أحب الكتب البسيطة السهلة التي تُشبهُ الماء، يرتشفه اثنين فلا يختلفان على أن ما ارتشفاه ماء.. كتب صافية واضحة منسابة مفهومة عميقة بمجرد أن ترتويها تشعر معها بطعم الحياة المجرد..
المشكلة في الكاتب المبدع الحديث المزيف أنه لا يقرأ إلا له أو في حدود مجاله، تجده دائمًا ضيق فلا يحلّق إلّا في أفقه، بينما بإمكانه فرد جناحيه والطيران خارج القفص الذي أنشأه لذاته، واقتطاف بعض المعاني المختلفة وتوسيع دائرة الشعور والإحساس والإدراك والذوق والفن ليحلق بحرية دون سقف.
أنهيتُ قبل قليل الكتاب الثالث، في اليوم الواحد قرأتُ ثلاثة كتب وهذا قمة البؤس، ليست مزية قراءة الكتب بقدر ماهي انتحار بطيء، فلا أراني أشبهُ سوى المحكومين بالسجن المؤبد أو بالإعدام أو الحبس الطويل أولئك الذين لديهم وقت طويل جدًا لا يعرفون كيف يصرفونه،
وقت فارغ يحاولون حشوه بكل ما يعتقدون أنه قد يغير طعم الحياة العادية التي يحييوننها، حتى تجيء تلك الساعة، ساعة الفرج التي يتحررون فيها من هذا الحبس أو يغادرونه، لا يشغلهم المكان الذي يصيرون إليه ولا المكان الذي هم فيه، إنما تشغلهم فكرة الانتظار
وهذا ما يحاولون قتله في أنفسهم قتله بحشو فمه بالكلام الفارغ الذي يقرؤونه في الكتب ليُقضى على هذا الانتظار بالاختناق..
ألّفتُ العديد من الكتب في رأسي، وأكملتُ معظم الروايات التي أعتقد أنها ناقصة أو ينقصها شيء ما، وبدأتُ في قصص كثيرة، وحاولت فهم الطريقة التي تكتب بها مواضيع المقالات، هذا فقط ما يدور في رأسي، القراءة والكتابة، إذا سألني مريض ما عن علاج؟ قلت اكتب،
وإذا سألتني صديقة عن طريقة لفعل شيء، قلت اقرأي، وهذا الدرس الذي يتعلمه الإنسان في أول وعيه أو في السنوات الأولى من الوعي عندما يصبح قادرا على إمساك القلم أو تثبيته بين أصابعه، القراءة والكتابة هي الحل لجميع الأمراض المزمنة والعصية،
هكذا فقط بإمكانك أن تقيس الوحدة أو الشغف أو الهوى بمقدار ما تُخلّفه لك تلك المعاني من أوراق أو ما تتركه من كتب.
القراءة والكتابة الخطة الوحيدة للنجاة، الطريقة الوحيدة التي بإمكانك أن تستفتح بها الوعي أو تختمه.
القراءة والكتابة الخطة الوحيدة للنجاة، الطريقة الوحيدة التي بإمكانك أن تستفتح بها الوعي أو تختمه.
أحب الطريقة التي تكتب بها وحدك ولوحدك، لا تنتظر أن يشكرك آخر على معنى بديع ابتكرته ولا على معنى ركيك تهكمت به من الحياة، أحب أنك تكتب طوال الوقت بعد أن تنهي عملك، واثناءه، وقبله، عندما تحاول أن تنام فتعجز، وإذا استيقظت، أحب هذا الشغف فيك للكتابة،
أحب أنك تقرأ كل شيء وأي شيء، أحب هذه القدرة العجيبة والموهبة الفريدة في التقاط كل شيء، وتحويله إلى جملة أو جملتين، أحب مثلك الأشخاص الذين يكتبون دون أن يفكروا كيف أو ماذا يُقال، ولأيي غرض يقال، وكأن لسان حالهم كما يقول ديكارت بفارق بسيط "أنا أكتب إذًا أنا موجود".
لا يمكن أن تأتي الكتابة الحقيقية إلا من داخلك، هي شيء يشبه الوسواس القهري، الوقوف على حافة الهاوية، المنظر أسفل مخيف، ويتبعك شخص يريد أن يدفعك فإذا ما استطاع التمكن منك، كل ما عليك فعله التمسك بالذي يحاول دفعك والتشبث بأطرافه، بثيابه، إقناعه أنك على صواب،
وأنك لم ترتكب في حقه خطأ أو ذنب يجعله يغضب إلى هذا الحد، الكتابة هي هذا الشخص الذي نتمسك به ونحاول إقناعه، وندبر الخطط الفكرية السريعة والذكية، ليعدل عن قرار قذفنا في وقت قياسي جدًا،
أما الهاوية فهي المصير الحتمي الذي نصل إليه عندما نعجز عن إقناع ذلك الشخص -شيطان الكتابة- أننا لا نستحق هذه النهاية.
إن اليأس هو ما يدعونا للكتابة، اليأس من إحداث تغيير في شكل الحياة التي نحياها، اليأس من أن نكون مع الأشخاص الذين نحب، في الأماكن التي نحب، في المدينة التي نحب، اليأس الذي لا تعالجه الكتابة، ولا تغير فيه شيئا، إنما تنحت ملامحه ليبدو واضحًا جليًّا
حتى إذا ما قرأهُ أحد يشبهنا، يعرف أنه ليس وحيدًا، وأننا جميعًا معه، نالنا ما ناله وطالنا الذي طاله.
للكتابة روح أيضا،
عندما تنساب روح الكاتب في "نص أو قصيدة أو رواية أو أي عمل أدبي آخر.. تشعر أن هذا العمل يتنفس، أنفاسه تصلك حتى إن كانت المسافة بينك وبين الكاتب آلآف السنوات، وآلآف التراجم وآلآف الأوراق ودور النشر.
عندما تنساب روح الكاتب في "نص أو قصيدة أو رواية أو أي عمل أدبي آخر.. تشعر أن هذا العمل يتنفس، أنفاسه تصلك حتى إن كانت المسافة بينك وبين الكاتب آلآف السنوات، وآلآف التراجم وآلآف الأوراق ودور النشر.
وهذه الروح من أهم سماتها وهب الحياة، فهي تُحيي فيك المواهب الخاملة أو الميتة، سواءا كانت رسم، كتابة، موسيقى، مسرح.. كثيرا ما نسمع تأثر رسام بقصيدة أو عمل أدبي، وتأثر الأديب بعمل فني.. وهذا يدل على أن الكاتب أو الفنان استخدم "قلم روحه" ، "ريشة روحه" في العمل..
وما ينتقل إلينا عبر هذا الوسيط من الرغبة في كتابة ما يماثل، هذا ما يسمى"الإلهام"
باختصار أكثر "الملهمون أشخاص استخدموا أرواحهم في التواصل مع الآخر مع اختلاف الأساليب التي عبّروا بها عن هذا التواصل"
باختصار أكثر "الملهمون أشخاص استخدموا أرواحهم في التواصل مع الآخر مع اختلاف الأساليب التي عبّروا بها عن هذا التواصل"
كنت أردد بيني وبين نفسي وأنا أقرأ هذا وذاك، أني أريد أن أصبح "أنا" ، وهذا كل ما أرجوه، أُعجَبُ بالكثير وأُبهَرُ بالكثير، لكن ما أريد الوصول إليه ذاتي، أن تلتحم مزاياي بعيوبي، وحسناتي بذنوبي، لتشكل هذا الواحد الذي أكونه، لا أتخلص من بشريتي كل التخلص ولا أتماها معها كل التماهي،
عليّ دائما أن أفكر كيف أصير كل ما يريد الله أن أصيره، وأعطي كل خلية من خلايا هذا الكائن حقّه في الظهور والاختفاء، وإني إذ أفعل ذلك أُثبِتُ لنفسي أولا أني رضيت بقسمتي في الخلق، فلستُ حيوانا كاملًا ولا نباتًا كاملًا ولا ملاكا كاملًا أنا كل هؤلاء،
لكن جزئي "النباتي" أحب الأجزاء وأقربهم إلى نفسي، أحب كوني أذبل وأُورِق، أجف وأخضّر، أحب كوني أحتفظ بصمتي في ركن هاديء، تعصف الرياح فتهزني معها، وتسقط ما ذبل من أوراقي، دون أن تتمكن من اقتلاعي، فجذوري تحت التربة لها قدرة عجيبة على الامتداد والتغلغل داخل التربة بحثًا عن غذاء..
إن أكثر ما أحسّه من نفسي اليوم هو هذا الجزء، وأكثر ما أتعطش إليه "الماء" وإن كانت أوراق النباتات أشبه ما تكون بالأكف المرفوعة، فأنا أؤكد هذا التشبيه، فكل ورقة من أوراقي مبسوطة تدعو الله وترجوه أن يُنزل الغيث، فما تحتاجه روحي في هذه الأثناء "قطرة مطر" ولا شيء آخر.
أشعر برغبة عميقة في الكتابة، كتابة أي شيء، أشعر أن في داخلي شخص ثرثار لديه الكثير ليقوله، بإمكانه الاستمرار في الحديث لساعة أو ساعتين أو ثلاث دون تعب، صحيح أنه سيقول حتمًا أشياء تافهة لكنه يشعر أن عليه أن يتحدث
إن التفاهة مثل الفراغ الكوني، مهمة مثله، أن يشعر الإنسان أن في داخله أشياء لا معنى لها، هذا الشعور يوازي أهميته أهمية شعوره أن داخله أشياء ذات قيمة عالية، لكنّ العالم لا يزن التفاهة بوزن، ولا يُقّدر قيمتها،
إنها كل ما نحتاجه في الوقت الذي تغتالنا فيه الواقعية ويجرحنا المعنى وتكبّلنا العقلانية.
لا أعرف ماذا تُسمّى العلاقة التي تنشأ بين القارىء والكاتب، وبالأخص تلك التي نشأت بيني وبين ميخائيل نعيمة، صرت مُدمنة لكتبه، كلما فتحت كتاب جميع الأصوات داخلي تغلقه، وتصرخ ميخائيل هو الخيار الأمثل الآن.
أنت بحاجة ميخائيل، الأجوبة في كُتبه،
أنت بحاجة ميخائيل، الأجوبة في كُتبه،
لا أُنكر أني معجبة بعقله، لكنني معجبة أكثر بروحه التي تجري في كل ما يخطّه ويكتبه، بإمكان جُمله التّسلل إلى أعمق نقطة داخلي فتحرّكها، كما لو أن شخص ما قام بقذف حجر في ماء راكد، هكذا تصنع جُمل ميخائيل داخل ذاتي تجعله يضطرب،
تُفسد كل سكينة يمكن أن أشعر بها في الجملة الأولى وتهدهدها في الثانية. يُقال بأن الإبداع هو الأهم في الكتابة أو الأدب بشكل عام، لكني أعتقد أن الجمال مرحلة تفوق مرحلة الإبداع، بإمكان الكاتب أن يكون مبدعًا فقط، لكن جميلًا ومبدعًا هذا النادر في الأدب..
لم أجد هذه الثنائية إلا في كاتبين، كاتب سأتحدث عنه في وقته، وميخائيل نعيمة الآخر.
عندما أقرأ لميخائيل أشعر بشيء نادرا ما أشعر به، الشّبع، والرِّضى، والجمال..
وهذا كل ما ينتظره القارىء من كاتبه.
عندما أقرأ لميخائيل أشعر بشيء نادرا ما أشعر به، الشّبع، والرِّضى، والجمال..
وهذا كل ما ينتظره القارىء من كاتبه.
الكثيرون يطالبون الكاتب أن يكون واقعيا في كتاباته، والواقعية التي يقصدونها توازن الألم والسعادة داخل النص، أو على الأقل الإنصاف -برأيهم- ، وهذا بالطبع بحسب رؤية القارىء وقراءته للأحداث، ولأن الكاتب الحقيقي قارىء من الدرجة الأولى وناقد وحسّاس ومُجرّب
تُشكّل هذه العناصر الثلاثة (القراءة والنقد والإحساس بالواقع والمسؤلية، بالإضافة إلى التّطلعات إلى المستقبل) شخصية جديدة لدى الكاتب واقعية أو مبالغة في واقعيتها فمن الصعب مثلا أن يُصوّر الحياة جميلة وردية والواقع الذي يعرفه عن الحياة أو جرّبه أو اختبره أو يشاهده ويراه مختلف تمامًا
هو إذن يخدع نفسه ويخدع قارئه، لذلك يلجأ بعض الكتّاب الذين يتعرضون للنقد بشكل مستمر بحجة سوداويتهم لهذا اللون الأسود من الأدب بالرغم من كثرة المتأثرين بهم/به، وبرأيي في هذا ظُلم للكاتب الذي أراد فقط وبكل بساطة أن يقول لك أن الحياة ليست "سهلة" "لتُعدَّ" لها "عُدّة" كما الحرب تمامًا
حيث أن كثيرًا من القرّاء يُصدقون ما يقرءون وبالأخص كاتبهم الذي يقول لهم الحقيقة التي سيكتشفونها في آخر المطاف على أية حال، لذلك على القارىء أن يستوعب سِعة الكاتب ونظرته المختلفة عن نظرته للعالم ولا يقيس ذلك على تجاربه فقط،
التي ربما تكون سعيدة بمجملها بسيطة وسهلة وخالية من التعقيد وتتمحور حول ذاته فقط.
الفرق بين كُتّاب الأدب في الغرب وكُتّابنا أن نتاج الغرب في أكثره إنما يبدأ من العقل وينتهى إلى القلب، لتستقر فيه الفكرة وتسكن وتطمئن، ثم تذوب وتخالط الفؤاد فتشكل الإيمان والثقة والاعتقاد، فتثبت ويصعب ازاحتها أو استبدالها، بينما في الأدب العربي تبدأ الفكرة من القلب إلى العقل،
تبدأ في أن تشعر وتتألم وتحب وتشتاق وتفتقد وتحن وتبكي ثم تبث شكواك إلى العقل ليجد الحلول ويشق الطرق ويحفر الصخر لتلوذ بكهفه ويقيك بصخوره برد الضياع وشتات الغاية وتخبط اليقين،.
ولا أعرف أي الطريقين أفضل، وأسهل على السالك، إنما على طالب الأدب أن يسير فيهما معا
ولا أعرف أي الطريقين أفضل، وأسهل على السالك، إنما على طالب الأدب أن يسير فيهما معا
ويجمع هذا إلى ذاك ليكتمل أدبه وينبري قلمه ويصبح قادرا على الوصول إلى غايته من بثّ الكلمة والوقوف عند دقائقها بثبات وتوازن.
فتكون كل جملة من جُمَله استحالت إنسانا بلحم وعظم بعقل وقلب، تُفَكّر ويُفكّر بها، وتُحَس ويُحَس بها.
فتكون كل جملة من جُمَله استحالت إنسانا بلحم وعظم بعقل وقلب، تُفَكّر ويُفكّر بها، وتُحَس ويُحَس بها.
جاري تحميل الاقتراحات...