قراءة Sep 25, 2020
جنود كثر منسيون خلف خطوط الزمن، من وقت لآخر ينقب المؤرخون عنهم، مستخرجين لنا بعضًا من قصصهم، شير عامي ووينكي وماري ودك أوف نورماندي، أبطال لعبوا دورًا حاسمًا في حروب القرن الماضي، لكن اللافت للنظر أنهم ليسوا بشرًا بل مجرد حمائم!
حياكم تحت!
أخيرًا وبعد ثلاث سنوات من بدء الحرب قررت الولايات المتحدة الأميركية ألا تبقى على الحياد، لقد نفذ صبرها تجاه الاستفزازات الألمانية، والتي طالت قتل مدنيين أمريكيين، فضلًا عن حث وتحريض للمكسيك على المطالبة بعودة كاليفورنيا ونيو مكسيكو إليها.
انضمت الولايات المتحدة متأخرًا إلى أجواء الحرب العالمية الأولى، كل الجيوش منهكة إلاها، لذلك الفرصة سانحة أمامها كي تميل بالكفة جهة مصالحها، وهو ما كان.
تشارلز ويتليسي في العقد الثالث من عمره، ترك خلفه مهنته وانضم إلى ركب جنود بلاده، كقائد للكتيبة التاسعة التابعة للفرقة 77 من الجيش الأمريكي، انضم القائد مع كتيبته إلى الجبهة الغربية الأوربية المشتعلة بالقتال تحديدًا في مايو عام 1917.
بعد أكثر من عام على هذا الانضمام، وبعد انهماك كبير في مجريات الحرب، صدرت الأوامر إلى ويتليسي بالتحرك مع كتيبته في اتجاه الشمال الفرنسي الذي كان حينذاك تحت قبضة الألمان، تحركت الكتيبة متسللة حتى وصلت إلى غابة أرغون في الأول من أكتوبر 1918.
أوكلت إلى هذه الكتيبة مهمة خطيرة تتعلق بالاستيلاء على طريق وخط سكة حديدية تمتد بموازة الشمال، يمثل هذا الطريق وهذه السكة خط الإمدادات الرئيسي للألمان، لم تمض كتيبة ويتليسي إلى هذه المهمة وحدها بل رافقتها على خط واحد منها كتيبتين إحداهما فرنسية والأخرى أمريكية.
في صباح اليوم الثاني من أكتوبر 1918 عم الضباب واستغل الألمان الفرصة وتنازعوا الأرض مع الكتيبتين المرافقتين لـ ويتليسي، ما اضطرهما إلى التقهقر إلى الخلف، وانفتح المجال على مصرعيه أمام الألمان كي يطوقوا كتيبة ويتسلي من جميع الجهات.
غابة أرغون تحتضن كتيبة ويتليسي محاصرة من كل اتجاه، أجهزة اللاسلكي حينذاك حديثة عهد بالبشر، الأسلاك الكثيرة والأحجام الكبيرة لأجهزة الإرسال فضلًا عن بدائيتها جعلت من إمكانية اصطحابها وتوسيع دائرة استخدامها أمرًا منعدمًا، وبهذا عزلت الكتيبة تمامًا عن وحدتها ومجموع جيشها.
بعد بضعة أيام من الصمود البطولي للكتيبة أمام هجمات الألمان المتكررة؛ تقطع السبيل بـ ويتليسي ورفاقه الذين بلغ عددهم 550 في قلة من الزاد سواء من ناحية الطعام والشراب، أو ناحية الذخائر والجهد، سقط قتلى كثر، ولا زال العدد يزداد وكل شيء حولهم قابل لإعادة الاستخدام حتى ضمادات الموتى.
الأمريكيون وحلفائهم في حالة شديدة من الحنق بسبب انقطاع تواصلهم مع كتيبة ويتليسي والتي أطلقوا عليها اسم المفقودة، هذا الأمر دفع القوات إلى محاولة اختراق الجبهة الألمانية من خلال المدفعية الثقيلة، لكن لسوء الحظ تركزت نيران المدفعية على غابة أرغون المحاصرة فيها الكتيبة المفقودة.
بعد مقتل أفراد من القوات المحاصرة بفعل قذائف صديقة من حلفائهم على الجبهة الأخرى، كان لزامًا على ويتليسي أن يحاول مجددًا التواصل مع قيادته، لذلك لم يجد أمامه سوى الحمام الزاجل المدرب والموجود برفقته، علق رسالة مكررة بساق عدد من الحمامات وأطلقهن في السماء.
شوهدت معظم الحمام يسقط بنيران وشظايا الألمان، لكن حمامة واحدة قاومت إصابتها الخطرة بعد سقوطها أرضًا، وعادت مجددًا للسماء ترفرف في اتجاه الجنوب، حط شير عامي هكذا كان اسمه، في مركز قيادة القوات الأمريكية الذي لم يبعد حينها أكثر من 40 كيلو متر، وهو منهك وفي حالة يرثى لها.
الشظايا التي تعرض لها عامي أصابته في صدره بجرح وفقد معها إحدى عينيه، وكذا كانت إحدى ساقيه مدلاة، كل هذا لم يمنعه من الطيران والوصول في غضون 25 دقيقة، برسالة مكتوب فيها "مدفعيتنا تسقط علينا وابلًا مباشرًا من القذائف في أرغون، بحق السماء توقفوا"
تلقت القيادة تلك الرسالة بإيقاف مباشر لقذائف المدفعية على أرغون، وهكذا بفضل هذه الحمامة ومثابرتها في الطيران رغم الإصابة، أنقذت أكثر من 194 فردًا متبقين في الكتيبة من موت محقق وبنيران صديقة، كما أرشدت بهذه الرسالة عن مكان محدد للكتيبة التي لم تعد بعد ذلك الوصول مفقودة.
وصلت مزيد من القوات الأمريكية إلى منطقة الحدث، وذلك استعدادًا لعملية كبرى الهدف منها فك الحصار عن رفاقائهم المحاصرون في أرغون، تحرك الأمريكيون بدعم جوي ومدفعي، أجبروا به الألمان على التراجع عن خطوطهم.
نتيجة للتراجع الألماني نشأ جيب أو طريق غير مباشر يقود إلى قوات أرغون المحاصرة، استغلته القوات الأمريكية وتدفقت إلى أرغون بالآلاف، منقذة قواتها المحاصرة ومحرزة تقدما استراتيجيا مهما في قلب خطوط العدو، تقدما كان له دورا بارزا في الحسم النهائي للحرب.
من بين أكثر من 500 فرد عسكري كان محاصرًا في أرغون، خرج فقط 194 فردًا سالمًا، أما بقية العدد فكانوا ما بين ميت ومصاب وأسير ومفقود، قُلِد القائد تشارلز ويتليسي مع عدد من القيادات ذات الدور الفعال في هذا الإنقاذ، ميدالية الشرف نظير شجاعتهم وما قدموه.
أما شير عامي فقد استقبلها المسعفون باهتمام بالغ، حيث تم إنقاذ حياتها، واستبدلت ساقها ببديل خشبي، وحينما تحسنت حالة الحمامة ذي الساق الواحدة تم نقلها إلى الولايات المتحدة عبر إحدى الرحلات البحرية مرافقة في تلك الرحلة الجنرال الأمريكي الشهير بيرشينغ.
نظير دورها البطولي في إنقاذ الكتيبة المفقودة قُلِدت هذه الحمامة عديد من الأوسمة من ضمنها وسام الشجاعة الفرنسي Croix de guerre عام 1919، وذلك قبل أن تفارق الحياة في 13 يونيو 1913 بـ نيوجيرسي، حيث تم تحنيطها ووضعها في في متحف مؤسسة سميثسونيان الأمريكية.
في إحدى المتاحف الحربية الأمريكية تم الاحتفاظ كذلك برسالة ويتليسي التي حملتها الحمامة، أما ويتليسي ذاته الذي عاد لمهنته، فلم تزل مآسي الحرب وذكرياتها المفجعة تحاصره من كل مكان حتى انتحر وهو في سن السابعة والثلاثين، مؤكدًا أن الحرب حدث لا تنفذ أوجاعه مهما ظننا أنه انتهى.
بعد بطولة شير عامي التي ذاع صيتها حينذاك، عمدت كل الجيوش إلى إنشاء وحدات عسكرية خاصة بالحمام الزاجل، حيث استخدم لاحقًا في الحرب العالمية الثانية على نطاق واسع وكانت له بطولات فريدة، أما الألمان فقد تعلموا الدرس وأنشأوا بجانب الحمام وحدة للصقور مهمتها تتبع حمام العدو والقضاء عليه.
ختاما :
لو ملكت حماما زاجلا له القدرة على نقل رسالة واحدة لك ، يستطيع أن ينقلها للماضي أو المستقبل أو ان شئت فالحاضر
فلمن ستكون رسالتك ؟ وما محتواها ؟

جاري تحميل الاقتراحات...