Dr. Rami Arabi
Dr. Rami Arabi

@Rami_Arabi93

16 تغريدة 25 قراءة Oct 14, 2020
عندما تشغل وظيفة في مكان ما، لا تفضل العمل فيه، فيستهلك هذا العمل طاقتك، طموحاتك ويقتلك ببطء، بطء مؤلم.. يجعلك ربما تستعجل الموت، هذا القطعة الفنية عن الفراغ، الوحدة و عندما يكون عملك هو كل شيء و أيضا لا شيء.. هذه قصة بارتلبي النساخ وجملته الشهيرة { أُفَضِّل ألا... } Thread
في بارتلبي النساخ يحكي لنا القصة من بدايتها لنهايتها رئيس بارتلبي في العمل ، تم توظيف بارتلبي في المكتب ليعمل كناسخ و مدقق للوثائق الرسمية القانونية.. لكن مع مرور الأيام يبدأ رئيس بارتلبي بملاحظة أشياء غريبة جدا ،،
كان عندما يطلب من "بارتلبي" عمل بعض الأشياء مثل قراءة وثيقة ما.. يرفض بكل لباقة و استفزاز بقوله { أُفَضِّل ألا أفعل } .. هذا الرفض الذي من المفترض أن يشعل غضب الرئيس او مدير "بارتلبي"، كان له مفعول آخر وهو الاستغراب التام و الصدمة و ترك "بارتلبي" ليكون حرا دون طلب منه أي شيء..
تمر الأيام ويكتشف مدير "بارتلبي" بالعمل، ان "بارتلبي" يستخدم المكتب للسكن، ينام فيه يأكل فيه ويعيش فيه، فهو بلا منزل ،بلا أصدقاء بلا عائلة و إن صح القول بارتلبي "خالي من الحياة".. ومنذ قدومه للمكتب ليعمل كان بارتلبي منعزلا عن باقي الموظفين لا يتحدث ولا يصدر أي ضجيج.. فقط صامت،،
يتطور الأمر ليقول "بارتلبي" لمديره انه { يفضل ألا يعمل } على أن يبقى بالمكتب و وظيفته، كان الطلب بالطبع غريبا ومفاجئا وغير مفهوم، لماذا هذا التغير.. كان بارتلبي يعمل ثم قرر ألا يعمل، كان هذا القرار بمثابة اعلان استسلامه ، خسارة الحرب أمام الحياة.. لا يريد المقاومة او فعل اي شيء،،
نلاحظ ايضا تضارب مشاعر الراوي وهو مدير "بارتلبي" فلا يعلم أيعنفه ،أيستخدم إجراء قانوني ضده ام يشفق عليه لمدى ما وصل اليه "بارتلبي" من عزلة و وحدة موحشة، فهذا "البارتلبي" ربما الشي الوحيد الذي يفعله طوال اليوم هو مراقبة الجدار..
كان تفسير مدير "بارتلبي" و راوي القصة في نهاية الكتاب ان سبب هذه التصرفات الغريبة وعزلة "بارتلبي" هي إشاعة سمعها انه كان يعمل في مكتب "الرسائل الميتة" وهي رسائل لم تصل لأصحابها لأن المرسل اليه قد توفي.. فالتعامل كل يوم مع عدد الرسائل التي لا تصل، شكل صدمة واكتئاب "لبارتلبي" ..
ربما لهذا السبب كان "بارتلبي" يرفض قراءة اي ورقة وقوله دائما { أُفَضِّل ألا أفعل } كان يفضل ان ينسخ وحيدا، ثم توقف عن النسخ أيضا لتكون بداية النهاية المأساوية التي أتركها لكم لقراءتها..
هذه الصورة من الأعمال الأدبية بوجود الجسد لكن الفكر و النفس مشغولة بعوالم أخرى، حيز آخر من اللامعقول والغير مفهوم نراها في أعمال مثل "الغريب" لألبير كامو و "التحول" (المسخ) لفرانز كافكا..
هذه العبثية التي تتكرر مثلا في "غريب" كامو الذي ارتكب الجريمة بسبب أشعة شمس.. و عبثية صمويل بيكيت المتمثلة في رجلين ينتظران المجهول (جودو) ، كلها أعمال تجعلنا نتفكر فينا كبشر و هنا في غموض بارتلبي، لماذا كان ساكن لا يتحرك، صامت لا يتكلم، ميت لا يريد الحياة.. ماذا حدث له..؟
للإطلاع على عبثية بيكيت "في إنتظار جودو"
اعتقد انه يوجد بارتلبي صغير بداخل كل شخص فينا، { يفضل ألا يفعل } الشيء.. لكنه يفعله مجبورا بالنهاية لأن هذه حياته و رزقه لا خيار له، الكثير عندما يقرأون هذا العمل ربما يشعرون بضعف وهوان "بارتلبي" لكني أراه شجاع جدا لأنه قال بكل جرأة ضد كل الضغوطات بأنه { يفضل ألا يفعل } لقد اكتفى
شخصيا "أُفَضِّل ألا" أتعمق أكثر في فهم دوافع "بارتلبي"
تنتهي الرواية بهذه الجملة :
(( آهٍ يا بارتلبي.. آهٍ أيتها الإنسانية ))
ابداع آخر من الكاتب هرمان ملفل.. لكن لا أظن أن أي عمل له سيتفوق على ملحمته الكبرى موبي ديك ،هذه الملحمة التي جسد فيها الصراع البشري ضد قوى الطبيعة المتمثلة في البحر، و ملحمة موبي ديك في الأصل مستوحاة من حادثة واقعية حدثت عام ١٨٢٠ م وتم توثيقها في كتاب "في قلب البحر" من دار كلمات
يمكنكم الاطلاع على تحليلي لملحمة "موبي ديك" من خلال الرابط التالي :
اقتباس : ((.. نظيفا بشكل شاحب، مهذبا بشكل يرثى له، وبائسا على نحو يتعذر شفاؤه.. كان ذلك بارتلبي ..))
~ هرمان ملفل - بارتلبي النساخ

جاري تحميل الاقتراحات...