Sarah Bahja
Sarah Bahja

@SarahBahja3

16 تغريدة 12 قراءة Sep 14, 2020
قبل أسبوعٍ، وصلني على أكثر من منصّةِ تواصلٍ اجتماعيٍّ، مقطعُ فيديو لطبيبٍ يُدعى "راشيد بوتار" يُروّجُ فيه لنظريّاتٍ ضدّ اللّقاحاتِ والكِماماتِ، لا بل يربطُ فيه أيضاً انتشار فيروس كورونا وضعف المناعة عند البشر بتكنولوجيا الجيل الخامس ...
والمُفارقةُ هنا، أنّ هذه التكنولوجيا لا أساسَ لها في دولٍ فتك بها فيروس كورونا، كما الحالُ في إيران مثلاً. ولأنّ الغالبيّة العظمى من الناس، لن تُكلّف نفسها عناء البحثِ عن خلفيّة هذا الطبيب، المعروفِ بأنّهُ من أبرزِ المروّجين لنظرياتِ المؤامرةِ، ...
استهلكتْ ألوفٌ مؤلّفةٌ من مستخدمي الإنترنت المعلومةَ بِطُرفةِ عينٍ، وأخذت تتناقلها، بصرفِ النّظرِ عن آراء الكوادرِ الطبيّة في العالم ... تلك التي أفنت سنيّ عمرها في دراسةِ الطبّ وقدّمت هذا العام عشرات الشهداء في معركة محاربة وباءِ كورونا.
من أخلاقيّات مهنة الصّحافةِ، ألاّ تُحرّر خبراً قبل التحقّق من مصدرهِ. أما في عالم السايبر، فالمعلومةُ الكاذبةُ هي صاحبةُ السُلطة كلّها. لماذا؟ لأنّ المعلومة الكاذبة أو المجتزأة، هي أكثرُ ما يدرُّ الربح على أصحاب هذه المواقع (disinformation for profit business mode)
والأخطرُ أن التضليل المعرفيّ يجد بيئةً خصبةً له، ذلك أنّ الخوارزميّات تعملُ على إيجادِ ساحةٍ مُشتركةٍ للمُستخدمين الذين يحملون الآراء ذاتها ما يجعلهم يعتقدون، عن وعي أو غير وعيٍ، بأنّ رأيهم هو الرأي السائدُ، كما يُبيّنُ روجر ماك نامي، وهو مستثمر في مجال التكنولوجيا.
لا غرابةَ إذاً أن تنتشر الأخبار الكاذبةُ بوتيرةٍ أسرع بستِ مراتٍ من الأخبار الصحيحة على موقع تويتر كما حدث في الانتخاباتِ الأميركيّة في العام 2016.
أيُ الفئاتِ العمريّةِ أكثر تأثّراً بالإشاعات والأخبار الكاذبة؟
يقول بحثٌ صادرٌ عن مجلّةِ The Journal Science إنّ من تخطّوا الستين من العمرِ هم الأكثر ميلاً لتناقل المعلوماتِ المضلّلّةِ في المجتمع الأميركيّ.
أمّا في مجتمعاتنا، فأعتقدُ أن الهامش العمريّ أقلّ، ذلك أنّ عدداً لا يُستهان به ممن هم في الخمسينياتِ وما دون يتناقلون الأخبار من دون التحقّق منها، ولا شكّ أنّ الخلفيّة الثقافيّةَ والمعرفيّة تؤدّي دوراً رئيساً في هذا الميدان.
"الأرضُ ليست كرويّةً، بل هي مسطّحة، وإليكم البراهين"
"رسائل البريد الالكترونيّ تحوي كلمات مشفّرة للإتجار بالأطفالِ"
"وزارة الصحة تضخّم عدد وفياتِ كورونا. أطلعونا على الوفيات"
" يُريدون أن يضعوا لقاحاً في جسمنا كي يُراقبوا تحرّكاتنا".
"التغيّر المناخي محض كذب"
ما سبق هو عيِّنةٌ عن الأفكار التي عبرت إلى أذهان الكثيرين على مواقع التواصلِ الاجتماعيّ، وستبقى تعبرُ طالما أنّ على وجه هذه الكرة الأرضيّةِ من يستمرُ بتناقلها ويحصد علامات الإعجاب (The Psychology of Likes)
اقترحتُ مرّة على أحد الفاعلين في القطاع الحكوميّ الصحيّ في لبنان أن ينشروا مقاطع فيديو عن أوضاع المرضى في المستشفياتِ عسى أن يُعزّز ذلك الوعي المجتمعيّ إزاء الإجراءات الوقائيّة من كورونا، لكنّ إثارة الهلعِ للأسفِ ليست خياراً مطروحاً على الطاولةِ.
في الإطار نفسه، لا أنسى كيفَ أنّ الفنّانة كارول سماحة، التي يُتابعها نحو خمسة ملايين شخصٍ، شنّت في إحدى تغريداتها حملةً ضدّ لقاحِ كورونا الذي لم يُبصر النور. التغريدةُ نالت الكثير من علاماتِ الإعجابِ بطبيعةِ الحال، رُغم التحذيرات التي أطلقها أطباء وباحثون، منهم ...
الدكتورة أصالة لمع التي حاولت تذكيرَ المتابعين بأنّ اللّقاح هو من أنقذ البشريّة من أمراضٍ كالحصبة والجدري وغيرها. وبأنّهُ لا يجوز أن نُلقي الأحكام جزافاً على أي لقاح قبل صدور النتائج.
أمّا لماذا أركّزُ على موضوع فيروس كورونا، فلأنّ المعلومة الكاذبة انتعشت في عهده كما لم يعرف أيّ موضوعٍ آخر. فالأخبارُ الكاذبة المتعلقة بالفيروس حظيت بـ52 مليون مشاركةٍ على مواقع التواصل الاجتماعيّ!
ستبقى المعلومةُ المضلّلة أو المجتزأةُ حيّة تُرزقُ طالما أنّها تجدُ معجباً واحداً بها على مواقع التواصلِ الاجتماعيّ بصرفِ النظرِ عمّا يقوله الطبّ حتى لو دخل الدينُ على خطّ التوعيةِ. لن تُعمِّرَ توصياتُ الأطبّاءِ طويلاً في عقول الناسِ في حضرةِ سُلطانِ الإنترنت.
نحنُ لسنا محصّنين على الإطلاقِ. نحنُ سلعةٌ من بياناتٍ تُباعُ وتُشترى على هوى فيسبوك وتويتر وإنستاغرام وتيكتوك وما أنتج العقلُ البشريُ من منصّاتٍ الكترونيّة.

جاري تحميل الاقتراحات...