بعد ساعة من الوقوف تحت الشمس بدأنا بالتراجع، وبقوا هم واقفين، شكر ياسر أحدهم ثم انضمّ لإخوته، صاروا خمسة.
تعال أخبرك الحكاية:
تعال أخبرك الحكاية:
في طريق يمتد جنوب الرياض، لا يمر على مساكن، إنما مصانع ودكاكين، يخبرك الطريق أن المارّون من هنا ذووا حوائج عن قليل تنقضي.
وبعد قليل انقطعت المباني وامتد عن أيماننا وشمائلنا العراء، براحٌ واسع تتوزّع فيه بنيّات هنا وهناك، والشمس سيدة المكان، تراقب السيارات وتبث فيها الوقار والصمت.
وبعد قليل انقطعت المباني وامتد عن أيماننا وشمائلنا العراء، براحٌ واسع تتوزّع فيه بنيّات هنا وهناك، والشمس سيدة المكان، تراقب السيارات وتبث فيها الوقار والصمت.
بعد الطريق الطويل المشمس -الذي تختفي الحياة من جانبيه رويدًا رويدًا- ستنعطف بعد الإشارة يساراً، كانت الإشارة فوق رابية مرتفعة وسينخفض بنا الشارع، في تلك الانعطافة ستطلّ على أرضٍ مسوّرة، جرداء، تميّزها أكوام التراب المصفوفة جنبًا إلى جنب، مغطاة بحصيات بيضاء صغيرة .. سترى المقبرة.
أوقفنا السيارة قرب الباب، مشينا حتى وصلنا الجموع، أنزلوا الميت روضته إنشاء الله، صفّوا عليه اللّبِن، سمعَ -وهو موسّد عند أقدامهم- صوت الطين يُضرب ليسدّ الفجوات، وعسى أن يكون باسمًا ساعتها لما يرى من الروح والريحان.
انهال التراب عليه، حثا الرفاق بأيديهم، جرّت المجارف، دفنت المساحي، نُصبتْ اللبنتان، صَبّت عربة الحصى، جاء طست الماء، رُش الماء، بُلل القبر من علوّ عسى أن تهبّ عليه ريح الجنة في أعماقه.
ارتفعت الأيدي ونَشقت الأنوف، تبادلوا التعازي، وبعد ساعة من الوقوف تحت الشمس بدأنا بالتراجع، وبقوا هم واقفين، خمسة، خمسة يقفون على قبر من أحضرهم للدنيا، كانوا في صُلبه يومًا، وحُلم شبابه يومًا آخر، وهمّ كهولته يومًا ثالثًا، وأثره في الدنيا يومًا رابعًا.
نظرت إليهم، وفجأة انتبهت، أعدت النظر فيهم، قلّبته، أحد هؤلاء الخمسة علّمني القرآن في مدرستي في الابتدائي، الثاني درّسني القرآن في المتوسط، الثالث درّسنيه في الثانوي، والآخران كانا ممّن ترى في مخايله علائم النور. كيف يُعزّى هؤلاء؟
ثم نظرتُ فيّ، وفي كلّ ما أثمرته بذورهم وسقته غيومهم في نفسي، فإذا هم فيه شركاء، وإذا كل هذه الفيوض الثلاثة تصبّ على صاحب هذا القبر، الذي لا أعرفه ولم أره من قبل، أنا كلّي آتٍ في صحيفته يومًا ومعي كل الذين في صحيفتي.
ألا نم بسلام، إن من كرم الله ألا يُخزيك، وأن يُكرم وفادتك عليه.
جاري تحميل الاقتراحات...