خالد عاذي الغنامي
خالد عاذي الغنامي

@kalghanam

154 تغريدة 77 قراءة Sep 12, 2020
1-اليوم هو السبت وسنعود للتغريد من كتاب "السعادة الأبدية بين الدين والعلم والفلسفة". توقفنا عند " إيمانويل كنْت و الواجب الأخلاقي الصارم".
2-بالنسبة لكثير من المؤرخين، إيمانويل كنْت هو أعظم الفلاسفة الغربيين على الإطلاق. عاش كنْت ما بين (1724 - 1804) ولم يغادر في كل حياته مدينة كونيزبرغ / بروسيا البائدة. هذه المدينة تم تدميرها في الحرب العالمية الثانية، ولم تعد ألمانية. اليوم تعرف باسم كالينينغراد وتقع في روسيا.
3-اختلف المترجمون العرب في كتابة اسمه بالعربية, فمنهم من يكتب "كنط " أو "كانط" ومنهم من يكتبه "كنْت" وآخرون يكتبون "كانت". وقد اخترت أن أكتب اسمه كما يُنطق في اللغة الألمانية : كنْت.
4-كان كنْت ومن قبله هيوم، أكثر الفلاسفة تأثراً بالثورة العلمية، وكانا ينطلقان في طريقيهما وأعينهم تحرص على إلا تقع في تناقض مع نيوتن وعالمه الجديد وقوانينه. هكذا هو الفيلسوف الكبير، يكون ابن عصره الذي يتابع معطيات العلم والفن والسياسة، ولا يدير ظهره لها. بل يكون صوت القرن.
5-أهم إنجازات كنْت كان في تفريقه بين عالمين، الأول :هو عالم الزمان والمكان وفيه نجد الظواهر الطبيعية التي يدرسها العلم ويكتشف أسرارها وقوانينها. الثاني : هو عالم اللازمان، عالم الأزل الذي لا يصل إليه علم ولا عقل، وإنما تدركه الروح عن طريق الحدس والشعور والتصوّف .
6-فلسفة كنْت فلسفة عميقة وضخمة، لا نطمح أن نستعرضها في صفحات، فهو مؤسس المدرسة النقدية التي ذاع صيتها في زمنه ولا زالت تكتسب التلاميذ والمجددين لها في زمننا هذا، علاوة على الهيمنة التي تحققت لها في أوروبا القرن التاسع عشر.
7-أسماء مشهورة مثل فردرخ نيتشه وهربرت سبنسر وآرثر شوبنهاور وأسماء أخرى عديدة، هي في الحقيقة، ليست سوى جداول صغيرة نبعت من نهر كنْت العظيم، وأسماء أخرى كبيرة كهيغل، ما كانت فلسفتها لتقوم، لولا فلسفة كنْت.
8-لذلك يرى عدد من أساتذة الفلسفة أن الإنسان اليوم لا يمكن أن يكون فيلسوفاً إلا بعد أن يقرأ كنْت، ثم يكون له بعد ذلك أن يكون معه أو ضده. لقد كان لهذا الرجل ولا زال مكان الصدارة في عالم الفلسفة. أفلاطون وأرسطو وسبينوزا وكنت وهيغل، هم الأعظم.
8-كنْت نشأ في بيئة شديدة التدين وتكوينه الأساس كإنسان كان دينياً. كل الفلاسفة العظماء نشأوا في البداية نشأة لاهوتية، لا أقول جلّهم بل كلهم.
9-لذلك شعر كنْت برهبة شديدة عندما قرأ ديفيد هيوم وشكوكه في الميتافيزيقا التقليدية. فانطلق ليجيب على أسئلة هيوم وتساؤلاته عن المثالية والتجريبية والعقل والدين والأخلاق.
10-وهناك عامل آخر على درجة عالية من الأهمية، لعب دوراً كبيراً في تشكيل فلسفة كنْت، فقد كانت أمه عضوا في جماعة مسيحية محافظة تتمسك بالعقيدة تمسكاً شديداً، فكان إيمانويل يذهب مع أمه للكنيسة صباح مساء، فأدى ذلك إلى نتيجتين :
11-(1)أن التشدد في العبادة قد غرس في نفسه نفوراً متأخراً، فاعتزل الكنيسة عندما أصبح رجلاً، وخرج بتصور سلبي للصلاة والعبادة.
(2) أن تديّن أمه الشديد قد طبع في نفسه الكآبة التي انعكست على كل حياته، لكنه بقي على الولاء بحيث تحرك لصد هجمات النفاة، برغم ما انغرس في نفسه من شكوك.
12-يقسم المؤرخون حياته لمراحل، النقدية وما قبلها. يقصدون بالمرحلة النقدية ما ابتدأ عنده منذ 1770 فما بعدها، وقد نتج عن هذه المرحلة خروج أهم كتبه وهو أهم بحث فلسفي في القرن الثامن عشر "نقد العقل الخالص" صدر في (1781)، ذلك البحث الذي زلزل به مناهج التفكير السائدة في ذلك الوقت.
13-كتب كنْت : " لقد قصدت بهذا الكتاب إلى الكمال، وإني لأقرر عن يقين، أنك لن تجد مسألة واحدة من مسائل ما وراء الطبيعة إلا وجدت حلها فيه، أو على الأقل وجدت مفتاحاً تستعين به في حلها".
14-أخضع كنْت العقل للتحليل النقدي، دون أن يهدف إلى تدمير العقل. كل ما أراده هو أن نسير معه بأنفسنا فنرى إلى أي مدى يستطيع العقل الخالص أن يصل إلى المعرفة، ويقصد بالخالص، المجرد من أي تجربة علمية، بحيث لا يعتمد في تحصيل معارفه على التجارب ولا الحواس.
15-معرفة يُنشئها العقل من تلقاء نفسه، بحكم طبيعته وتركيبه، دون الرجوع إلى العالم الخارجي. فلننتبه هنا أن هذا ليس خط العلم الموضوعي، فالذاتية تتعارض مع روح العلم وموضوعيته، لكنه سيعود إليه.
16-كتب كنْت في هذا البحث تحليلاً باهراً لأصل الأفكار وتطورها، ولطبيعة العقل الغريزية، وقد وقف بهذا ضد فكر المدرسة البريطانية التي زعمت أن الحواس هي المصدر الوحيد للمعرفة. مثلما وقف ضد المثاليات الساذجة، فخط لنفسه مزرعة بين القريتين.
17-التجربة الحسية تخبرنا عما هو واقع بالفعل، لكنها لا تستطيع أن تقول إن هذا الواقع لا بد أن يكون هكذا، كما أنها لا تعطينا الحقائق العامة التي نحتاجها. العقل هو الذي يمدنا بتلك الحقائق ويحوّل نتائج التجربة إلى قوانين وأحكام، إذاً فهو مصدر المعرفة الحقيقي.
18-. عندما تسمع 4 + 4 فإن هناك حكماً جديداً يبرز في ذهنك بدون تجربة، فتقول 4 + 4 = 8 . نحن لسنا مجرد انفعالات للتجارب، بل نحن أكثر من ذلك بلا شك. "نقد العقل الخالص" ليس عن المعرفة وكيف تتم فقط، بل يحلّق ويعلو على ذلك، فيبحث : كيف يمكن للعقل أن يعرف؟
19-لقد وضع كنْت نفسه متعالياً على العقل، ولذلك أسمى أبحاثه وفلسفته :
Transcendental Philosophy
أو الفلسفة المتجاوزة أو الفلسفة النقدية، أي البحث في المعرفة الموجودة قبل التجربة.
20-إنه لا يقدم بحثاً فيما وراء الطبيعة بالطريقة الفلسفية الكلاسيكية، بل دراسة عن إمكانية العلم بما وراء الطبيعة. إذا ثبت أن الثقة ممكنة هنا، فكيف تكون؟
21-بعد انتهاء كنْت من رسم حدود العقل، انتقل إلى دراسة ما وراء الطبيعة، وبما أن العلم كله أحكام إنشائية، نثبتها أو ننفيها، فأن سؤال كنْت كان : هل في العقل أحكام نشأت فيه قبل أن يرى العالم الخارجي؟ وإذا كانت موجودة، فما وسيلة إمكانها؟ هذه هي المعرفة القبلية. (apriori)
22-النتيجة التي خلص إليها كنْت بعد هذا البحث، هي أن عقولنا لا يمكن أن تعرف إلا عالم الظواهر، أما عالم "الأشياء في ذاتها" فذاك عالم لا يمكن الوصول إليه إطلاقاً. وبالتالي ليس للعقل أن يحكم إلا على هذا العالم. وحقيقة هو لا يعتقد بعالم "النومين"، ما هو إلا حد منطقي اصطنعه وتجاوزه.
23-ثم أتبعه بكتاب " نقد العقل العملي " في 1788 وختمها بكتاب " نقد ملكة الحكم " في 1790 . " نقد العقل العملي " يمثل مرحلة الاعتدال والتوازن في حياة كنْت الفكرية بعد حالة التمرد التي بزغت مع كتابه النقدي الأول، قبلها بسبع سنين.
24-غرض هذه الكتب الثلاثة، هو اختبار العقل وقدراته وحدوده وعرض نظرية كنْت النقدية في المعرفة والأخلاق وعلم الجمال والطبيعة، وقد توصل إلى استحالة بناء مذهب من الفلسفة التأملية " الميتافيزيقا " دون دراسة تمهيدية لأشكال المعرفة وحدود قدرات الإنسان المعرفية.
25-لقد وقف كنْت موقفا وسطا بين واقعية البريطانيين ومثالية الألمان،فقبل أن الإحساس يجيء من الخارج كمادة أولية للمعرفة، وفي الوقت نفسه اعترف بفاعلية العقل ودوره في تحويل الإحساس الخام إلى مدركات حسية، مخالفا بذلك جون لوك الذي نظرا إلى العقل على أنه مجرد عجينة تشكلها التجربة الحسية.
26-. يبدو كنْت هنا توفيقياً، وقد وصفه المؤرخون بأنه واقعي/مثالي بسبب تأليفه بين هذين المذهبين الفلسفيين. ذكرت فيما سبق أن الأفضل ألا نطلق الوصف بأن فلان مثالي أو مادي، يمكن أن نقول لديه نزعة مادية أو مثالية أو نزعات متضاربة. الإنسان ليس جدول ضرب.
27-هنا تأتي أهمية هيغل، فبحسب فهمي له هو يقول لك : لا تجزع إذا رأيت في رؤيتك تناقضا، لا تحزن من أجل هذا الصراع في داخلك، فهو حتما سيقودك لشيء أكمل.
28-كلام كنْت عن قضيتنا (السعادة)كثير، لكنه يبدو لي كإنسان قد دُمغ بدمغة الكآبة في بداية حياته فبات كالمسموم الذي لا يرجى برؤه. هذا يحدث للبشر أحيانا بحيث لا يبدو أن هناك طريق للخلاص. سيرة حياة كنت كانت خاوية للغاية، يراوح بين الجسد الضعيف والمرض والوحدة.
29-بث مذهبه في عدد من كتبه ورؤيته للسعادة ينبثق من مذهبه العام في الأخلاق، فقد سعى كنْت لتأسيس منهج يقوم على أداء الواجب لذات الواجب، لا لأي سبب آخر، ولأنه الفيلسوف الذي يطرح الأسئلة اللامفكر فيها ويفحص الأدوات قبل استعمالها، فقد تساءل عن أداتنا التي ستحقق لنا السعادة
30-لينطلق من ذلك إلى أن العقل لا يمكن أن يقوم بهذه المهمة، فالأداة التي تناسب هنا هي الغريزة. العقل يصلح للتأمل في اللحظات السعيدة التي تحظى بها طبيعته وتقديرها، وفي رأيه، أن العقل كلما انغمس في متعة الحياة والسعادة، كلما ابتعد عن تحقيق الرضا الحقيقي.
31-بالنسبة لكنت، من الصعب علينا أن نحدد الفعل الذي يمكن أن يضمن السعادة بالنسبة للكائن العاقل، هذه مشكلة لا يمكن حلها، وبالتالي لا يوجد ما يمكن أن يملي علينا، ما يجب عمله لكي نكون سعداء، فالسعادة نموذج خيالي من وحي الخيال لا العقل.
32-وبالتالي فإن فكرة السعادة ضرورية باعتبارها كلاً مطلقاً، وحدّاً أقصى من تحقيق راحة البال في الحالة التي أنا عليها في الحاضر.
33-الخير عند كنْت شيء يُشبع الإنسان في كليته، سواء على مستوى العقل، أو على مستوى الحساسية لكنه لا يتصور قيام السعادة بدون أداء الواجب الأخلاقي، هذا جيد ويمكن أن نقول معه "قم بواجباتك" لكي يرتاح ضميرك فتسعد بحياتك.
34-اختار كنْت الفصل بين تحقيق السعادة وتحقيق الفضيلة، ثم انحاز كليّة لتحقيق الفضيلة التي أرادها أن تكون قانوناً شاملاً يصلح لكل البشر. السعادة ليست ندّاً للفضيلة في حال الخصومة بينهما ، بل كان يرى أن السعادة تأتي كنتيجة للفضيلة، أو كمكافأة على التحلّي بها، لا أن تكون منافسة لها.
35-يبدو هذا جيداً للوهلة الأولى،لكن يشكل أن السعادة ليست غاية نبحث عنها ونشغل أذهاننا بمحاولة تحقيقها، إنما هي فقط نتيجة لنمو الأخلاقية، نتيجةٌ لا ينبغي أن تتحول إلى هدف،وكأنه يرى أنه لا بد أن يحدث التعارض بينهما لا محالة، إذا كانت السعادة هي الغاية المقصودة من سعي الإنسان وحركته
36-لذلك وجدناه يقرر بأن السعادة التي لا تحكمها الفضيلة قد تتحول لحالة من الغطرسة. إذاً، السعادة والفضيلة شيئان متمايزان عن بعضهما، والعيش في سعادة لا يعني أن سلوك هذا السعيد كان فاضلاً في كل حياته.
37-على كل حال، لقد قرر كنْت أن السير في طريق يؤدي بالإنسان لأن يكون سعيداً، يختلف عن السير في طريق يجعل منه إنساناً فاضلاً، وهكذا لا ينبغي للإرادة أن تنشغل بالسعادة، فالإرادة يجب أن تكون مشغولة بتحقيق الخير الأسمى "الفضيلة".
38- إذ لا يوجد شيء يمكن أن نعتبره حسناً بشكل مطلق إلا الإرادة الحسنة، لا الذكاء ولا الموهبة ولا الشجاعة ولا المثابرة، ولا أي شيء آخر يمكن أن نصفه بالحسن، إلا إذا ارتبط بالإرادة الحسنة، فكل هذه الصفات يمكن أن تتحول إلى أشياء مشؤومة إلى أقصى حد.
39-السلطة والغنى والجاه والرضا عن الذات، وهو ما نسميه بالسعادة، كلها تولّد ثقة زائدة في الذات، وتتحول في الغالب إلى أمنيات، ما دام أنه ليس هناك إرادة حسنة تسمح لنا بتصحيح مسار تأثير هذه الامتيازات على الروح، وتسمح لنا بالسير قدماً نحو غايات كونية.
40-الإرادة الحسنة هي المبدأ المتحكم في الفعل، ولن يستطيع أي مشاهد عاقل ونزية الشعور بالرضا، لكون شخص ما ينجح دائماً في كل ما يفعله، رغم أنه لا يتحلى بأية خاصية من خصائص الإرادة الخالصة والحسنة، هكذا، فالإرادة الحسنة تكون الشرط اللازم، حتى بالنسبة لما يجعلنا جديرين بأن نكون سعداء.
41-السعادة فكرة غير محددة المعالم، فهي ليست مفهوماً عقلانياً بل مفهوم خيالي، ولأن معطيات الخيال غير منضبطة، فلكل إنسان سعادته، ونتيجة لذلك سيكون من المستحيل أن توجد قوانين للسعادة بحيث تكون لها صفة أو صورة كليّة تنضوي تحت المبدأ الأخلاقي الحقيقي الذي يصلح للجميع.
42-بالتالي يجب أن نصغي للقانون الأخلاقي، وهو لا يأمرنا بأن نعمل على تحقيق سعادتنا، بل إنه يأمرنا أن نغض الطرف عنها. ما يهم كنْت أولاُ هو تأسيس مبدأ أخلاقي، والأخلاق عنده، ليست مذهباً يهتم بالكيفية والسبل التي تكفل لنا تحقيق السعادة، بل كيف نجعل أنفسنا جديرين و مستحقين للسعادة
43-ولذلك كتب يقول :
-ليس شرطاً أن أعيش في سعادة ما حييت، وإنما أن أعيش فاضلاً ما حييت.
44-وقدّم كنْت القيمة الذاتية لكل فرد وقرر أنه لا ينبغي التضحية بهذه القيمة من أجل المجتمع ككل، مع أن أخلاق الواجب تضحى بسعادة الفرد من أجل الجماعة. هذا تقرير ظاهره التناقض، إلا أنه يقصد بالقيمة الذاتية، فضيلة الفرد التي يراها فوق الفرد والمجتمع، على حد سواء.
45-في نصوص كنْت كلام كثير قد يوحي بالتقليل من قيمة السعادة وازدرائها، ولعل السبب في ذلك أنه ربما كان كنْت يتصور الباحث عن السعادة شهوانياً يبحث عن اللذات الحسيّة على طريقة أرسطبوس الإغريقي ومن سار على نهجه من الحسّيين أتباع الشهوات الساذجة.
46-إذا كانت هذه هي السعادة فمن حق كنْت أن يقف منها هذا الموقف، إلا أن الأمر ليس كذلك، فالسعادة بمعنى طمأنينة النفس وراحة البال والاعتدال في الاستمتاع بالملذات، لا تتعارض مع التحلي بالفضيلة، فالسعادة والفضيلة ليستا متنافرتان، بل يمكن أن تسافرا في قافلة واحدة.
47-هذه الصرامة الأخلاقية ومبالغته في الاحتراز من الأمراض، أفادته فعاش ثمانين سنة، رغم كونه ضعيف البنية لحد كبير. كان يعلم أن الوقاية خير من العلاج ولذلك عاش على جملة من القوانين الصارمة، منها أنه كان لا يتنفس إلا من أنفه إذا كان خارج داره، وكان لا يتحدث مع أحد أثناء نزهته اليومية
48- في الغابة، لأن السلام وسيؤدي به إلى التنفس من فمه وربما يلتقط الجراثيم الضارة.في سن السبعين كتب مقالة بعنوان "مقدرة العقل على السيطرة على الشعور بالمرض بقوة العزيمة". هذه الفكرة طورها وليام جايمس في بحوثه النفسية، ولواين داير كتاب يحمل اسم "قوة العزيمة" يدور في هذا الفلك.
49-انتهى ما في الكتاب وقد أعود لبعض النقاط.
50- عدنان إبراهيم هذا دجال كبير يقول للناس ما يرغبون في سماعه.
إيمانويل كنت أصبح مسلم عنده!!!!
m.youtube.com
51-فلسفة كنت معادية للمثاليات السابقة، فقد رفض فلسفات أفلاطون وديكارت وبركلي ولايبنتز وغيرهم، وأكد على استقلال الواقع ورفض رده للفكر،وبرهن على ضرورة التجربة الخارجية، وفسر نشأة الكون تفسيرا ميكانيكيا، واكتفى بعالم الظواهر، وقرر أن كل معرفة ناتجة عن الذهن هي وهم مجرد.
52-كل فكرة مثالية عند كنت هي مجرد رمز لشيء واقعي. وكل خلافه مع المثالية ناتج من رفضه الجذري لمبدأ المثالية الأول (رد الوجود إلى الفكر) أو استخلاص الوجود من الفكر. كنت بلا شك، أقرب للتجريبيين والوضعيين، منه لأي مثالي كان.
53-كنت ليس مثاليا لأنه يؤمن باستقلال العالم الخارجي وان الذات لا تخلق موضوعاتها.وليس ماديا أيضا، لان العقل عنده ذا فاعلية ابستمولوجية تقوم بتشكيل الانطباعات الحسية الواردة من الخارج وتقولبها في أطر عقلية هي الزمان والمكان والمقولات، ولم يصف العالم قط بأنه ذو طبيعة مادية نهائية.
54-هناك شراح يعتقدون أن فلسفة الدين عنده،تتعارض مع مجمل فلسفته،لكن هذا غير صحيح. كنت افرغ المسيحية من جوهرها وملأها بعقلانيته، فخرجت في صورة غير المسيحية المعروفة. لقد طبق أفكاره في "نقد العقل الخالص" عليها واعتبرها موضوعا للتفلسف.كنت كغيره يفهم من خلال الخلاصات التي انتهى إليها.
55-لفهم كنت فهما صحيحا، لا بد من التمييز بين النتائج المنطقية التي تركها لتستنتج من مقدمات برهن على صحتها، والروح الجوهرية لفلسفته، في جانب، وفي جانب آخر نضع تصريحاته الجزئية التي قالها تحاشيا للقاء مع مقصلة الكنيسة الباردة الحادة.
56-انظر مثلا لتقريره بأن المسيح آمن ببعض مبادئ وعقائد اليهودية ليكسب اليهود،لكنه لم يكن مؤمنا باليهودية ع الحقيقة، بل كان يتحاشى الصدام معهافي البداية بدليل أنه أسس لدين العقل الأخلاقي الذي ألغى الختان المميز لليهود،معلنا عن دين جديد تحرر من الدين القديم، وصار ديانة لكل الشعوب.
57-الذي يتحدث هنا ليس المسيح، بل كنت نفسه يسقط رؤيته وتأويله الخاص ع المسيحية، لكن بلسان المسيح لكي لا يتورط بنسبة هذا القول لنفسه أمام الكنيسة ومقصلتها الباردة. هذه المراوغات نجدها في نصوص كنت، وهي ليست بالقليلة.لقد فهم المسيحية بناء على تصور عقله هو.
58-وعندما نحفر إلى مستوى أعمق، فسنجد أن المسيحية التي يتحدث عنها كنت ليس لها وجود تاريخي من الأساس. لقد استبعد ما في المسيحية المعروفة من عقائد، وأحل مكانها معان رمزية ومجازية تدل على أن ما يقدمه هو مسيحيته الخاصة العقلانية التي ليس لها صلة بكل المسيحيات التي نعرفها.
59-ولذلك أقول وأنا مرتاح الضمير أن كنت عندما يقول :
( لقد أغلقت من مجال المعرفة، لأترك مجالا للإيمان)
فهو حتما يكذب. لا مجال لديه سوى مجال العقل ومعارفه. والإيمان الذي يتحدث عنه هو إيمان بالعقل والأخلاق ولا شيء سواهما.
60-رأى غوته وهردر وشيلر أن فلسفة الدين عند كنْت تتنكّر لفلسفته العقلانية بسبب تمسحه بالمسيحية، لكن مسيحيته ليس فيها من المسيحية إلا اسمها، فهو ينكر خطيئة آدم الموروثة، ويرفض حلول اللاهوت في الناسوت، والولادة غير الطبيعية، كما يرفض عقيدة فداء المسيح للخطاة، ويرفض قيامته. ماذا بقي؟
61-مسيحية كنْت تستخدم الترمنولوجي الإنجيلي، لكن استخدام لا يخرج عن دائرة الاستخدام الرمزي المجازي الذي يلامس المعاني من بعيد من باب التقية لكي لا يجد نفسه في حالة صراع مع رجال الدين.
62-أما الكنيسة، فقد شن عليها حربا ضروسا لم ترها من قبل، فقد رفض سلطة الإنجيل وشكك في صحة نقل الحواريين وفي دقة نقلهم عن المسيح، ثم انتقل لمستوى ثان عندما شكك في نقل من جاءوا بعد الحواريين، ثم قرر أن الخلاص لا يمكن أن يُعلّق بالإيمان بما جاء في الكتاب.
63-هذه المسيحية الكنتية التي لم توجد قط إلا في عقل كنْت، هي "الدين في حدود العقل وحده". دين يتبع العقل ويستنير به ويتبع قوانينه. كما سبق وقلت، هو لم يغلق مجال العقل الخالص ليفسح المجال للإيمان، بل قيّد الإيمان بقيود العقل، ورفض كل ما لا يقبله عقله.
64-ينبغي أن أعلق بأن الرافض هنا هو عقل كنْت لوحده. مثلا عندما يرفض الصلاة ويعتبرها نوع من التملق بحثا عن مكافأة. عقلي يخالف عقله تماما، وأرى أن الصلاة فرصة سعيدة لاتصال المتناهي(أنا) باللامتناهي(الله).هذه الصلة سعيدة ولا أرى فيها أي تملق. ما قرره عقل كنْت لا توافق عليه كل العقول.
65-لا يقف عند هذا الحد، بل يقرر أن المسيح المثالي بوصفه المثل الأعلى للبشرية، ليس له وجود تاريخي حقيقي، وهذه الشهرة التي حصلت لاسم المسيح صارت بطريقة خفية. لكن يجب الإيمان به من وجهة نظر العقل الخالص، كواقعة موضوعية، في العقل البشري، دون اعتقاد بواقعة تاريخية وحلول لاهوت في ناسوت
66-فكرة حلول اللاهوت في الناسوت عند كنت تؤدي للإحباط وإلى ألا يمكن قيام الأخلاق، إذ كيف سنطلب من إنسان عادي أن يقتدي بإنسان/إله؟ المسيح عند كنْت ليس حجة تدعو لقيام الأخلاق بين البشر، بل حجة على استحالة قيامها. الإنسان/الإله يتعارض أصلا مع مفهوم الديانة الأخلاقية عند كنت.
67-القدوة لا بد أن يكون إنساناً طبيعيا بالكامل لكي يمكن الاقتداء به، فلا إنسان/إله ولا ملائكة يمكن أن يكونوا قدوة البشر. وكمال المسيح من وجهة النظر الكنتية هو كمال إلهي وليس كمالا إنسانيا. الحلول والولادة ليس لهما فائدة أخلاقية ولذلك لا بد من التأويل، فقبل بأن عيسى ابن الله مجازا
68-ويرى كنت أن عقيدة التثليث لا تحمل فائدة أخلاقية لأن الإيمان بها لا يعود بفائدة عملية في الحياة الأخلاقية،ويرفضها لأنها تجاوز العقل، ولا برهان عملي عليها، أي أن العقل الخالص والعقل العملي عجزا عن تبريرها. الأساس في الدين هو العمل، عند كنت، التسليم ليس بالعقائد بل الهدف الأخلاقي
69-هنا يذكرنا كنت، ولو قليلا، بالصوفي الفيلسوف مايستر إيكهارت الذي قرر أن البنوة ليست للمسيح وحده، بل لكل البشر، فاستدعاه البابا وكان سيواجه مصيرا قاسيا لولا أنه هو نفسه مات، قبل أن يصل رسل البابا إلى قريته في الريف الألماني، فأصدر البابا مرسوما بتكفيره بعد موته.
70-رفض كنت عقيدة الفداء المسيحية لأنه يعتبر الخطيئة مسئولية شخصية. وبحسب تقرير العقل العملي يلزم كل إنسان أن يكفر عن نفسه بنفسه، لا أن ينتظر مخلصا يكفر عنه خطاياه.كما رفض فكرة توارث الخطيئة منطلقا من مسئولية كل فرد عن فعله. وطبعا رفض فكرة الفدائي الذي سيخلصنا من إثم خطيئة أبينا.
71- سعى كنت لتحاشي الصدام بأن قرب عقيدة الفداء من حدود العقل الخالص، فأقرها كرمزية تشير لعملية التبرير التي يقوم بها الإنسان التائب أمام الله، وبالتالي يتحمل الألم الناتج عن فعله للمعاصي، وفي هذا يتمثل الرمز في عقيدة آلام المسيح، وموت الإنسان هو موت لنوايا الشر والصلب وأد الشهوة.
72-في "الدين في حدود مجرد العقل" عرف التوبة بأنها نبذ الشرور والولوج إلى الخير، بها يتخلص الإنسان من هويته السابقة ويصبح إنسانا جديدا بعد تخلصه من خطيئته ومن الرغبات التي تدفعه صوبها، لكي يعيش وفقا للعدالة. لكن لا يوجد عنده فعل أخلاقي منفصل عن فعل أخلاقي آخر من الناحية الزمنية.
73-ورفض كنْت عقيدة قيامة المسيح بعد ثلاثة أيام، بقوله "لا يستسيغها العقل". لكنه عاد وأعطاها معنى مجازيا، فهي قيامة الأخلاق وبداية حياة فاضلة جديدة، وأصر على رفض قيامة الجسد لأنه لا يوجد ضرورة عقلية تحتم بقاء المسيح للأبد، فضلا عن أن الهوية الشخصية لا ترتبط بالجسد ارتباطا ضروريا.
74-وأعطى كنْت ل"ملكوت الله" التي تحدث عنها المسيح في الأناجيل معنى مجازيا، فهي ملكوت الأخلاق القائمة على العقل الخالص، الذي يحكمه الدين الخالص، الذي يفتح قلبه مرحبا بكل البشر. مثل أعلى رأى كنْت أنه يمكن تحقيقه على الأرض.
75-وعندما تعرض للخطيئة، مر على مشكلة الشر وعلاقتها بالحرية، ودرس القضية دراسة فلسفية لا دينية، فالشر ضروري لأنه يؤكد الحرية الانسانية، فالحرية لا معنى لها إن لم يكن هناك اختيار بين الخير والشر. كنت يعتقد ان فينا ميلا اوليا للشر بسبب ضعفنا، لكن هذا لا يسقط الواجب.
76-الحرية عند كنت، كشيء ميتافيزيقي، لا يمكن معرفة جوهرها الحقيقي، ولا يمكن لأي نقد عقلي أن يحفر بعمق فيما وراء مظهرها الخارجي.
77-هناك مبدأ قبلي في الانسان يميل لفعل الشر، لكن لا يلزم من هذا وقوع الشر، وإنما يعني أن حرية الإنسان ممكنة. ولا يكون لفعل الخير قيمة ما لم يكن الشر ممكن الحدوث.كنت لا يقول إن الإنسان شرير بطبعه، وإنما يقول بأمكانية فعله للشر كأساس ضروري للحرية. ولا يكون الانسان حرا الا هكذا.
78-كان هذا تصحيحا للفكرة الشائعة، أن إيمانويل كنْت يقول إن الأصل في الإنسان هو الشر والميل إليه. كما أوضحتُ هو لم يقل بهذا.
79-الشر والخير مجرد إمكان في الإنسان potentiality والإنسان وحده المسئول عن الأخذ بأحد الاتجاهين، ومن هنا تكتسب الحرية إمكانيتها.
80-نعم، ورد له نص يقول فيه إن الإنسان شرير بطبعه، إلا أنه لا يقصد مفهوم الطبيعة الحتمية، وإنما يقصد المبدأ الذاتي لاستخدام حرية الإنسان بعامة. وبالتالي فهو سمة أصيلة للإرادة الحرة باعتبار الإنسان فاعلا قادرا ع الاختيار. ويعد هذا المبدأ كالشرط المسبق لإمكان فعل الخير والشر.
81-هذا بمثابة ما أسماه"استعداد الإنسان للشخصية"من حيث كونه عاقلا ومسئولا،والاستعداد للشعور بما هو أخلاقي. استعداد ينبع من العقل العملي الأخلاقي، بوصفه المشرّع الكلي. وإذا كان الاستعداد للشخصية استعداد للشعور الأخلاقي، فإن الميل للشر يمثل إمكانية الشر. ومن ثم فالاثنان طبيعة أولية.
82-الشر طبيعة والخير طبيعة، أي أنهما يمثلان أساس إمكان الحرية، وليس بمعنى الطبيعة الحتمية كما يقررها علماء الطبيعة والحتميون الماركسيون. ما أبعد كنْت عن ماركس! رغم كل المحاولات للتقريب بينهما!
83-وحتى بخصوص الاستعداد للشخصية، رغم اتفاقه مع الميل للشر لكنه يختلف، لأنه لا يمكن أن يطرأ عليه الشر.الميل للشر مجرد شرط لإمكان قيام فعل الشرير، وبالتالي ليس طبيعة حتمية كما يقرر هوبز أو بعض المتدينين أو كما يحلو للبعض أن يفهموا كنْت. القضية وما فيها مجرد إمكان وشرط لقيام الحرية.
84-عند كنت، هناك ثلاثة أسباب للشر:
1-ضعف العزيمة.
2-كون القلب غير طاهر.
3-تفضيل الدوافع الدنيا على العليا.
85-ولأن كنت لا يؤمن بأن الإنسان ذا طبيعة شريرة، دافع عن آدم لأن وقوعه في الشر كان بسبب مؤثر خارجي: الشيطان. فآدم قبل الخطيئة كان في حالة البراءة الأصلية الغريزية، ولذلك انتقد كنت كلا من مارتن لوثر والقديس أوغسطين الذي حدثنا في اعترافاته عن "خطيئة الطفل"و "الجسد المصطبغ بالمعصية".
86-وهكذا وضع كَنْت الإنسان أمام مسئوليته الذاتية، وقرر حرية الإرادة الإنسانية، ببحثه عن أصل الشر في العقل، بحيث صار صار الفعل الشرير بعد حالة من تساوي إمكانية الخير والشر، في حالة البراءة. حالة البراءة لا تنتهي، لأن اقتراف الشر يمكن تجاوزه دوما بفعل الخير، وبالعودة لحالة البراءة.
87-الصراع لا ينتهي، لكن يستطيع الإنسان أن يسعى لينتصر الخير، وأن يصبح حرا من أسر قانون الخطيئة، ولتنمية مجتمع مؤسس ع قوانين الفضيلة، في مجتمع يفرض العقلانية ع كل الجنس البشري، مجتمع يقيم حكومة الله الأخلاقية لا حكومة رجال الدين، حكومة تحارب الشر وتبعده عن مبادئ الإرادة الحرة.
88-هذا المجتمع مدني أخلاقي وليس بسياسي، مجتمع بمثابة اتحاد أخلاقي يقوم على مبادئ العقل في إلزامها الكلي. ودعا في (مشروع للسلام الدائم) لقيام اتحاد دولي يجمع الأمم ضد الحرب. فنشأت (عصبة الأمم المتحدة) استجابة لدعوة كنت، ثم تغير اسمها واصبحنا نعرفها بالأمم المتحدة.
89-وبقي كنت يستخدم مصطلح "الكنيسة" للتعبير عن المجتمع الفاضل الذي سعى لإقامته، وهذا استخدام مجازي آخر، فمملكته لا يحكمها الباباوات، بل هي جماعة أخلاقية غير مسيسة، ودستورها أخلاقي عقلاني، تتبع أباً كلياً أخلاقياً لا تمكن رؤيته.
90-يرفض كنت أن يقال "أديان" لأن الدين عنده واحد،لكن هناك عقائد مختلفة، ويقرر أن سبب الصراع بين الناس هو وجود المؤسسات الدينية المختلفة، ولن يزول الصراع إلا بتحكيم العقل الأخلاقي. كما قرر أن محاولته يمكن أن تنجح أيضاً في المجتمعات غير المسيحية، عندما يدرك الناس أن دين الله واحد.
91-وبما أن الدين واحد،والتنوع في العقائد،. فينبغي للدولة أن تفسح المجال للجميع ولا تنحاز لطائفة، بما لا يضر باستقرار الدولة ولا يضر بحقوق طائفة،وفي كل حال يكون للدولة السيادة ع الجميع، بما لا يضر بالحرية الداخلية لكل طائفة، ويلتزم الجميع بقوانين الدولة، فلا يتدخل الدين في السياسة
92-وفي المقابل لا ينبغي للدولة أن تستخدم الدين كأداة سياسية، وإن كان لها أن تعطيه دورا أخلاقيا لتنمية الضمير الأخلاقي، لأن القوانين وحدها لا تكفي لتحقيق الخير المطلق بدون الضمير.
93-وانتقد كنت نظرية لايبنتز في العدل الإلهي، وكأنه يعرف طبيعة الغاية الإلهية، وكأنهم وقف على حكمة الله! كل المحاولات فاشلة لأنها تخوض في عالم الأشياء في ذاتها عندما تخوض في طبيعة المقاصد الإلهية. وهكذا ليس أمام الإنسان إلا الإيمان الأخلاقي بالله دون توظيف العقل لفهم مقصده.
94- هناك كتب عن كنت، أجدها مضحكة، مثل هذا الكتاب. المزوغي يعتقد أن إيمانويل كنت رجل دين متخفي، وفي كتابه عن محمد أركون قرر أن أركون رجل دين صوفي متخفي، وهلم جرا. وكل كتبه الأخرى عن هايدغر وديريدا وفوكو ونيتشه، كلها بلا استثناء تستحق أن يلقى بها في النار لكثرة ما فيها من أخطاء.
95-بالنسبة لكنت اليهودية مشروع سياسي وليست بدين، والمسيحية نزع عنها كل مضمون وكساها بثياب العقل الأخلاقي. ماذا عن الإسلام؟ ليس صحيحا ما يقوله عدنان إبراهيم عن علاقة كنت بالإسلام، إذ نادرا ما يذكر الإسلام وإذا ذكره فهو حديث عن الأتراك والحرملك. بل يمكن القول إنه تحاشى الخوض فيه.
96- أعرف قصة؛ بسم الله الرحمن الرحيم، التي وجدوها مكتوبة بالعربية على رسالة الدكتوراه الخاصة به، لكن العبرة بالخط الذي سارت فيه فلسفته وما كتبه فعلا في كتبه وتوجهه الفكري، لا أمنياتنا ورغباتنا التي نحاول فرضها بالقوة على الواقع.
97-موقف كنت من الميتافيزيقا يمكن اختصاره في جملة: الميتافيزيقا لن تصبح علما دقيقا إلا إذا تحولت إلى علم لحدود العقل الإنساني، وليس لموضوعات غير قابلة للمعرفة. وبالتالي ربطها بالعلم الطبيعي، وهذا هو ما طالبت به الوضعية المنطقية في القرن العشرين.
98-بجملة واحدة، الشيء في ذاته مجرد حد معرفي أو منطقي لا يصح تجاوزه إذا أراد العقل الوصول لمعارف يقينية، أي أن الشيء في ذاته مجرد مفهوم بوظيفة معرفية، مجرد حد منطقي، بدون وجود أنطولوجي.
99-ذكر كنت هذا في (مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة) وقال إن الشيء في ذاته "مجرد نهاية عالم الظواهر" وقال إن استخدامه لكلمة "نهاية" مجازي، كصورة متخيلة، لكي يضع حدود العقل واستعماله المقبول.
100-من الضروري لدارس فلسفة كنت، أن يتذكر أنه أمام نظرية في المعرفة، لا نظرية في الوجود.
101-حدود العقل الكنتي في جملة قالها في "مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة": ( إن العقل على الرغم من مبادئه العقلية، لا يعرفنا أبدا شيئا أكثر من موضوعات التجربة). لكن هذا لا يمنع العقل من الوصول إلى النهاية الموضوعية للتجربة، أي يقف عند حد عالم الشيء في ذاته.
102-رفض أفلاطون شهادة الحواس، فرفض كنت عقلانيته.شهادة الحواس عند كنت تشتمل ع عناصر إيجابية، فهي خادمة العلم، تقدم له المعطيات التي يحتاجها. كنت يثق بعالم الحس ولا يثق بعالم الفكر المجرد ع طريقة المثالية التقليدية. عالم المثال لا يحوي أي معرفة إيجابية، ومن هنا يرفض المنطق الآرسطي.
103-رفض كنت استخدام منطق أرسطو كمنتج للمعرفة الموضوعية، لأنه يقوم بتحويل ما هو منطقي إلى ما هو أنطولوجي. وهذا يتضمن محاولة تعسفية لرفع ما هو ذهني إلى مستوى جوهر العالم، أي أنه حول المفهوم أو التصور إلى وجود واقعي. كنت يرفض كل هذا الكلام جملة وتفصيلا.
104-واختلف كنت مع لايبنتز الذي وحد بين ما هو منطقي وما هو أنطولوجي. كنت يرى في التوحيد خلطا بين التضاد في الواقع والتضاد المنطقي. لايبنتز يرى أن الإمكان المنطقي هو ذاته الإمكان الحقيقي، ومبادئ الفكر عنده هي مبادئ الواقع. وهذا هو نفسه رأي هيغل الذي سيأتي بعد كنت. كنت يرفض هذا كله.
105-يبدو أننا سنقيم عند كنت لبضعة أسابيع على الأقل، لنستعرض بعض ما كتب عنه مؤخرا. كنت بحر متلاطم ولا زال الناس يعودون له ويستنطقون نصوصه.
106-هنا خلاف جوهري بين كنت وهيغل، كنت فصل فصلا جذريا بين التضاد الواقعي والتضاد المنطقي، وهذا مخالف لديالكتيك هيغل، لأن كنت يرى أن التناقض في الواقع لا يمكن رده إلى تناقض منطقي، كما يفعل هيغل. فرضية كنت فرع من فرضيته الكبرى؛ أن الوجود لا يمكن رده إلى تضاد بين تصورات.وهذا كل هيغل.
107-هيغل يرد التعارض في الواقع إلى تعارض منطقي، ويرد الوجود إلى الفكر، ويفترض سلفا رفض العالم الخارجي كشيء يختلف عن التصورات العقلية،وبناء عليه فديالكتيك هيغل عكس نظرية المعرفة الكنتية.كنت يرفض استنباط الوجود من الفكر وان الوجود ليس ذاته التصور،مع أن التصورات قوالب لانطباعات الحس
108-يرى كنت أن المثالية من أفلاطون إلى بركلي تسير وراء غاية صوفية وحيدة(العيان العقلي).
إذا بأي معنى يوصف بأنه مثالي؟ النقطة المثالية الوحيدة عنده، هي السعي لفهم إمكانيات معرفتنا القبلية، من حيث موضوعات التجربة. ما سوى هذا، لا يوجد فيه ذرة مثالية، وبالتأكيد لا يوجد فيه ذرة تصوف.
109-صرح كنت في كتاباته بكل وعي أن فلسفته ليست مثالية، وبرر هذا بقوله إن مكانه على أرض التجربة الخصبة وليس في مكان آخر، وكلمة ترنسندنتال(متعال) لا تعني سوى ما يسبق التجربة قبليا من الناحية المنطقية، لا الزمنية. شيء محايث للتجربة ويجعل المعرفة التجريبية ممكنة،وكل ما سوى هذا مثالية.
110-في"نقد العقل الخالص"فقرات كاملة خصصها لتفنيد المثالية بالاسم. المثالية التي انتقدها نقدا شديدا هي تلك التي تعلن أن وجود الأشياء في المكان خارجا عن إدراكنا هو أمر مشكوك فيه ولا يمكن البرهنة عليه.هذا ينطبق ع مثالية ديكارت التي تجعل(الأنا موجود) الشيء الوحيد الذي لا شك فيه.
111-ونقده أشد لمثالية بركلي التي تقرر أن وجود الشيء يعني أن يدرك، وأن الأشياء في المكان مجرد تخيلات. كتب كنت في العقل الخالص : "قد دمرنا أساس هذا النوع من المثالية في الاستطيقا الترانسندنتالية".
112-كنت يمتدح في مثالية ديكارت عقلانيتها، وأنها تتوافق مع منهج التفكير الفلسفي الذي يتوقف عن إصدار الحكم حتى يصل لبرهان. لكن التجربة الباطنية عند ديكارت لا يمكن في رأي كنت أن تكون ممكنة بغير إثبات وجود الموضوعات خارجا عنا في المكان.ولا بد لذلك من افتراض واقعية المادة.
113-مثالية كنت في جملة، أنه يؤمن أن للعقل فاعلية أبسمتولوجية تقوم بتشكيل الانطباعات الحسية الواردة عليه من العالم، وتقولبها في أطر عقلية، في الزمان والمكان وبقية المقولات، وأن الذات هي التي تعرف عالم الظواهر، وأنه لم يقل أن للعالم طبيعة مادية. هذه مثالية كنت وليس له مثالية سواها.
114-كلمة ترانسيدنتال transcendental التي لها أهمية كبيرة عند كنت، في جملة: هي كل معرفة لا تتعلق بموضوع معين، بل تتعلق بالتصورات الأولية التي تكون لدينا عن الموضوعات، كأن أحدثك عن كوكب فتتصور ه في مكان أو في زمان.
115-كنت بطبعي باحثا عن الحقيقة وأشعر بظمأ دائم للمعرفة وإحساس قلق يدعو للتقدم فيها. واعتقدت أن في هذا شرف الإنسانية واحتقرت الانسان العادي الذي لا يعرف. إلى أن ردني (روسو) إلى الصواب، فاختفى ذلك الهوى الأعمى، وتعلمت احترام الإنسانية.
إيمانويل كنت
116-الاقتباس السابق مهم. كنت بدأ كعالم مع أول كتاب( أفكار عن تقدير القوى الحية) وبعده كتب منها(تركيب الكون وأصله الميكانيكي طبقا. لمبادئ نيوتن) وفيه كان فيلسوفا يستند ع علم الطبيعة ولا يذهب لخارج المحسوس ويرفض اللاهوت العلمي. لكن تعرفه على فلسفة روسو الرومانسية كان حدثا مهما جدا.
117-نيوتن أول من أبصر بساطة الارتباط العظيم بين النظام والانتظام،بعد عيش الإنسان مع الاضطراب.بعده سارت النجوم في مسارات هندسية. وروسو أول من اكتشف وراء الأشكال، طبيعة إنسانية تفترض الجوهر المختلف للإنسان والقانون الخفي الذي يبرر الإنسان وفقا له العناية الإلهية عبر مشاهداته.
كنت
118-واعترف كنت بفضل هيوم." أعترف بصراحة أن تنبيه هيوم أيقظني من سباتي الدوغماطيقي من عدة سنوات مضت، ووجه بحوثي في الفلسفة النظرية وجهة جديدة تماماً. وكنت أبعد ما أكون عن التسليم بنتائجه التي نجمت من أنه لم يتمثل المسألة من كل جوانبها، واكتفى بجانب واحد".
هؤلاء ال3 أثروا به أكثر.
119-هيوم أيقظه من سباته الدوغماطيقي لأنه الفيلسوف الذي أدرك ضخامة الثورة العلمية التي انتهت بموت نيوتن، وأن أثرها على الرؤية الفلسفية لن يكون هينا. يمكن أن نقول إن هيوم وكنت كانا الأعمق في الفهم والأعمق في التأثر، من بين كل فلاسفة القرن ١٨ بنتائج العلم الجديد الذي تشكل وتموضع.
120-أما روسو فيلسوف الرومانسية الأشهر، فقد حرره من الكبر الذي يصيب العالم الطبيعي فيجعله يحتقر الإنسان البسيط. نصوص روسو تلعن الفلاسفة وتفضح المزيف منهم، ونقده الموجه للحضارة الجديدة نفسها وأن عظمة التطور العلمي لا تقارن بالرقي الأخلاقي، كل هذا كان له عظيم الأثر على نفس كنت.
121-من القضايا التي فك روسو الارتباط بينها، العلاقة بين العالم والفاضل، إذ ليس بشرط أن يكون العالم فاضلا. يمكن أن يكون الفرد عبقريا في الفيزياء وسافلا على المستوى الأخلاقي. لقد كشف روسو لكنت النقص الذي اعترى فلسفة التنوير القائمة على العقل فقط، فأبصر أهمية الوجدان وخلجات القلب.
122-كنت بتأثير حركة التنوير تصور في فترة ما أن العقل النظري هو كل شيء. لكن روسو صحح مساره. أي كتاب من كتب روسو الذي أثر في كنت؟ "إميل" و"الاعترافات"و"العقد الاجتماعي". ما هو تحديدا الأثر الذي تركه روسو على رؤية كنت؟
123-أخذ كنت عن روسو أسبقية العملي ع النظري، والأخلاقي ع المعرفي، وإدراك الحرية بوصفها قانونا مفروضا بذاته، وإنقاذ الإيمان الأخلاقي من تناقض العقل النظري.كل هذه القضايا التي نراها ظاهرة في فلسفة كنت، يرجع الفضل فيها لروسو. لا يوجد فيلسوف يبدأ من الصفر دون أن يصعد ع أكتاف العمالقة.
124-أما التمييز بين المعرفة المنفصلة عن الأخلاق، والمعرفة الحقيقية التي تمتلك قيمة تتطور بها طبيعة الإنسان فتصبح "إنسانية"وبحيث تتفتح تلك الطبيعة بفضل المعرفة الحقيقية فتغدو المعرفة ذاتها هي الطبيعة الحقيقية للإنسان فيعثر ع إرادته المستقلة ووعيه المعقول،
كل هذا من إبداع كنت وحده.
125-في"مقالة الجائزة" قرر روسو أن الثقافة أقرب للشر منها للخير، وطالب بالعودة للبراءة الأولى أو الطبيعة الخيرة. لكنه عاد في "العقد" وأعلن أنه لا يرفض الفنون والثقافة، وإنما يرغب في عودة الناس للوحدة التلقائية وللمشاركة في حياة متآلفة من جديد. أما كنت فلم ير ضرورة للعودة للطبيعة.
126-كنت يرى أن الطبيعة هي ما يدفعنا للثقافة. والطبيعة تقذف بالإنسان ليعمل ويشقى ليتحرر بجهده. وما يضادنا هو ما يدفع الانسان للنهوض من حالة الطبيعة للثقافة، فالثقافة هي طبيعة الانسان لأنها تولد من الطبيعة، ولأنها تصبح طبيعته الحقيقية.
127-رغم اختلافاتهما، هناك قضيتان كبيرتان يتفق عليهما الفيلسوفان العظيمان روسو وكنت:
١-تعظيم شأن الضمير الإنساني لأقصى مدى وبلا حدود.
٢-إعلان اليأس العميق من استقامة طبيعة البشر.
m.youtube.com
128-لماذا لم يطالب كنْت بالعودة للطبيعة كما فعل روسو؟ لأن روسو تصور أن الإنسان كان بريئا كالأطفال وخيّرا وجميلا في الطبيعة الأولى، أما كنْت فكان يرى أن روسو تائه بهذا التصور، وأن الطبيعة، أي الحياة البدائية كانت قائمة على سفك الدماء والوحشية وشريعة الغاب.
129-روسو لم يرفض العقل وإنما رفض العقل النظري الصارم الذي تبنته فلسفة الأنوار.عنده العقل بمعناه الأخلاقي العملي متلازم مع الضمير. وهو يؤمن بوجود مسيطر عقلي، لكن لم يضعه في المرتبة الأولى كما فعل التنويريون، فالضمير لازم الإنسان، وهو مصدر الغريزة الحقة، والعقل له دور في كبح الشهوة
130-من هنا جاءت فكرة نقد العقل العملي إلى كنت. كيف نفهم هذا الكتاب؟ عند كنت للإنسان دورين، إنسان يخضع في عالم الظواهر (الفينومنين) لكل مظاهر الآلية في الطبيعة،وآخر يتبع لعالم الشيء في ذاته( النومينا)فيه يشعر بحريته، ويتبع العقل العملي، ويتوافق مع القانون الأخلاقي والواجب والضمير.
131-إذا، فالأخلاق شيء في ذاته(نومينا) وبالتالي هي متجاوزة لعالم الظواهر(فينومينا). لقد طبق كنت في مجال الأخلاق فكرة روسو في المجال الاجتماعي، حيث الحرية هي طاعة القانون الذي يفرضه الإنسان على نفسه، كما ورد في العقد الاجتماعي.
131- كنت من فلاسفة التنوير، قبل قراءته لروسو وبعدها، وإن صح تصورنا، بأن التأثر بروسو حدث بعد تأليف كنت لكتاب"نقد العقل الخالص" وقبل "نقد العقل العملي" فهذا معناه أن صرخة روسو قد غيرت مسار التنوير قليلا في شخص أعظم فلاسفة التنوير. وقد أحسنا بهذا التعديل الذي يصب في صالح الإنسان.
132-باعتبار الانسان مصدر القانون الذي يطيعه، أصبح هناك سلطة للإرادة، إرادة مستقلة حرة ليست ملزمة بما يسنه العقل النظري الخالص، بل إرادة تنطلق من تصور للحرية على أنها نوع من السببية التي يتصف بها الكائن العاقل( الذي هو غاية بذاته) فتجعله قادرا على الفعل بدون تأثر بعلل أجنبية عنه.
133-أجهد كنت عقله لأجل تأسيس فلسفة للدين تقوم ع الإيمان الأخلاقي. إيمان وجده عندما درس روسو، ومعه اكتشف نظرية العقل العملي الذي يتجاوز عالم الظواهر الطبيعية الذي عجز العقل النظري عن تجاوزه. اكتشف عندها أن عالم الظواهر ليس وحده في هذا الوجود، بل هناك عالم الأشياء في ذاتها والضمير.
134-هناك عالم معقول غير مرئي يفرض علينا الواجب والقانون الأخلاقي أن نؤمن به. بعد أن ثبت بطلان دعاوى العقل النظري لبسط المعرفة للحد الأقصى، وأن دعواه غير مشروعة.
135-وثبت أن للإرادة المحضة قوانين خاصة بها، لا يحكمها عقل.بل قوانينها كشفت عن شيء، أسماه كنت "العقل العملي" قادر على تعيين ما هو لا مشروط. ومن مصلحة العقل النظري أن يسلم للعملي وأن يتبعه وأن يتحد معه ولا يذوب فيه ولا يرد أحدهما للآخر، وأن تكون العلاقة بينهما عمودية لا سببية فيها.
136-تقديم كنت للعقل العملي ع النظري كان نتيجة لقراءته لروسو. وهنا اكتشف كنت أن تقديم الضمير والأخلاق على المعرفة النظرية العقلية المحضة، يتضمن الإجابة على سؤال النفاة(الإلحاد) الذي انتشر بسبب الثورة العلمية وتصور الناس أن الكون آلة مادية تسير بفعل قوانين الحركة فقط دون حاجة لله.
137-تقول فلسفة عصر التنوير:(العقل مقياس كل شيء). بينما برهن كنت على أن الرياضيات والطبيعيات لا تصف إلا عالم الظواهر المحسوس وهو ما نستطيع معرفته علميا. تلك العلوم لا تكتشف حقيقة العالم، عالم الأشياء في ذاتها. وطبيعة العقل لا تمكننا إلا من معرفة الظواهر، لا عالم الأشياء في ذاتها.
138-العقل عند كنْت، لا يمكن أن يبرهن على إثبات أو إنكار شيء يتعلق بعالم الأشياء في ذاتها، وبالتالي فهذه العلوم الطبيعية والرياضية لا تستطيع معرفة كل شيء، ولا يمكن أن يزعم أحد بشكل صحيح أن كل شيء داخل في إطارها المعرفي.
139-اعترض كثير من الفلاسفة على كنت، وقالوا: لماذا تفرّق؟لم لا يكون عالم الأشياء في ذاتها هو نفسه عالم الظواهر؟
أجاب كنت، دفاعا عن زعيم الرومنسية روسو، وعن وجود خبرات أخرى لدينا غير خبرات العقل والعلم، لدينا خبرة الشعور الديني، والضمير الأخلاقي، والشعور الجمالي، وكلها مهمة للغاية.
140-كل هذه الخبرات العظيمة حقيقية، مع أنها كلها لا تخضع للدراسات العلمية الفيزيائية والرياضية، وأنه لا يمكن فحصها بأدوات العقل النظري الخالص. من هنا فتح كنت الباب لإدموند هُوسّيرل فيما بعد لنقد العلوم الطبيعية، وتأسيس الفينومنولوجيا القائمة على الشعور بالأشياء كما تقع في الوجدان.
141-هذه الخبرات ستبقى عصية على الفهم إذا بقينا نعتقد أن العالم هو عالم الظواهر والعلم الطبيعي فقط. في تصوري أنه من هنا جاءت لكنت فكرة ترك مساحة لعالم غير هذا العالم، مساحة لوجود عجز العلم عن معرفة طبيعته. هذه المساحة ساعدتنا في التوصل لفهم هو حتما أصوب من التصور المادي الجاف.
142-هذا الإحساس العميق بالافتتان الذي أشعر به عن رؤية وجه امرأة جميلة، هذا الشعور العميق بالطرب والرغبة في الرقص الذي ينتاب البشر عند سماع قطعة لموزارت، كل هذا يدل على أن في الأشياء ما يستحق الإعجاب، لكن لا يمكن للعلم أبدا أن يفسره بكل مناهجه وقوانين الحركة معها.
143-ولدي شعور عميق بأن وراء هذا الكون خالق قد أوجده. خالق عظيم يستحق التبجيل والإجلال. خالق هو مصدر عاطفتي الدينية، وهو مصدر هذه الرغبة التي أجدها في نفسي للتواصل معه ومناجاته وبث شجوني بين يديه.
144-وبرغم كل هذه الخلافات حول قدرات العلم الطبيعي، إلا أن كل واحد منا يشعر بالواجب الأخلاقي الذي كان الشغل الشاغل لكنْت. كلنا يشعر أن طبيعتنا البشرية تنطوي على شيء يجاور العقل ويختلف عنه، نسميه الضمير. العقل يقول إن حاولت إنقاذ غريق قد تغرق، والضمير لن يتركك لتدير ظهرك له بسهولة.
145-كل تلك الخبرات تبرر الإيمان بوجود عالم غير هذا، ولا يمكن أن يجزم أحد بشكل صحيح أن هذه الخبرات مجرد أوهام. هذا تبرير كافٍ للإيمان الأخلاقي من وجهة نظر كنْت، وليس الإيمان اللاهوتي والخلافات المذهبية التافهة والتكفير والتكفير المضاد.
146-هذه هي إجابة كنْت على مشكلة(النفاة) الإلحاد. بثها عبر ثلاثيته الخطرة (نقد العقل الخالص) و (نقد العقل العملي) و (نقد ملكة الحكم) منطلقا من روسو وأن شعور القلب فوق منطق العقل. ثم تجاوز روسو وأصبح في منزلة أعلى منه بكثير، وصار شعور القلب معه عقلا عمليا يقدمه على العقل النظري.
147-ليس بصحيح أن يقال إن ديفيد هيوم وإيمانويل كنْت هدما الميتافيزيقا، بل هما ميتافيزيقيان نقديّان. و عندما تحدث كنْت عن هيوم وخصومه كتب : "لقد أنكروا ما قام به من أجل إصلاح الميتافيزيقا".
148-السبب في غياب التصور الصحيح لمذهب هيوم عند كثير من دارسي الفلسفة، هو كثرة تكراره بأن منهجه تجريبي وأنه هو نفسه لم ينتبه قط لعقلانية هذا المنهج. أما إيمانويل كنْت، فكان يعرف جيدا أن منهج العلم والتجريبية يسبح في بحر من العقلانية من أساسه ومن بداياته، وأن لا شيء يفلت من العقل.
149-برغم افتتان إيمانويل كنْت بعلوم السير إسحاق نيوتن خاتم الثورة العلمية، وبالإنجازات الكبرى التي تحققت على يديه، لكن هذا لم يمنعه من انتقاده في عدة قضايا، أهمها رفضه لفكرة الزمان المطلق الحقيقي عند نيوتن، فالزمان عند كنْت مصطنع وليس بحقيقي. وكذا انتقد تصوره للمكان.
150-كتب كنْت:"العقل لا يبحث في الطبيعة إلا عما وضعه فيها". واستشهد على ذلك بأن مخترع البارومتر تورشيلي لكي يثبت أن للهواء ضغطا، توقع ارتفاع عمود الزئبق في الأنبوبة بمقدار الضغط الجوي(ما يعادل 76 سم من الزئبق). هذا توقع أولي بناه على عمليات حسابية، قام بها قبل أن يباشر التجربة.
151-نيوتن وهيوم كانا يصفان نفسيهما بأنهما تجريبيان، وحده كنْت هو الذي أدرك أنهما والعلم الحديث معهما لم يفلتوا من العقل، بل ينطلقون منه، نيوتن لم ينطلق من التجربة، بل من فرضيات افترضها عقله، ثم حاول إثباتها بالتجربة ونجح. قانون الجاذبية نفسه كان في البداية مجرد فرضية عقلية.
152-لم يفت على كنْت أن العقل هو أساس الثورة العلمية، فنيقولا كوبرنيكوس، الاسم الأول زمنياً في تلك الثورة، بدأ بفرضية عقلية قائمة على التبسيط. بدلا من فرضية أن الشمس تدور حول الأرض، وضع فرضية أن الأرض تدور حول الشمس. فرض عقلي قدمه كوبرنيكوس على شهادة الحواس.

جاري تحميل الاقتراحات...