12 تغريدة 164 قراءة Aug 30, 2020
كان دائمًا يُثيرني سؤال: لماذا بعد انتهاء العلاقات وبعد الأذى والتشظّي وتيقّن النهاية، يبحث عن النّاس عن كلمة أخيرة، لقاء أخير، مكالمة أخيرة ليقولوا شيئًا؟
المَوت لا يكتمل إلّا: بالرِثاء وإعلان الحِداد، ومناقشة ما مات فينا.
إنّ الحِداد ضرورة لعبور ما تحطّم وممرّ إجباري للانعتاق
نبحث عن وداع أخير، أو رسالة أخيرة.. لكي نفهم على الأقل، ونقول ما يجب قوله.
ولكي نتأكّد مرّة أخيرة أنّ ما ندفنه قد ماتَ حقًّا.
وغالبًا فإنّ ما نبحث عنه هُنا، شَيء يتعلّق بتقديم إجابة لأنفسنا، تكريس وتوثيق لواقعة مَوت العلاقة وانتهائها.
هذا في جوهره بحث عن عزاء ذاتي، شكل من أشكال المآتم التي نُقيمها لذواتنا.
وهذا وَعي خبيث آخر يأسرنا، ونتوهّمه.
وهذا التوهّم مفاده، أنّ بإمكان ما مات أن يعود للحياة، لكنّنا نعرف في قرارة أنفسنا أنّه قد مات، لكنّنا نُريد أن نُلقي نظرة أخيرة على جثّة هذا المَيّت وأن نُشرِف على تكفينه ودفنه.
لكي لا يعود الأمل في وقتٍ لاحق، فيعبث بنا أنّنا لَم نشهد دفنه.
هذه الفكرة، حاضرة جدًّا بالتحليل النفسي: البحث عن (خاتمة).
بحسب التحليل النفسي، النّاس الذين لا يقومون بإقامة حداد ومأتم رسمي لإنهاء ما قد تحطّم، غالبًا ما يظلّون عالقين عند نقطة ما مُتوهّمة، لا ترحل ولا يرحلون.
وبسبب بقائهم عالقين، فإنّهم يعجزون عن مواصلة حياتهم بشكلٍ طبيعي.
لكنّ المُفارقة المُهمّة هُنا، هي أنّ النّاس غالبًا ما يبحثون عن اعتذار يليق بالأذى الذي تعرّضوا له.
ومَكمن المُشكلة هُنا: هي أنّ مَن قام بأذيّتك، غالبًا لَن يَعنيه أن يُقدِّم لكَ عزاءً أو اعتذارًا أو تفسيرًا.
وهكذا نظلّ عالقين بانتظار:
- اعتذار عمّا حصل
- تفسير لما حصل
- خاتمة تليق بما حصل
ولذلك تتمركز وظيفة العلاج النفسي عن المُحلّلين النفسيين على مُناقشة ما ماتَ حقًّا ولَم يَمُت فينا. وعلى مساعدتنا على إغلاق الصدمات وتكنيس الرُكام وترتيب المُتشظِّي وتتنسيق المُشوّه.
أيضًا هذا يُذكّرني بكتاب لطيف ونظرية جميلة يستخدمها تيموثي كيري البروفيسور في علم النفس حول (التحكّم والسيطرة) كأساس تواصلي اجتماعي.
بحسب هذه النظرية، فإنّ مشاكلنا الاجتماعية تتأتّى من فكرة مفادها (فشلنا في أن يسير الآخرون كما نريد/بطريقتنا)
وحين يحدث هذا نقوم بتعويض هذا الفشل.
أيّ أنّنا حين نفقد القدرة على السيطرة على أحدهم (أن يسيروا وفق رغباتنا أو الطريق الذي كُنّا نريدهم أن يسيروا به) فإنّنا نقوم بتصرّفات بديلة ولو كانت هامشية وغير مؤثّرة، تحقّق لنا الشعور بالسيطرة الأخيرة.
وما يحدث هنا على مستوى انتهاء العلاقات، حين نطلب لقاء أو مكالمة أو وداع أخير، هو:
أنّنا نُؤكد لأنفسنا أنّنا استطعنا أن ننتزع شيئًا ما، حدث بكامل إرادتنا واستطعنا إخضاع الآخر له (الذي فشلنا بأن يسير كما كُنّا نتمنّى أول مرة).
شعورنا الآمن بأنّ الأمور قد انتهت على الأقلّ كما نريد
بقي أن أقول أنّ هذا لا يحدث على مستوى العلاقات فقط.
حازم صاغية يشير لهذا حول مشاريع فكرية كثيرة، وأيدولوجيات ماتت دون أن نناقش مَوتها فظللنا عالقين عندها، دون أن ننعتق منها بالرغم من موتها.
ومثله الوظيفة التي تُؤذيك وتخرج منها بشكل غير لائق وبلا نقاش، تظلّ هاجس عُصابي نفسي.

جاري تحميل الاقتراحات...