لم تكتمل فرحتها بابنها والممرضة تضعه بين يديها حال ولادته، ابتسمت ثم سريعا عقدت حاجبيها مفجوعة وأخذت تفرك جبين الرضيع بقوة ، انتبهت لها الممرضة وهرعت إليها وانتزعت الرضيع منها ، ظلت تصرخ وتشير إلى وجهه..
كان الأب للتو قد دخل الغرفة مسرعا بعد أن سمع الصراخ في الممر، رمى باقة الورد من يده وأخذ طفله من الممرضة التي تحاول تهدئة الجميع، ينظر إلى زوجته المفجوعة تشير بإصبعها إلى الرضيع وتتمتم ( جبهته، جبهته ). نظر الأب في وجه طفله القطني والمغمض العينين يحاول أن يجد ما تشير إليه زوجته.
تركتهم الممرضة وهي تردد ( كريزي ، كريزي )، محتضنا طفله يقترب من زوجته وهي تنفر وترجع للوراء وتنظر برعب إليه، يقربه أكثر يحدثها ( هذا هو بخير . ايش فيك؟ ) تهدأ تقترب من زوجها تتلمس جبين طفلها تخبيء وجهها بين يديها وتجهش بالبكاء.
لحظات قليلة قبل أن يدخل الطبيب بصحبة الممرضة، وضحى على السرير تبكي وسعد جالسا بجانبها على طرفه حاضنا الرضيع ويقبل رأسها ويقرأ عليها وعلى ابنه بعض الأذكار، ( ايش الحاصل؟ ) أول كلمات الطبيب المتجهم بعد يوم عمل شاق، ( مدري يا دكتور ) يرد سعد وهو يلف بذراعيه رضيعه الهاديء رغم الصخب.
تناول الطبيب الطفل من يدي سعد، بدأ بتفقده وهو يستمع للممرضة تخبره باللغة الانقليزية عن ما فعلته الأم بجبينه، لاحظ إحمراره لكثرة فرك وضحى، التفت لـ سعد ( الولد سليم الحمدلله، لكن ناخذه للحضانة نطمنأكثر) ثم اقترب من سعد ( يمكن تعاني من صدمة ما بعد الولادة ) بكلم المختصة تشوفها
وضحى تبعد يديها عن وجهها تنظر لصغيرها وهو يبتعد مع الممرضة وتضم صدرها بقوة والحليب يتدفق غزيراً،( سعد ) تنادي بصوت خافت يرتجف. يقترب منها ( ما شفت في جبهته شي؟)، يهز رأسه نفيا ويطمئنها ويقبل رأسها ( ارتاحي بروح اشوفه مرة ثانية وارجع لك )، تمسك يده وهو يغادر ( اقرا جبينه يا سعد )!
تتكيء على يد سعد وفي الأخرى ابنه، أم وضحى ترحب وتهلل وتكبر، تتناول الصغير من والده وتبدأ بذكر الله ثم تنهمر تقبيلا له، ولكن وضحى تتجاوز والدتها بوجه شاحب إلى طرف الغرفة التي جهزتها لها والدتها، كل شيء من حولها يشير إلى الفرح بأول حفيد لأول ابنة، إلا قلبها المقبوض وجسمها المنهك
ترتمي بصدر يكاد ينفجر بكاءا وحليباً، تدفن وجهها في المخدة. تسمع سعد يحدث والدتها عن ما حدث ويطلبها الانتباه لها. يقبل جبين ابنه ينظر إليه نظرة أخيرة يلتفت إلى زوجته بحزن، ( ما عليك رح الله يستر عليك ) أم وضحى تطمئن سعد ويخرج بخطى ثقيلة وعيناه تتنقل بين ابنه ( مبروك ) وزوجته وضحى.
بعد حين، يفزع الجميع للحمام على صراخ طفل،تدخل أم وضحى تمسك يدها التي كادت أن تسلخ الجلد عن رأس صغيرها فركاً بالماء والصابون بوجه متشنج وعينان غارقة في الدموع، تنزع ( مبروك )منها،كانت المرة الأولى التي تمسكه منذ أن عادت من المستشفى، تهرب الجدة بالطفل تلفه بالمنشفة تجففه وتهدئه
على الأرض في الحمام بوجه جامد الملامح كالصنم، تنظر وضحى للباب تشاهد أفواه تصرخ نحوها وعيون تنظر إليها بغضب، صدرها يدر بغزارة، ملامحها تذوب، تصرخ وتلطم وجهها، تشعر بهم يمسكون يديها وترتفع عن الأرض، تفقد الوعي وتصحو في فراشها والجميع واقفا حولها وحده سعد يجلس بجانبها ممسكا بيدها.
يلم أكتافها إلى صدره، يحتضنها، هادئة متجمدة، يقرب وجهه سعد ليتأكد من أنها تتنفس، عيناها المتورمة تبرز من النقاب، والشيخ صالح عند طرف السرير يرتل قرآنا بصوت مرتفع وينفث فيها، وفي كل مرة يطلب من أم وضحى أن تقرب الطفل لها، ولكن وضحى تشيح بنظرها عنه وتنفر منه وتغرق أكثر في حضن سعد.
كان هذا آخر الحلول بعد أن عجزت الأدوية عن إعادة أمومتها إليها، يسألها الشيخ ( ما شفتي شي يوم قطعوا سره). سؤال يشاع عن أن بعض الأمهات قد تتجلى لها رؤية يقظة عند قطع سر طفلها عنها، وقد ترى شيئا من حياته. رفعت وضحى عينيها إليه بدموع معلقة، وانتفض كتفيها، صدت عن الشيخ ولم تجبه.
قرر سعد أن تعود وضحى إلى منزلها برفقة مربية وخادمة، فلم يعد بالإمكان إيقاف الحياة، وبما أنها قد بدت طبيعية في كل شيء فيما عدا ما يخص طفلها مبروك، والذي لم يشفع له وجهه الملائكي وجسمه المكتنز الصغير بأن تحضنه أمه حضنا دافئا.
وهكذا صارت وضحى تراقب الخادمة تلاعب طفلها، ترضعه، تحممه، تنيمه، تقف على حدود الأبواب حيث يكون، وتستيقظ قبل الجميع كل يوم متسللة إلى سريره تنظر إليه وهو نائم وتحاول أن تلمسه، تحبه وتريد حمله ولكنها تخافه. تمد يدها حتى إذا وصلت إلى طرف لحافه سحبتها بسرعة وعادت باكية إلى غرفتها.
وظل سؤالها الدائم في ذهنها ( لماذا لا يرون ما أراه )، بل أنها عندما تلحظ نظرة استغراب على الخادمة تسألها ( ايش شفتي ) ولكن مبروك يثير نظرات الاستغراب في الجميع منذ ولادته. عيناه تتقد ذكاءا وردات فعله أكبر من عمره. أحيانا يشعر من يناغيه أو يتحدث إليه وكأنه يفهم ما يقول.
وبعد سنة، في عشاء أعده سعد لأحد إخوته، يقتحم مجلس النساء الأطفال هروبا من فناء المنزل، ورائهم مبروك على المشاية بوجهه البشوش وعيناه الواسعة السوداء، وفي يده وزغة ميتة، ارتبك المكان وبدأت النساء بطرد الأطفال، وضحى تقف خارج المجلس في يدها صينية ضيافة من الحلوى، ترميها وتصعد لغرفتها
تلحق بها عمة مبروك،الجميع يعرف حالتها مع ابنها، تطرق عليها باب الغرفة، ترفض الرد، وبعد انتهاء المناسبة، يصعد سعد، تسمع صوته وتفتح الباب، يسألها عن سبب ما فعلت، كانت قد فتحت الباب وعادت للسرير جلست تلم رجليها نحو صدرها وتهز جسمها، وتردد عليه ( شفته شفته ).
في مكالمة طويلة مع الشيخ صالح يشرح فيها سعد ما تعتقد وضحى أنها رأته عند ولادتها لابنها وتذكرته في آخر حادثة، انتهت على أنها مسحورة ولكن سعد لم يقتنع وهي تبدو طبيعية في كل شيء ما عدا ما يتعلق بابنها، ولم يأخذ بنصيحة الشيخ وفضل الأطباء النفسيين، على الأقل لعلاج نوبات الهلع عند وضحى
في الحمام، تجلس باكية ممسكة بجهاز اختبار الحمل، لا تستطيع أن تتحمل انجاب طفل آخر تظل عالقة بين حبه والخوف منه، في منطقة الترقب سترهن حياتها مرة أخرى، لا تريد ذلك، تضرب بطنها بقبضة يدها، تبدأ بالقفز بقوة، الخادمة تسمع البكاء وأصوات قفزات وضحى، تتصل بـ سعد ليحضر سريعا ويكسر الباب.
لم تعد تجربة الحمل الثانية فكرة مفرحة لكل عائلتها، انهيارات متكررة، مهدئات، دخول وخروج من المستشفى، حتى يوم ولادتها طلبوا تخديرها تخديرا عاما وتوليد الطفل بعملية قيصرية، لتأتي اخت مبروك الصغيرة، تضمها وضحى وهي تتفقد جبينها ضاحكة باكية، تضمها بقوة، تضمها وكأنها تضم مبروك معها.
مبروك الذي اكمل عامه الثالث، أقبل بلهفة على تلك الصغيرة. يراها كلعبة جميلة، يريد اللعب بها ومعها، ولكن أمه تدفعه بعيدا وتطلب من الخادمة الخروج به من غرفتها، ولم تحتاج أكثر من شهر حتى تطلب من سعد أن يخرج مبروك من المنزل كله.
لم تكن تستطيع أن تتحمل وجوده الذي يسمم مشاعرها تريد ان تهنأ بأمومة لم تعشها معه، قرروا وضعه عند جدته للأبد، لم يكن قراراً صعبا بعد أن استيقظت وضحى وفي حضنها طفلتها وهو على باب غرفتها قد اشعل النار في السجادة ينظر إلى أمه متبسماً. وهي تصرخ وتتصل بسعد تصرخ فيه ( شعفان يبغى يحرقني )
في السيارة مبروك يلعب بأزرار التكييف، سعد يتبسم له وفي عينيه حزن سيصبح دائما في نهاية المشوار، الخادمة في الخلف متوجهين بمبروك إلى جدته أم وضحى، كان الطريق ثقيلا رغم أنه خمس دقائق، عبره سعد وكأنه بعمره كله وهو يستعيد ذاكرة طفولته وكيف عاش سعيدا في كنف والديه. حياة لن يعيشها ابنه.
طفل سعيد في الخامسة يجري سريعا نحو إمرأة واقفة تتجنب النظر إليه يحتضن ساقها فرحا ثم يعود للعب. هذا هو المنظر الذي اعتاده الجميع عند زيارة وضحى لمنزل عائلتها، وبدأت تخف وطأته مع الأيام إلا على الجدة، التي تتبادل العبرات مع عيني ابنتها.
خارجا في نهاية الدوام من عمله، سعد يتوقف على نداء زميله، يحدثه عن فرصة ترقية في مدينة أخرى ويشجعه على عدم تفويتها، يشكره ويعده بالتفكير، يركب سيارته وعند أول إشارة يتوقف وينظر إلى جانب الطريق. رجل مشوه بأثار الحريق يلاحق قطة وفي يده ولاعة، شعفان يمر من أمام سعد
عين واحدة والأخرى مطموسة، تغطيها تجاعيد من الندب، وفم بشفتين تلتحمان في طرفها، وأسنان مكسرة، ينظر شعفان إلى سعد وقد امسك بالقطة وبدأ باشعال ذيلها. ينزل سعد سريعا يصرخ فيه. يفلت شعفان القطة ويهرب. يتوقف سعد متكئاً على باب سيارته يشعر بغضب يقبض قلبه ويشعر برغبة شديدة لرؤية مبروك.
شعفان رجل مجنون، يقال أن جنونه بدأ في سن التاسعة بعد أن توفت كل عائلته في حريق لم ينجو منه أحد سواه، وتسري نميمة بين الناس أنه هو من فعل ذلك متعمداً انتقاما من والده الذي كان يعنفه، وأنه والدته حاولت انقاذ والده وماتت معه في ذلك الحريق.
فتور، برود، حضور باهت في أرجاء المنزل، نظرات تحمل عتبا وتساؤلا، هذا ما يحدث بين سعد ووضحى في منزلهم، ولم يتبقى بينهما إلا روتين الحياة الزوجية اليومي، يحملها ذنب فقده لابنه البكر، ولكن في قلبه حب يكبل كل كلمات جارحة قد تنطلق على لسانه باتجاهها. ( ودي اجيب مبروك عندنا الشهر هذا؟ )
قرر سعد الأخذ بفرصة الترقية والخروج لمدينة أخرى، بعد رؤيته لشعفان أصبح يراه في وجه ابنه، ولم يعد يتحمل البقاء في مكان يشوه صورة ابنه، وأراد أن يقضي وقتا أكبر مع ابنه قبل أن يتركه وراءه. لم تعترض وضحى ولن يتغير إلا شيء واحد، ستكون خالة مبروك وليست أمه.
عندما جرى الكلام على لسان مبروك بدأت أسئلته، وقررا حبك قصة وفاة والدته أثناء ولادته وأن والده تزوج خالته بعدها، ليسكتوا فضوله ويكتفي بنداء جدته ( يمه )، ويظل سعيدا بالقدر الكافي كيتيم فقد أمه، التي تعيش ثكلى على مسافة حارة واحدة فقط.
مبروك فرح كآخر شهر قضاه قبل رحيل والده وأمه أو من أصبحت خالته، في لعب وشراء ألعاب، وتنزه ومطاعم وأسواق، استمر حتى سن الثامنة ينتظرهم في الإجازات، وفي زيارة للمول يجري أمام عائلته، يتوقف عند الواجهات الزجاجية ينظر إليها ويقلد وجوها ساخرة، يتجمد عند إحداها ينظر ويمسح جبينه.
تنتبه وضحى تقبض يدها وتضغط على صدرها، يصيبها الذعر، تتلفت تبحث عن سعيد الذي كان في الجهة الأخرى عند المطعم، تريد أن يكون حاضرا لهذه اللحظة، لعل مبروك يقرأ ما قرأت ، تخاف أكثر ، تريد ولا تريد، سيكره ابنها نفسه ولكن سيصدقونها سترتاح من عبء الكشف عن سرها. تنفلت منها صرخة (مبرووك).
سعيد يسمعها ويأتي مسرعا تاركا بقية الأطفال، وضحى تشير إلى مبروك حيث يقف أمام الزجاج، يتحه سعيد إلى ابنه يمسكه من متفيه وينظر إليه وينفضه ( ايش فيك )، كانت وضحى قد اقتربت أكثر لتسمع إجابة ابنها، لكن سعيد يشير بيده يطلب منها بصوت غاضب الذهاب للأطفال في المطعم ( روحي هناك لا تقربين)
مبروك المفجوع الخائف يبكي و يطلب الذهاب إلى ( يمه ) يقصد جدته، ووالده مصمم على أن يجيب. ( ليه تمسح وجهك ) سعيد يهز كتفيه أكثر، ينتبه لنفسه ولذعر ابنه يضمه ويلفه بذراعيه ويدفنه في صدرهمبروك ( خلاص بابا ). يسكت مبروك ويجيب ( امسح الوساخة ) لطخة على الزجاج رآها في انعكاس وجهه.
كان الطريق إلى الجدة رحلة صمت بين وضحى وسعيد، صمت كثيف يكاد يقطع بسكين، يدخل الجميع، يجري مبروك إلى جدته ويبدأ بالبكاء مرة أخرى، تضمه وتنظر إلى ابنتها التي فقدت ملامحها القدرة على التعبير لتصبح ثابتة لوجه حزين بعينين غائرة، سعيد يودع الجدة ( بنسافر بكرى وداعتك مبروك).
وضحى وسعيد في مدينتهم البعيدة عن قريتهم يعيشون برتابة، سعداء بأبناءهم الآخرين، سعادة ناقصة كصورة ينقصها قطعة لتكتمل، وتلك القطعة (مبروك) سعيد بحياته متأقلم مع ما حوله، متفوق مؤدب تحبه جدته وخواله ومدرسيه وأصدقاءه، وكل من يقابله يرى فيه بهجة وخفة روح جميلة تدخل القلب دون إستئذان.
وفي يوم عادي، يدخل سعيد منزله قادما من العمل، يسمع وضحى على الهاتف تتحدث: ( لا يمه لا تقولين له )،ثم تبكي وتكمل: ( طيب انتظري نجيكم) تلمح سعيد تناوله الهاتف وتخبره: ( غيمة جتهم ) وتهرب لغرفتها، سعيد ( سمي، ابشري، فاهم،اللي تشوفينه، ولدك ما فيه شك ) ويقفل ويرتمي على أقرب كرسي.
غيمة تحمل الأسرار لا المطر، قابلة القرية قديما، اعتزلت الناس في هجرة صغيرة عندنا هرمت ونبذت، تعود من وقت لآخر لتفشي سرا أو تنبش خلافا يربك الناس، كأن تخبر رجلا أنه وزوجته أخوة بالرضاع، أو تذكر عائلة بخصومة وثأر قديم مع عائلة أخرى، (غيمة) تقف عند باب أم وضحى يفتح لها الباب مبروك.
( بسم الله عليك ، من أنت ) تمسح رأس مبروك ويجيبها ( مبروك بن سعيد ) ولأنها كيوم القيامة لا تنادي الناس إلا بأسماء أمهاتهن، ( ما ابي ابوك، من أمك )، ( أمي فلوة)، تعرف فلوة جيدا، وتعرف ما حدث لها فهي من ولدتها حين حضر أم وضحى المخاض، تسكت وتلمع عينيها وتتبسم وتعرف أن هناك سراً.
أم وضحى تطل من باب المنزل الداخلي ترحب بـ غيمة، وتراها تضع يدها على رأس مبروك وتتكيء عليه لتصعد عتبات الباب، لذعة خوف تسري كالكهرباء في قلب أم وضحى، حين رأت ابتسامة العجوز الصفراء وهي تتقدم نحوها ببطيء وتناديها ( أم فلوة ) لتتأكد أم وضحى من شكها، لقد عرفت من مبروك.
كانت ليلة مطر شديد يكاد يذيب بيت الطين على رؤوس أهله، نساء العائلة بفوانيس القاز حول ( مسعدة ) التي توشك على الولادة، يصبرونها ويجففون العرق من على جبينها وينتظرون ( غيمة )، المرأة الضخمة قاسية القلب التي لا تخاف منظر الدم ولا يفزعها الموت، لتدخل فجأة وتصرخ طالبة من الجميع الخروج
خرجت وضحى للدنيا لتستقبلها غيمة، التي تكره البنات، فلا بشارة للرجل في البنت، ولن تحصل غيمة على خروف أو كيس بر مقابل هذه الفتاة، لذلك سريعا بامتعاض تقص سر وضحى بسكين وتناولها أول الواقفات خارج الغرفة وتعود سريعا قائلة ( عاد واحد ) وهي تتمنى أن يكون ولداً.
ذكريات تسري بين عيني غيمة و مسعدة التي تتذكر كيف صفعتها غيمة على وجهها حين تعبت من محاولة دفع جنينها العالق وهي تموت ألما، وكيف حشرت يدها الضخمة في جسدها الضعيف لتسحب ( فلوة ) الكاملة الجميلة الميتة. توأم وضحى، الذي تعرف الآن غيمة أن مبروك ليس ابنها، وتفكر بابتزاز أم وضحى كعادتها
( سوت فيه أمه مثل ما سويتي فيها؟ ) هذه أول كلمات غيمة بعد أن انهت على صحن التمر ، تطلق هذه الكلمات لتصيب مقتلا في قلب أم وضحى، التي تختصر الحديث (ايش تبغين؟ )، غيمة التي تقلب نوى التمر تتدعي قرائته ترفع رأسها ( سلامتك، لعنتك وانتي ادرى فيها) تنتفض شفتي أم وضحى (ما ملعون غيرك).
كيس من الرز، كرتون هيل، زعفران، والعطور والبخور، ونصف ذبيحة ( جنب كامل )، تلك غنائم غيمة من أم وضحى ( مسعدة) التي ما أن غادرتها هذه العجوز حتى رفعت السماعة على ابنتها وضحى وتحدثت مع سعيد عن وجوب اطلاع مبروك على حقيقة أمه ووضعه، كي لا تظل رهينة ابتزاز غيمة.
مع غنائمها في الوانيت تطلب غيمة من السائق الدوران في حي شعبي، وتلصق وجهها في النافذة تبحث عن شيء ما، وبعد ساعات من الدوران، تضرب بيدها سريعا كتف السائق(وقف هنا وقف)، تفتح باب السيارة وتنزل أقدامها وتنادي بصوت حاد على أحدهم، يأتي ركضا ويرتمي عند أقدامها ويمسك بركبتيها (شعفان).
@a_f_124 ابشر طال عمرك 😊
مسحت على وجهه وتشابكت تجاعيد كفها بتجاعي ندوب الحروق، ونفضت شعره من الغبار وحاولت اقفال ازرة ثوبه، ثم وضعت له مائة ريال في جيبه وأخذت من نفس الجيب ولاعة، شعفان المستكين على ركبتيها بهدوء يلمح قطة يترك غيمة ويجري وراء القطة، وتغادر هي القرية لتتوقف الفواجع حتى عودتها مرة أخرى
مبروك صامت، عيناه جاحظة، شفتاه ذابلة، ينصت لجدته وهي تخبره أن أمه وضحى مرضت بعد إنجابه وتربى عندها حتى تعودت عليه وما عادت تقدر على فراقه ولذلك طلبت من ابنتها أن تتركه عندها لأنه تحبه ولا تستطيع فراقه. ( يعني وضحى أمي؟ )، هذا كل ما التقطه من حديثها.
أصبح بعد ذلك يستقبل والديه ببرود، لم يعد حتى يحضن ساق أمه وضحى التي تصد عنه حين يقترب، ولم يعد يحب الذهاب مع عائلته أي مكان، يخرج من البيت ساعة حضورهم، ويعامل والده وكأنه رجل حتى أصبح سعيد هو الطفل الذي يسترضي مبروك.
كبر قبل أوانه وساد صمته كل شيء حوله، وانعزل في دراسته وخدمة جدته فقط، الوحيدة التي تسمع صوته وهي من يلبي ندائها في كل المنزل، وصار جمود مشاعره يضفي عليه رزانة، حتى سبق من في عمره بين الجميع في اعتمادهم عليه وثقتهم به، فتعلم القيادة مبكرا في سن ١٥ بعد تخرجه من ثالث متوسط.
ما عداها ( ريما ) بنت خاله، كل الأطفال ينفرون من مبروك، تصغره بعام، وتحدق فيه من وراء الأبواب، بعينين حادتين وخدين يملأهما النمش، تحافظ على بقعة لينة من قلبه بعد أن تحجر أغلبه، يلاحظها ويعرف ذلك ويلين كلما مر بجانبها يكسر رأسه المتيبس تعالياً، ويخف بوطأة أقدامه التي تضرب الأرض.
ولأنه شعر باليتم منح هذا الشعور كل سلوك مفترض، فقرر الناجح والاستقلال والاستغاء والاكتفاء عن الكل، حتى والده لم يعد يقبل منه مالا، ويكتفي بما تمنحه جدته، يعمل في نهايات الإسبوع في سوق الخضار ليوفر قيمة كل الدورات المتنوعة التي يداوم على أخذها كهروب من بيت لا يشعر بالانتماء إليه.
يشتري حلوى التوفي، والأقلام، والمجلات والكتب، ليناولها ريما كلما حضرت منزل جدتها، لا يهمه كلام خاله وجدته ورفضهم لهذا التصرف، مادامت ريما تبتسم وتشرق عينيها كلما ناولها شيئا حتى لو انتزعه والدها منها ورماه عند خروجهم، يجمعها ويزيد عليها ويعيد الكرة بعد الأخرى.
أتى برنامج الابتعاث منقذا، فبعد أن انهى الثانوية بمعدل مرتفع، كان الجميع قد بدأوا يسأمون تمرده ولولا الجدة لقرروا طرده التي تعودت أن تسمع من خواله ( يروح لأبوه يفكنا من شره )، ولم يكن من الشر فيه سوى أنه يعيش حياته منعزلا متجاهلا من يعيش معهم، وكسره ليد خاله أبو ريما..
كانت ليلة قرر شراء علبة مكياج لـ ريما التي كبرت وسمعها تطلب من أمها أن تسمح لها بشراء المكياج واستخدامه وهي ترفض، تحدى الجميع واشترى لها ما تريد مما اغضب والدها وجعله يمسك ب مبروك من عنقه ليوبخه ليجد الخال نفسه مطروحا على الأرض مكسور اليد، وغادر مبروك لبعثته قبل أن يطرده خواله
لم يبتسم منذ مغادرته حتى وصوله، إلا عندما وجد في حقيبته كيس قماش غريب لم ينتبه له وهو يستعجل ترتيب حقائبه للفكاك من كل هذا البؤس الذي يحيط به، كان كيس علبة المكياج الذي اهداه لـ ريما، يتلمسه بحذر الذي لم يتعود على المفاجآت السارة، يفتحه يجد رسالة وكتاب ( الشعلة الزرقاء ).
" شكرا لكل هداياك، ارجوك لا تكرهنا، وخصوصا أبي، نحن نحبك ولكن لا نعرف كيف نقترب منك، حتى أنا افرح برؤيتك لكن اشعر بالخوف إذا اقتربت، لن أنساك، وسأتذكرك إذا اكلت التوفي ووضعت المكياج، وضعت كتاب يذكرك ترسل لي على ايميلي عن كل شي يصير لك وكي أكون مثل " مي زيادة " :) ... ريما
في منزل الجدة ، وضحى وسعد وأم وضحى تنادي على ريما، ثم تقفل الباب، تطلب منها الجلوس، ( عطينا أخباره ). الحدة هي الوحيدة التي تعلم باستمرار التواصل بين مبروك وريما بعد أن قطع اتصاله بالجميع منذ مغادرته، بخجل مطرقة رأسها تخبرهم أنه بخير ومتفوق ويعيش أجمل أيام حياته، (بس) يسألها سعد؟
شعر بأن لديها المزيد، وبالفعل كانت تخفي الكثير من التفاصيل وتعتبرها حقا حصريا لها، فهي محل ثقته وحبه ولن تفرط بأن تظل الوحيدة التي يسر لها بكل ما لديه، حتى تلك الحادثة التي تخص والدته وضحى، حين هرعت إليه وأوقفته في أحدالشوارع عرافة افريقية لتنظر في عينيه وتمتم بكلمات لا يفهمها.
مبروك غادر الغربة إلى الغربة، ولم يشعر بأن شيئا تغير، مازال الناس حوله أجساد لا تعبر عن أي شيء ولا يشعر تجاهها بأي شيء. خانة الأم الفارغة في قلبه. جعلته غريبا في نفسه مفرغا من معنى الوطن. فقط ريما تسد ذلك الفراغ وتجعل له سببا يعود من أجله، تعرف ذلك عندما قال لها ( انتي كل اهلي ).
ولم يكن هذا الدور سهل على ريما، فمنذ أن أخبرها بحادثة العرافة الأفريقية، ظلت تزورها في أحلامها وهي تخنق وضحى ومبروك يقف متفرجا وريما تحاول فك عنق عمتها، ودت لو تخبر سعد ووضحى ذلك اليوم حين طلبوا طمأنتهم على مبروك، ولكنها فضلت الصمت وتحمل مشقة الغرابة التي تربك مشاعرها تجاه مبروك
ليلة في منتصف الإسبوع، مقهى صغير بجانب السكن الجامعي. يشتري منه مبروك قهوته ويعود لغرفته سيرا على الأقدام، يرتاح للأزقة كما نفسه خافتة الضوء تختبيء فيها مشاعر. يمر بجسد يتوسد الرصيف ويلتحف الجرائد وعينان حمراء تحدق فيه، ما أن يتجاوزها مسافة كافية حتى يسمع لهاثا وأقداما تحث وراءه
مبروك بأمنية موت قديمة يستدير برباطة جأش. يقترب منه جسم ضخم، يلتصق بجسمه، إمرأة افريقية بجدائل صغيرة كأشواك القنفذ، ملابس رثة وأنفاس كريهة، تضع وجهها بوجه مبروك، تدير وجهه وتفرك جبينه، تصرخ بكلمات غريبة وتتفل عليه، تفتش جيوبه تخطف محفظته ترسم خطوط بينها وبينه على الأرض وتهرب.
في مكالمة يصف مبروك بهدوء كل ذلك لريما، وهي على الطرف الآخر تشعر بالذعر تستدعي كل النمائم عنه، يزيدها ارتباكا سوء الاتصال، (اقرا سورة البقرة. الو الو، اقرا سورة البقرة)، ينقطع الاتصال، تغرق في شعور الخوف، ولا تستطيع تمييزه هل هو خوف من مبروك أو على مبروك، ولكن قلبها يشفع له
مكالمة أخرى من مبروك ولكن بعد أربع سنوات، على الطرف الآخر سعد مبتسما عيناه تشع سعادة، ( انت تعال وما عليك من شيء وانا ابوك )، يسكت يشير بيده يطلب التوقف من وضحى التي تمر أمامه يكمل ( ابشر الان تقفل واكلمه ،، الله يحفـ ...)، يلتفت لوضحى بحسرة (قفل) ثم يضحك فجأة (ولدك يبي يعرس).
ريما خلف باب المجلس نبضات قلبها تعلو على صوت زوج عمتها سعد ( والله ان يجيك ويعتذر منك، تكفا )، والد ريما يتلمس يده التي كسرها مبروك (ولدك شر حتى أمه عافته) . يقفز سعد إلى وضحى الصامتة في طرف المجلس يمسك حقيبتها ويخرج قطعة قماش بيضاء. ( هذا لحافه من يوم ولد ما تنام الا به ).
لم تتوقع وضحى أن سعد يعرف كيف تهرب من غرفة نومها كل ليلة وتضع اللحاف الذي لفوا به رضيعها عندما انجبته، تشمه وتبكي حتى تجف عينيها وتنام، حبها لابنها غائر في قلبها. تحضن كل شيء يلمسه ولا تحضنه، تتسمع أخباره ولا تسأل عنه، تتمنى عودته ولكن ليس إليها، إلى حيث يمكنها رؤيته عن بعد
سعد ينفض اللحاف القديم المتسخ في وجه أبو ريما ( انت خاله والخال والد وهو ولدك لا يضيع منا تكفا ما صدقت يقول انه بيرجع ). وضحى تقترب وتنزع اللحاف من يد سعد وتخرج من المجلس تمر بريما المرتجفة يتصافح الدمع في عيناهما تتعانقان، وتتركها وضحى خلف الباب وفي الداخل مازال سعد يتوسل.
الجدة، أم وضحى هي الحل، هذا ما استقر رأي سعد عليه، متجها لها. في فمه كلمات محبوسة تلوم وضحى عن وضع ابنهما، ولكنه حديث لا يقدم ولا يؤخر يبتلعه، يتوقف سعد خلف سيارة تسبقه للمنزل يشاهد أم وضحى تخرج مسرعة تلملم عبائتها، ينزل يريد اللحاق بها، تركب وتنطلق فيها السيارة.
( يصير خير )، عندما يقولها مبروك لريما تشعر بالرعب، للتو قصته عليه ما حدث بين والدها ووالده، وشعرت بأنه يهدد بشيء ما، تحاول استباق الأفكار برأسه، وتحكي له عن شعورها الجميل عندما حضروا لخطبتها وكيف أن مجرد كلمة خطبة أشعرتها بأنها امتلكت مبروك للأبد. لسانها العذب يحكي عن قلب مُر.
خارج القرية، هجرة على طريق وعر، منزل شعبي، وزريبة أغنام، ودجاج يدور حول فناء المنزل، وأم وضحى ترفع عبائتها عن الغبار، وتدخل من نهار إلى ليل، ممر في نهايته غرفة تنيرها نافذة لا ستارة عليها ، تتلمس جدران اسمنت غير مصبوغة تتبع صوتا خافتا ( قربي قربي)، غيمة تتمدد على مرتبة بدون سرير.
تجلس أم وضحى على الطرف، (قربي يا مسعدة) تقولها غيمة بيد ترتجف ووجه يحتضر وجسد ذابل، تقترب مسعدة بتوجس ليس من غيمة ولكن من ذكريات داهمتها منذ أن دخلت الهجرة، الخيام والبيوت الشعبية المهجورة، وما كان يعتبر قصر الإمارة حيث عاشت في كنف عائلتها، صورة والدها الأمير كما كانوا يسمونه.
تلاحظ غيمة أن مسعدة شاردة الذهن، عيناها على صندوق خشبي في ركن الغرفة، تبتسم وتمسك يد مسعدة التي تجفل وتسحب يدها، (عرفتي الصندوق؟) مسعدة لا تجيب وتسأل غيمة عن حالها ولماذا استعجلتها بالحضور إليها، وكيف يمكن لها أن تساعدها، تقاطعها غيمة ( أنا بموت مرة ثانية بعد ما ذبحني أبوك أول)
كغيمة منفردة في السماء، فتاة يتيمة محملة بالفرح، تناول أمها على الرحى القمح لتطحنه، في غرفة طينية في آخر فناء قصر الطين، تنظر لخارج الغرفة كل لحظة لتتأكد من أن مانع مازال يراقبها، لتلف وجهها غنجاً عنه. وتلبي نداء أمها المنهكة والتي حملت عن فتاتها الوحيدة تعاسة الخدمة لدى الآخرين.
مانع في قصر عمه، الوسيم الجاد، في صراع مع قلبه، يعرف أن عمه الأمير وشيخ عائلتهم لن يسمح له بالزواج من فتاة وضيعة الأصل كما يسمونها، تخدم ابنته ( مسعدة ) التي سبق وأن قرر بأن تكون زوجة لـ مانع، الذي يعزم أمره رغما عن عمه ويخطب غيمة ويهديها صندوقا خشبيا مليء بالأقمشة والعطور مهرا.
كانت ليلة هادئة قبل أن تتعالى أصوات الاستغاثة، ليسرع الجميع نحو الصوت، أم غيمة خارج منزلها الطيني الصغير في جوار قصر الأمير، يشتعل وتلطم بوجهها تريد من الناس أن ينقذوا ابنتها غيمة التي دخلت لتنقذ صندوقها، هدية ومهر مانع، الذي كان غائبا تلك الليلة في مهمة أرسله فيها عمه الأمير.
الأمير من نافذه أعلى قصره يتابع احتراق منزل أم غيمة تتلألأ النار في عينيه، يهبط إلى الناس وقد اجتمعت في فناء القصر منقذين غيمة وأمها وصندوقها الخشبي، يصرف الجميع وحال مغادرتهم يقترب من أم غيمة ( بتمسين الليلة عندي وبكرى الصباح تسرحين إنتي وبنتك ) يقولها وهو ينقر جبهتها.
تختفي غيمة وأمها بعد هذه الحادثة، ويعود مانع وقد جهزوه للزواج من مسعدة ( أم وضحى )، يكتم في قلبه أن عمه كاد أن يحرق حبيبته، ويعرف أن سلامتها الآن في البعد عنها، يتزوج مسعدة، ويظل يحلم كل ليلة بالنار تخرج من صدره، ويتجنب عيني مسعدة، فكل شيء فيه ممتلئ بـ غيمة ، قلبه وعقله وعيناه.
( يالله إن تكتبت عليهم النار دنيا وآخرة ) هي الدعوة التي حفظتها غيمة عن أمها، لتعود بها للهجرة بعد وفاة الأمير، وصندوقها الخشبي، ترمم منزلها المحترق وتسكنه، والألم والحقد والقهر يحجر قلبها، ويميت روحها، لتصبح الداية القاسية، وكل صباح تمر على القصر تسأل العاملات ( ما حملت مسعدة)
( صندوق مانع ودك فيه) غيمة تستعيد انتباه مسعدة الشاردة مع الصندوق، ومع كل الذكريات وتعرف أن غيمة مازالت حاقدة وأن كل ما منحتها إياه لم يشفع لها ولا لوالدها الأمير، ( علميني يا غيمة ايش تبين )، تسحبها غيمة ببطيء حتى تضع فمها على إذن مسعدة كأنها تلقي تعوذيتها الأخيرة( فلوة ما ماتت)
مر أسبوعان منذ أن عادت أم وضحى، تجلس على سريرها وعيناها التهبت لكثرة البكاء، صامتة تهز رأسها ووضحى تحاول أن تأكلها وتشربها وتغير ملابسها، وسعد الذي كان ينتظر أم وضحى لتقنع ابنها أبو ريما، علق مع وضحى حتى يعرفون ما الأمر، وريما تتابع وصول مبروك لحظة بلحظة منذ أن غادر بلد الابتعاث.
طيارة ثم طيارة أخرى، يبدل الرحلات سريعا، يهبط في وطنه، يركب أول سيارة إلى قريته، مبروك عازم أمره، ومع كل خطوة تحدثه ريما تتبعه وتهدئه، اختلط فرح عودته لها بخوفها من إفتعال مشكلة، وبعد عشر ساعات من آخر مكالمة، يدق باب منزلها عصرا، والدها ليس موجود، تنظر مع النافذة، مبروك واقفا
أسرعت للباب، من خلفه، خانتها الكلمات وبدل أن تتحمد له بالسلامة، تترجاه ليذهب إلى بيت جدتها حيث والديه، يرفض ويعزم على الانتظار، تفتح طرف الباب تضع شيلتها على فمها، تنظر إليه، تتصافح عيناهما، بصمت يقترب ويمد يده بهديتها، تتعانق يديهما للحظات، تبتسم ويغادر بعد أن هدأ قلبه برؤيتها
أبو ريما يجلس بجانب أخته وضحى حول أمهم، ( ما قالت لك شي؟ ) يسأل وضحى وترد بـ لا، يعيد السؤال ( من بعد رجعتها من غيمة) تهز رأسها إيجابا وهي تدلك ظهر أمها وكتفيها، سعد في المجلس ينتظر كل شيء، كل شيء متوقف، إلا أن انتظاره ينقطع حين يدخل مبروك، يقفز مرحبا ( أرررررحب )، ويحضن ابنه.
وما يكاد يبدأ حديثهما، حتى يضج المنزل في الأعلى، أم وضحى تستيقظ من غيبوبتها، تصرخ ( ابغا شعفان، هاتو لي بنتي )، وضحى تطلب من ابو ريما امسكاها وتهدئتها، تتفلت للخروج من المنزل، تصل للمجلس، تشاهد حفيدها، يضمها مبروك بقوة ويبعد الجميع عنها، يطلب مفتاح سيارة والده ويخرج بها من المنزل
أم وضحى متكومة على مقعد الراكب، ورأسها على المسند بين المقعدين، تئن ( يا وجدي يا فلوة ) تكررها ثم ترفع رأسها وتسأل مبروك ( شفت شعفان؟ ) يمسح رأسها ويعيده على المسند ( ابشري بنلقاه يمه، ابشري)، ويتذكر اسم فلوة، أمه التي كان يدعو لها في صلاته كل فترة طفولته قبل أن يعرف الحقيقة.
في منزل أم وضحى، سعد ووضحي وأبو ريما، في المجلس بصمت ينظرون إلى بعض، أعينهم فقط تحمل مخاوف كبيرة، وخصوصا وضحى، الشاحبة كمن رأى شبحا، ينتظرون عودة أم وضحى ومبروك، وأبو ريما يرد على ريما ويخبرها أنه سيتأخر وهي في الطرف الآخر لا تعرف عن ما يحدث وتخاف من أن أمرا حدث بين والدها ومبروك
من المطبخ صوت إحدى الخادمات ( حريق حريق )، يسرع سعد وأبو ريما ووضحى تخبيء رأسها بين ركبتيها خوفا، يجدون الفرن وقد اشتعل يطفئونه ويعودون، ليجدوا وضحى تبكي وتضرب رأسها( عودوا، عودوا) ينهرها أخوها ( اذكري الله بس، وقومي غرفتك )، تنهض بمساعدة سعد وتغادر تسحب قدميها
وقبل أن تصعد كان مبروك قد عاد تتكيء جدته على يده، تسرع وضحى لأمها وتتناولها دون أن تنظر لابنها، تصعد بها إلى غرفتها، ومبروك يمر من المجلس ينظر إلى خاله يشير له بسلام بارد، لم يعد موضوع ريما مهما الآن، لقد قرر أن يعرف ما مشكلة جدته ولماذا تبحث عن شعفان، وما علاقته بـ فلوة
تحل الكآبة على منزل أم وضحى، كـ عزاء دون ميت، يزورها النساء للاطمئنان، لا تتكلم ، تضم نفسها، ، يدخلون عليها إمرأة تلو الأخرى ثم يخرجون إلى مجلس النساء، ليبدأن العجائز بالثرثرة همسا، لتقول إحداهن ( لعنة راس ابليس ) لتصحح الثانية (راس النار )، وتعلق الثالثة ( الله يكفانا شر السحر)
وضحى تسمعهن من خارج المجلس، وتتذكر القصص التي مرت بها خلال فترة طفولتها عن حياة عائلتها، عن كيف بدأ ذلك منذ ولادتها، فكان قصر جدها الذي ولدت فيه، تشتعل فيه النيران من وقت لثاني، وكيف أن والدها انتحر مشعلا النار في نفسه بعد أن مرض واكتأب وهجر والدتها، وكيف ظلت أمها تكرهها زمنا
مبروك في الشوارع يبحث عن ( شعفان ) يسأل الناس، يمر كل الشوارع التي سبق وأن عرف تردده عليها، وفي المنزل وضحى تنصت لكل كلمة تخرج من فم أمها كهذيان المحتم، وصراخها أثناء نومها، كلاهما يبحث عن سر ما أخبرته غيمة لأم وضحى وحول حياتها وحياة عائلتها إلى جحيم منذ أن عادت تحمله في قلبها.
للمرة الأولى يجمع مبروك وأمه هم واحد، تلتقي أعينهما في كل مرة يزور جدته، وكأنه يفهم سؤال أمه ( هل عرفت شيئاً ) ليهز رأيه بالنفي، ثم ترمي سؤالا آخر ( وريما؟)، ليجيب بالنفي ( ولا شيء ) وفي لحظة غريبة، مدت وضحى يدها لتلمس يد مبروك، ولكن هذه المرة هو من يسحب يده بسرعة ويغادر.
ريما تغفر لمبروك ردوده المختصرة على رسائلها لجواله، ( بخير ) ، ( ماشي الحال) ، ( ولا شيء )، ولكن تمر ستة أشهر والوضع لا يتغير، والفرح يبدو بعيدا جدا عن كل العائلة، والحب الذي كان كغيمة بيضاء بلون فستان عرسها، ولبس السواد ككآبة ما يحدث،
في يوم بدأ يفقد فيه مبروك الأمل بالعثور على شعفان، يقابل أحد أصدقائه من الثانوية والذي أصبح موظفا في أحد الدور التي ترعى الأيتام والحالات الخاصة، ويسأله ( شفتك مرتين تدور في حي العمال؟ محتاج عامل ) ليرد مبروك بالنفي وأنه يبحث عن شخص، ليلح صديقه بالسؤال عن هذا الشخص ويجيبه (شعفان)
(تقصد المحروق) ثم يبتسم ( أو المحروقة )، هكذا يرد صديق مبروك عليه ذاكرا له أن هذه الحالة قد مرت به عندما بدأ وظيفته في دار الرعاية وكانت من أغرب الحالات التي ادخلت للمركز، وكان هذا الخبر وكأنه فتح من السماء على مبروك الذي يشد على يد صاحبه، ويطلب منه أن يستعلم عن كل الموضوع.
بعد إسبوع من لقائهما يقابل مبروك صديقه، يركبه السيارة ويرفض الجلوس في أي مكان، ويلح على صاحبه بأن يبدأ بالكلام، لأنه لا يريد أن يكون في أي مكان قد يسمع فيه الحديث أحد آخر. ويبدأ بأن يسأل صاحبه أول سؤال ( ليه قلت محروقة.؟)، لينطلق صاحبه بسرد كل ما جمعه من معلومات من الدار وموظفيها
مبروك الذي يريد معرفة سر جدته، لم يتوقع أنه يبحث أيضا عن سر قصته، يستمع لصاحبه، ينهمر عرقه، يضيق نفسه مما يسمعه وما أن يصل إلى النهاية حتى ينطلق نحو منزل جدته، يدخل ويصعد سريعا إلى غرفة جدته، يجد أمه وضحى يتجه نحوها يمسك كتفيها ينفضها وهي تحاول التفلت منه ( علميني كل شي كل شي).
وضحى تصد عن وجه مبروك تبكي تصرخ، وهو مستمر في هزها يستحثها على الحديث، تمتد يد باردة تمسك يده، أم وضحى وكأنها تعود للحياة، ( خل أمك يا مبروك أنا بعلمك)، تخرج وضحى سريعا، يسند مبروك جدته كجثة على السرير،يرفع رأسها، يضم يديها بين يديه، شفتاها تنتفض والعبرات تقطع أنفاسها تبدأ الحديث
أم وضحى تتحدث بثقل والكلمات تخرج من فمها بعناء، وتسعفها ابنتها وضحى باكمال بعض جملها، ومبروك يسمع بتركيز ويرتب ويملأ بما تقوله جدته مع مالديه من معلومات وإشاعات وقصص عن عائلتهم مرت به قديما وتجاهلها معتقدا بأنها خرافات يراد منها تضخيم مكانة عائلتهم، لتتضح معالم القصة وحقائقها
"شيخ النار" هو اللقب الذي اطلقه الناس على جد مبروك الأكبر والد جدته مسعدة، فلقد تعرد الانتقام مع خصومه بحرق منازلهم وحظائرهم ومزارعهم، واسموا قصره الطيني ( رأس ابليس )، وهو القصر الذي عاشت فيه أم وضحى وزوجها وابن عمها مانع وانجبت بناتها وأبناءها ومنهم فلوة.
تلك الليلة التي اعلنت فيها غيمة عن ولادة وضحى وخروج فلوة ميتة، كان والدهم مانع غير مكترث يجلس في ساحة القصر، خرجت غيمة مسرعة وفي يدها جسد طفل ملفوف، مرت بحبيبها الذي حرمت منه نظرت في عينيه وأستأذنته بدفن الجثة، تمر دقيقة ينظر حزنا في غيمة قبل أن يجيبها بالموافقة
في زمن لا أحد يأبه بولادة البنت حية، لم يكن أحد ليأبه بجثمان طفلة ميتة، انطلقت غيمة إلى منزلها، وفكت الخرقة التي لفت بها الطفلة، تتمغط يديها الصغيرة وتزم شفتيها تسأل ثديا يرضعها وعينان بنصف اغماضة تنظر لها غيمة بمشاعر مختلطة ببهجة إي أمرأة ترى مولودا، وانتقام غائر من عائلة فلوة
تنظفها وتخرج من صندوقها الخشبي فستان عرسها الأبيض وتقطع منه جزءا تلف به فلوة وتجمع بعض الأغراض وتخرج مسرعة من الهجرة إلى القرية حيث يسكن ابن اختها " مشخص " وزوجته فاطمة ، المحرومان من الإنجاب، تصل لهم فجرا تطرق الباب وانفاسها تتقطع من التعب والخوف وكأن هناك من يطاردها.
مشخص المعروف بـ " أبو جفن"، لندبة جرح فوق جفنه الأيمن، كان تاجر اغنام حتى تسللت المخدرات إلى القرية، فبدأ بها متعاطيا يهرب من خيباته ليصبح تاجر مخدرات ميت القلب ينتقم من المجتمع الذي ينظر لأصله بوضاعة والى فحولته بانتقاص لأنه لا ينجب، وتكون زوجته اليتيمة فاطمة متنفس نقصه وعنفه.
في هذا المنزل كبرت فلوة، وكانت أول خطواتها في منزل يشوبه العنف والإجرام، أم مكسورة ضعيفة وأب مدمن، فكانت وظيفتها فترة طفولتها هي مواساة أمها فاطمة التي يتركها أبو جفن بوجه مدمى كلما داهتمه احدى نوبات غضبه، بالإضافة الى ما يكلفه بها أبو جفنمن أعمال توصيل المخدرات لبعض الزبائن
لم يكن لـ. فلوة سعادة إلا حين تزورهم في الاعياد غيمة التي اصبحت جدتها، وبعض أوقات المرح في الشوارع التي تتسكع فيها مع الاطفال وهي توصل المخدرات، لا أحد يعتني بها، لا أحد ينتبه إلى أنها بدأت تتحول إلى انثى ناضجة، سوى أحد أصدقاء ابو جفن الذي نبهه لذلك عندما لمح لرغبته بالزواج منها
( بزرة ما تنفع لك ) كان هذا رد أبو جفن، قاله وهو يركز في فلوة وهي تقدم لهم الشاهي، ( اي بزرة الله يهديك ) ويضحك الرجل مشيرا بحركة من يديه الى تفاصيل جسد فلوة، ( اشرب شاهيك وانقلع )، ليخرج الرجل وقد ترك في نفس أبو جفن شرا لن تستطيع فلوة الفكاك منه.
فلوة لا تجذب الانتباه، غيمة حرصت على أن تحلق شعرها كولد في كل زيارة، وأوصت فاطمة وزوجها على أن يطمسوا معالم انوثتها كي لا يكتشف أحد أنها مختطفة، يعاملونها كولد وتتصرف كولد، حتى جاءت تلك الليلة التي حاولت فيها فلوة افتكاك امها من يد أبو جفن السكران، لينتهي بها الأمر بين يديه.
ما حدث وظل يحدث لفلوة ولم تفهمه كطفلة ومنعها الخجل والخوف من أن تجد أحدا تشكوا إليه أو ينقذها منه فحتى فاطمة كانت أضعف من أن تتدخل، وجدتها غيمة التي تأتي بزيارات خاطفة تنظر لها بعينين أكثر شرا من أبو جفن، وانسجنت في جسد تكرهه مع عائلة تكرهها، في مجتمع ينجو فيه الرجال من العقوبة.
قست، تحجرت، ازدادت جنونا، تحلق رأسها، تجن لو شكت أن أحدا يعاملها كفتاة، تضارب الأولاد، جريئة كمن يتمنى الموت، تتحدى حتى زبائن أبو جفن، اعتبروها مجنونة، اطلقوا عليها لقب شعفان لنوبات صراخها في كل من يتعرض طريقها. حتى اختفت فلوة وفي سن الخامسة عشر ونسيها الناس ولم يبقى إلا شعفان
في يوم تتسيقظ على صراخ فاطمة ، تجد أبو جفن سكراناً يحمل ملقطا من الجمر يسخنه ويكوي به أجزاء من جسد فاطمة، تنطلق نحوه تمسك يده بكل قوة يدفعها وتسقط بجوار المجمر، تحمله وتكبه على رأسه. لتشتعل فيه النار وفي كل شيء حوله، تحاول الهرب بفاطمة، تحاول سحبها ولكن الدخان يفقدها وعيها.
(بسرعة الاكسجين)، ( بللوا الشرشف)، (وين الجراح). نداءات كثيرة باصوات مختلفة، ونقرات اجهزة وابر ومحاقن، تفتح فلوة عينيها للحظة تلتقط صورة مشوشة لشبح أسود يحاول الطاقم الطبي إبعاده ( خلينا نشوف شغلنا، انتظري برا الله يرضى عليك )، وكشاف صغير يسلط على عينيها، تغمضهما وتعود لغيبوبتها.
يتبع اليوم إن شاء الله
هذه القرية مشوهة، تحمل في شوارعها لعنة قديمة، خطى شعفان في كل مكان، هكذا يراها مبروك الآن، بعد ان استمع الى جدته وأضاف إليه ما ذكره له صاحبه موظف دار الرعاية عن حالة فتاة طلب منهم المستشفى بعد انتهاء علاجها حين عجزوا عن العثور عن أي قريب لها. فقط عجوز تأكدت من أنها حية ثم اختفت.
يذكر صاحب مبروك أن الموظف الذي وكلت له حالة فلوة صعب عليه اقناع موظفة الرعاية التي ذهبت معه لاستلامها لصعوبة ما رأته، فاضطر لطلب المساعدة من إحدى الممرضات التي اشرفت على علاجها طوال فترة تنويمها. وأنه لولا أن الأوراق تؤكد على أنها فتاة ما استطاع ادخالها لقسم الفتيات في الرعاية.
شعفان، فلوة، لا أحد يستطيع معرفة هوية شوهتها الآلام قبل أن تشوهها النار، فاقدة للكلام، يلفونها بحزام قماشي يكتف ذراعيها على صدرها لكثرة ما تحاول التفلت منهم، يقحمونها في غرفة خاصة بعيدة عن نزيلات الدار اللواتي هربن عند رؤيتها، لتبدأ بحرق كل شيء حولها كلما وجدت ثقابا لتهرب أخيرا.
لم يشعر مبروك بالاتجاهات بعد أن خرج من عند جدته، يطارد في عقله خيط لعنته منذ بدايته، ليجد قلبه قد أخذ بزمام الطريق واوقفه عند باب ريما، آخر ما يملكه من وطن يلجأ إليه، قلبها، بوصلته في كل هذه الذاكرة المظلمة. يجلس على العتبة، لا يطرق الباب، ولا يشعر بتوقف سيارة خاله أبو ريما
( تبغا تشوف ريما؟)؛ كلمات كالرذاذ تهطل من فم خاله عليه، لم يتوقعها، الحزن والمصائب الكبيرة، تجمع الناس وتقربهم، لم يجب بالكلام، كان وقوفه السريع على العتبة مواجها للباب ينتظر خاله ليفتح له إجابة كافية، يدخله للمجلس ويقف عند بابه وما يكاد ينادي على ريما إلا وكانت تقف أمامه.
بحجابها وبطرف منه متلثمة تدخل ببطيء، تمر من والدها ( عارفة اللي صاير) تهز رأسها ( ايه توني قفلت من عمتي وضحى وقالت يمكن يجيكم مبروك ). يطلب منها الجلوس قريبا من مبروك الذي لف ركبتيه الى صدره وانزل رأسه بينهما، تراقب أنفاسه تعلو وتهبط بظهره ثقيلة، وصوت بكاء مكتوم خشن كمن يجرش حجرا
تخجل من لمسه، وكي يرفع رأسه تدفع بصحن التمر بين قدميه، لينتبه لوجودها، يرفع وجهه إليها وتلتقي أعينهما مباشرة وجها لوجه ورغم كل لقائتمها السريعة إلا أن ريما لأول مرة تنظر إليه جيدا وبوضوح وقبل أن تتحرك شفتاه، يملأ وجهها الرعب ، ينظر إليها ويشاهد وجه أمه كلما رأته، وتخرج هاربة.
(حتى ريما؟) كان هذا آخر سؤال سألته لمبروك الذي يبلغ الان من العمر خمسين سنة ويبيع الحطب على طريق المتنزهين في البر، وفي جبينه أثر جرح أسود فعله بنفسه بعد آخر لقاء له بريما، عندما فهم أن كل من احبه كحب أمه سيقرأ في جبينه لعنة جده شيخ النار ...
تم الجزء الأول .... شكرا لكم
@19980_jah هلا ، صباح الخير 😊 هي ما تريدين أن تكون
جاري تحميل الاقتراحات...