سامح عسكر
سامح عسكر

@sameh_asker

19 تغريدة 5 قراءة Jan 31, 2023
استجابة للأخوة ممن يريدون استكمال شروح الفلسفة، سأشرح في هذا الثريد نظرية "كهف أفلاطون" التي تختصر فلسفة أفلاطون المثالية، علما بأن أفلاطون كثيرا ما يُساء فهمه هو الآخر رغم وضوح نظريته التي أعدها من أسهل وأوضح نظريات الفلسفة..
يتبع
#عشق_الفلسفة
كان البشر قبل ظهور الفلسفة اليونانية في الألف الأول ق. م يرون الوجود والعقل والقلب والدين وكل شئ ممثلا في (الآلهة) وتماثيلهم المختلفة ، والفرعون أو الملك هو ظل هذه الآلهة في الأرض يحرم الخروج عليه أو معارضته بصفته وريث مُلك الآلهة ووجودهم الحقيقي
عندما نشط العقل اليوناني في شرق أوروبا كان يسأل: هل هذا الوجود الموروث الذي يعيشه الناس حقيقي؟..هل فكرة البشرية عن وجود الآلهة والأشياء عقلانية؟..السؤال رغم بساطته لكنه كان وظل محور الفلسفة اليونانية التي تفرعت لاحقا لأنشطة إثبات العقل والواقع والمثال والعدل والعلم والدولة..إلخ
كانت أول ثورة عقلية يونانية على الفكر البشري القديم وبدأت تحرر مفهوم الوجود حدثت في القرنين 6، 7 ق. م عن طريق 7 فلاسفة عُرِفوا بحكماء الإغريق السبعة، أشهرهم طاليس وسولون، هم الذين تأملوا في الكون بعقولهم وكسروا ما عاشت عليه البشرية في الدين آلاف السنين
مع الثورة العقلية اليونانية وعن طريق الحكماء السبعة بدأت الناس تنظر في حقيقة دينهم وما هو أصل الكون بعيدا عن أساطير الأديان، فوصلوا لنظرية (الأصل المائي) لطاليس وغيرها ، وبدأ الإنسان يثور على معتقده القديم حتى في هذه الفترة ظهرت أديان بوذا وزرادشت وبدأ أحبار اليهود يكتبون التوراه
كانت الثورة العقلية اليونانية جزء من ثورة عقلية إنسانية كبرى على الدين البدائي القديم، لكن ما حدث في اليونان كان أدق وأعمق وأكثر شهرة وأكثر تأثيرا في تاريخ البشرية، والسر في ذلك أن ممالك الإسكندر والرومان حفظت منتجات هذه الثورة العقلية من كتب ومصنفات فبقيت ليراها الجيل المتأخر
مجمل ما وصل إليه حكماء الأغريق السبعة هو إعادة النظر في مفهوم الدين والأشياء والعدالة وسلوك الإنسان والعقل والبحث في جذور الأشياء، لكنهم لم يربطوا بين هذه المفاهيم بشكل أعمق لتفسير علاقة الإنسان بالوجود بعيدا عن الدين، ويمكن حصر إنجازهم العقلي الأكبر أن تلاميذهم وصلوا للديمقراطية
لتبسيط مشكلة الوجود التي رآها فلاسفة اليونان، فأنت عندما يكون لديك حصاناً فهو يظل موجودا إلى أن يموت، وبالتالي فهو له بداية ونهاية..هذا الوجود للحصان عند اليونان ليس حقيقيا لأنه (وجود جزئي معدوم) لكن مفهوم الحصان نفسه لغويا هو الدائم ليشمل كل الخيل التي عاشت وماتت وستعيش للأبد
الفكرة التي ألهمت أفلاطون لصياغة فلسفته تكمن في أن للعالم وجودين اثنين وليس وجودا واحدا كما رأى الحكماء السبعة، هذين الوجودين هما:
1-عالم المثال الدائم الأزلي الذي تعيش فيه المفاهيم والثقافة وجوهر الكون
2- عالم الواقع الجزئي الميت الذي نراه
الأول وجوده حقيقي..والثاني وجوده متوهم
أفلاطون لم يقل أن الأشياء التي نراها غير موجودة كما يظن بعد الناس، بل هي موجودة لكن وجودها جزء من وجود أعظم..وبالتالي فهي تظل محتملة ومتوهمة لأن الوجود الحقيقي في ذهن أفلاطون هو الدائم الكلي..أو المصنع والشريان الذي ينتج أشياء ومفاهيم كل يوم وهو الأحق بالفهم من أي وجود آخر
إذن فالقضية عند أفلاطون هي قضية (أولويات) هو يرى أن الأحق بالفهم والتأمل والتدبر ليست الأشياء التي نراها بل الذي أوجد تلك الأشياء في عالم المُثُل، وبصريح العبارة فهو تفكير ميتافيزيقي بحت لكون الرجل كان منشغلا بشكل كلي بالبحث عن القوة العليا الدائمة التي تُسيّر هذا الكون وأوجدته
مثّل أفلاطون نظريته بكهف يعيش فيه إنسان وبجانبه نار تعكس ضوء الخارج عليه ليرى ظلال العالم الخارجي، هذه النار أو هذه الطاقة التي ساعدته لرؤية الظلال هي الوجود الحقيقي أو عالُم المُثُل العليا الدائم..بينما الأشياء في الخارج لم يراها على حقيقتها بل رأى ظلالها فقط..
رؤية ظلال الأشياء عند أفلاطون دليل على أن الإنسان لا يرى شيئا حقيقيا في الواقع كونه لا يدوم..بل أن وجود هذه الأشياء متعلق بالنار أو الطاقة التي تسقط الظلال داخل الكهف..ببساطة فأفلاطون كان يرى أن للعالم (وجود واحد حقيقي) هو الطاقة العليا ومن خلاله نرى الأشياء التي هي جزء من وجوده
بوضوح فأفلاطون بنظريته في الكهف هو مؤسس عقيدة (وحدة الوجود) الدينية أو هو شارحها الأكبر، فالوجود الحقيقي عنده واحد مثالي أزلي،وأما الأشياء التي نراها فهي عارض لهذا الوجود ومتعلقة به وجزء منه، وكأن أفلاطون كان يثور على أساطير اليونان ليعيدهم إلى إله واحد أزلي متعالي عن صور الأشياء
نظرية كهف أفلاطون عند كثير من الفلاسفة هي طريقة عقلية روحانية للاستدلال على الله أو الخالق الأزلي أو واجب الوجود، وبرغم أن عليها مطاعن كثيرة واعتراضات خصوصا من أصحاب الفكر الواقعي والمادي لكن النظرية صمدت بفضل شارحيها وتطورها اللاحق في الأفلاطونية المحدثة..
@Sm1984mS وحدة الوجود عرفها الهندوس قبل أفلاطون..لكن أفلاطون هو من (عقلنها) وأعطاها بُعدا علميا محكما وتدبر ميتافيزيقي كان حكماء الهند يرفضون الخوض فيه
الفلسفة الأفلاطونية المحدثة هي التطور الأبرز في تاريخ فلسفة أفلاطون وهي التي أعطت هذه القوة الكبيرة لهذا الفيلسوف اليوناني عن طريق أمرين اثنين:
1- مداهنتها للحكام اليونان والرومان
2- ربط الدينين المصري القديم واليهودي بالعقل
فحصلت على شعبية كبيرة من السلطة والجمهور
الأفلاطونية المحدثة هي تطور لما يسمى (أفلاطونية وسطى) نشطت في عصر خلفاء الإسكندر، ومختصر هذه الفلسفة أن الإنسان يجب أن يبحث عن عالَم المُثُل العليا والوجود الحقيقي للكون وأن يعيش سعيدا وأن لا يتورط في الظلم والحروب التي كانت منتشرة في هذا التوقيت بفعل خلفاء الإسكندر
أخيرا: يجدر بي الإشارة أن فلسفات التصوّف والروحانيات الشرقية مستمدة في عمومها من عقلانية أفلاطون ونظريته في الكهف، القصة كبيرة ومتشعبة فكل من تصوّف فلسفيا داخل كل الأديان يفكر بطريقة أفلاطون ويضيف إليها لمحات من عنده لا يسع الوقت لذكرها..ولكن سنشرحها لاحقا

جاري تحميل الاقتراحات...