د. عبدالعزيز المقبل
د. عبدالعزيز المقبل

@A_ALMUQBIL

11 تغريدة 35 قراءة Sep 05, 2020
أسعد الله مساءكم بكل خير وتوفيق
مماسمعته من تاريخ القيم الشفوي حكاية لرجل ذكروا أنه اشتمل على خصلتين،وشهر بهما؛أنه لا يكذب أبداً؛لا جادا ولا هازلاً،وأنه لا يأكل(كل)ما يقدم له من الطعام..أو حسب التعبير الشعبي (يفضل).ولا زلنا نستخدم لما بقي من الطعام(الفضل والفضلة)، وهي كلمة فصيحة
أصبح ذلك الرجل مضرب المثل في الصدق، وشهرت حكاياته بين الناس، لكن الناس في نظرتهم لمثل هذا الشخص، من خلال ما يسمعون عنه بين مصدق ومكذب، وبين من يشعر تجاهه بالغيرة مما كسبه من سمعة.
والمولعون بالتشكيك، المدفوعون بالغيرة من الطبيعي أن يبحثوا عن أي شيء يخدشون به وجه سمعة ذلك الرجل.
لذا تقول الحكاية أن هناك من حاول (التشكيك) في (دقة) ما ينقل عن ذلك الرجل.. وأسوأ من ذلك من حاول أن يوقع ذلك الرجل، في (فخ) كذب ينصبه له، ليسحب بساط السمعة التي اكتسبه من تحته.
أحدهم عرف أنه قادم للبلد من طريق،يمرّخلالها ببعض سكان البادية، فقاده حرصه على(إيقاع)الرجل في(فخ)الكذب أن ذهب إلى أولئك القوم أصحاب الخيام،واتفق معهم على أنه إذا اقترب منهم ذلك الرجل،وتراءى للناظر من بعيد،أن يبدأوا في(تمثيلية) كمن يريدون أن يرحلوا،فأحد ينقض الخيمة،وأحد يشد الأمتعة
وهناك من يحمل بعض الأمتعة على الجمال. وهناك من ينادي بعض آخرين معرّضا بذكر الجهة المزمع التوجه إليها. وهيأتهم كلها توحي بالرحيل.
كان الرجل يرى حركة القوم من بعيد.. وصل إليهم، وسلّم عليهم، وشاهد انشغال القوم بما يوحي بالرحيل.
ثم واصل طريقه.
حين وصل البلد، كان المتحمسون لتكذيبه قد تعمدوا أن يجمعوا بعض الناس وسط البلدة، حيث يمرّ الرجل إلى جهة البلدة، الذي يقع فيها بيته.
بالفعل مرّ من عند المجتمعين، ولأنهم كانوا قد عرفوا برحلته، فقد كان سلامهم عليه مشتملا على بعض الأماكن التي مرّ عليها، وما شاهده في طريقه.
رفع أحدهم صوته ليسمع الآخرين: يا فلان؛ مرّيت من عند (الفلان).. يعني ساكني الصحراء، الذين كانوا يزمعون الرحيل.؟ أجاب الرجل: نعم.
سارع الرجل بالسؤال التالي: هم شدّوا.؟!(أي رحلوا)
بالتأكيد كان السؤال مقصودا، ليوقع الرجل في فخ الكذب، الذي نصبه له بإحكام.
لكن إجابة الرجل كانت عجيبة جدا، تتفق مع مبدئه(القيمي)في التزام الصدق بدقة غريبة،يحتاط فيها لنفسه من أن يقع في الكذب، ولو من دون قصد.
قال: شدّوا، ولا مدّوا،وشدة البادية مراواة.!!
أي أني رأيتهم يزمعون الرحيل،لكني لم ارهم تحركوا،وجرت العادة أن مثلهم قد يتراجعون عن عزمهم على الرحيل.
ذهب قول الرجل مثلا.. وأثبت التزامه بمبدئه، وأن ذلك أصبح سجية لديه، يجري عفوا في استعمالاته اللغوية.
وتذكر بعض الروايات حكاية أخرى، فيها (امتحان) لمدى (التزام) هذا الرجل بمبادئه، لكنها هذه المرة من تخطيط امرأة.!
حيث استضافته على الطعام، وقدمت له ثلاثة أقراص.
أكل الرجل قرصين، وأبقى على عادته قرصا.. فسارعت المرأة المضيفة بسؤاله، لتوقعه في فخ الكذب: هل شبعت يا فلان.؟!
لكن إجابته تخطت الفخ المنصوب، ونقلت الإجابة، فقد قال: أكلت خيرا، وأبقيت خيرا.
أتمنى أن أعرف مشاعر تلك المرأة حينئذ.!!
هذه الحكايات سمعتهاعندما كنت في الخامسة عشرة من العمر تقريبا،هي وأمثالها.وتركت في نفسي غيرقليل من الأثر.
عمّقت القيم لدي.
بدت أقصهاعلى زملائي فتشعرني بذاتي.
جعلتني أقترب من الكبار،حيث هم(منجم)مثل هذه الحكايات.
اجتهدواأن تحفظوا حكايات آبائكم وأقاربكم،لتقصوها على أولادكم وطلابكم.!

جاري تحميل الاقتراحات...