ابو عمر
ابو عمر

@Abbasalba1

18 تغريدة 278 قراءة Sep 16, 2020
وداعاً أيها الطيبون
في سنةٍ من السنين. شرفتني أمي عليها رحمة الله بزيارتها لي هنا في #عمان قادمة من بلادها السودان. كانت حول الثمانين من عمرها حينئذ. في الطريق من المطار الى البيت وبعد السؤال عن الحال والأحوال قالت
والله يا وليدي كنت خايفه عليك من الغربة. الآن قلبي مطمئن عليك
كيف ذلك يا أمي الحبيبة؟
راحت تحكي :
(وأنا واقفة في الصف لتخليص إجراءات الجواز. أقبل علي شرطي شاب. على كتفه (دبورتان) "الدبورة عندنا النجمة على كتف أفراد القوات النظامية".... جاء يحمل كرسياً. أجلسني على الكرسي. أخذ أوراقي. عاد بعد حين. أخذني من يدي نحو مكان العفش. تعرفت على شنطتي
. وضعها على (الترولي).. سار بها حتى بوابة الخروج. شكرته ودعوت له. رجع الشاب من هناك. كيف أخاف عليك وانت بين أناس تلك أخلاقهم؟ .)..... صدقوني يا إخوتي تراقص الطريق أمامي من فيض الدمع في عيْنَيَّ..... يا سلام!!.... يا للعظمة... الله الله الله.
من فرط تأثري قمت بنشر تلك اللوحة الانسانية الرائعة على صحيفة (الرؤية)... تكرم بالرد عليها الكاتب الأديب صاحب القلم الذهبي (سالم العلوي). لاقت تفاعلاً كبيراً بين قراء الصحيفة.
موقف انساني لا يوجد في هذا الزمان إلا في عمان روعة الانسان هبة من الله.خاصة بالعمانيين دون سواهم من شعوب الأرض ولا أبالغ. هذا الشعب المدهش (إنسانٌ) كما أراد الله للإنسان أن يكون. هذه الأمة التي طمأنت أماً على إبنها!! أمة لابد أن يرعاها من ميزها بتلك الخلق سبحانه.و حتماً يوفقها
رحت في الأيام التي تلت أحكي لأمي عن أصالة العمانيين... عن الرقي الذي فيهم... عن الجمال الذي هو لهم دون غيرهم......
حكيت لها كيف أن حتى الشيبة هنا يقف من جلسته ناهضاً ليرد السلام. ويناشد عن العلوم.
حكيت لها كيف أن العماني يقدم من معه عند دخول أو خروج. وان وجد نفسه على يمينك.
يتأخر قليلا ليضعك على يمينه. ليقول لك (اليمين... اليمين) كي يهبك شرعية الأولوية عند الدخول أو الخروج . يؤثر على نفسه ولو كان في عجالةٍ.
يا الله!!
حكيت لها كيف أن سماحة المفتي الشيخ (أحمد). كان يوماً جالساً على كرسي. فوجئت بوجوده في جلسة دعاني إليها صديق. بعد السلام على الكرام
. أشر إليَّ الشيخ بالجلوس على كرسي خاليٍ. لم تطاوعني نفسي أن أساويها بعالم بين جنبيه موسوعات من العلم .جلست على السجادة وكان هناك ثلة من الكرام من حوله على كراسي. أصر ذلك العالم الضخم. المتواضع لله وعباد الله من كل جنس ولون.الا أن اجلس على كرسي.جلست وأنا أكاد أتلاشى من الحياء.
رددت في سري حينها (الأشجار المحملة بالثمار تنحني الى الأسفل).
حكيت لها أنني ذهبت في مرة مع إخوة لتقديم واجب العزاء في (وادي المعاول). وجدنا صبية في ميدان يلعبون كرة القدم. أوقفنا السيارة نسألهم عن المسجد الذي أقيم فيه العزاء. تركوا الكرة وحيدةً
. أقبلوا كلهم نحونا. (هلا عمي!!). بدأوا يصفون لنا الطريق. ما كفاهم الوصف!! تقدم أحدهم لم يتعد الثالثة عشرة في رأيي. قال الولد ابن هذه الأمة : (اتبعوني)... قلت (تعال أركب معنا) قال : (حشا!!).
سار أمامنا يكاد يركض حتى بدا المسجد لنا. قال (ذاك المسجد).. ثم قفل راجعاً .
لم ينتظر حتى كلمة شكر. قلت في نفسي (مكروم أنت يا شبلٌ من تلك الأمة المكرومة)
حكيت لها عن (الفوالة) و (الدلة).
حكيت لها كيف أن العماني كان مستقرا... متحضرا منذ أن وجد على تلك البقعة الطيبة. بينما كان الآخرون رعاة يجوبون الفيافي.
حكيت لها كيف أن (العماني) يتكيء على إرث باذخ من الحضارة والماضي الذي يشع ضياءاً. وأن العماني كان إمبراطوراً يحكم إمبراطرية مترامية الأطراف.
مئات اللوحات الإنسانية الرائعة سكنتني على مدى أربعة عقود ونيف. سعدت فيها وسط الانسان العماني المفعم بالسماحة والجمال...
الخاص به. وقفٌ عليه وحده . في زمان عزت فيه السماحة والجمال.
قومٌ لا يملك انسان إلا أن يسعد بالعيش بينهم ويحبهم.
سعدت بالعيش بينهم. أحببتهم.. ثم حان الان فراقهم!! قسراً... ما كان اختياراً... قدرٌ وليس تقديرا ولا تدبيراً مني. (مشيناها خطىً كتبت علينا.... ومن كتبت عليه خطىً مشاها
أجهز نفسي للعودة.
أنا يا أهلي. ذاهب جسداً. روحي وقلبي بينكم هنا... تاريخي جله هنا.. سأحمل (سالفتكم) المدهشة لأهلكم هناك.. سأحدثهم نهاراً وفي (رمسات) الأمسيات عنكم..عن سجاياكم الرائعة...عن بساتين النخيل والأفلاج والعيون. عن الجبال والأودية.. عن خريف (صلالة) وخضرة جبالها الساحرة..
ونسماتها المعطرة بعبق اللبان المنعش.
عن تاريخكم المجيد وعن حاضركم السعيد... سأكتب.. وأكتب... وأكتب عنكم...أكتب عن العالم (أحمد بن ماجد السيباوي) قاهر لجج البحار. هازم العواصف والأنواء. العالم الذي أطاعته النجوم والأفلاك فباحت له بأسرارها.. أتقن لغاتها.. وفك طلاسمها..
سوف أحكي عن (الزهراء) السقطرية التي استغاثت بالإمام (الصلت) في رسالة أودعتها البحر. حملها اليه من وجدها. فهب الامام قائلاً (هي والله). جرد الجيوش وانتصر للزهراء. سأحدثهم عن السلطان قابوس المعظم عليه رضوان الله ورحمته.
تاريخ مجيد. وحاضر سعيد. ومستقبل يبشر بالأمجاد والنصر الأكيد.
وسأظل متواصلاً معكم من هناك... سوف أبقى على حبكم ما بقي في صدري خافق ينبض.. فقط أمنية وحيدة.... لو يشرفني من يستطيع منكم بزيارة هناك. ولو لفترات وجيزة كي أرد النذر اليسير اليسير اليسير من أفضالكم.
بيني وبين الفراق المر ربما شهرٌ ونصفه ...
وحين يحين السفر أتواصل بكم لوداعكم....
أعانني الله على الثبات عند وداعكم أيها الطيبين.
المجد لكم........ .
#الرشيد_العطا سوداني الجنسية عماني الهوى

جاري تحميل الاقتراحات...